آخر الأخبار

إلى الكونغو بدل واشنطن.. هل تغير أمريكا وجهة حلفائها الأفغان؟

شارك

واشنطن- تتجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب نحو مقاربة مثيرة للجدل في التعامل مع ملف حلفاء واشنطن الأفغان، عبر بحث إعادة توطين مئات العالقين في قطر داخل دول ثالثة، من بينها جمهورية الكونغو الديمقراطية ، وفق ما أفادت به منظمات حقوقية مطلعة على المشاورات الجارية.

ويأتي هذا التوجه في وقت يشهد فيه مسار إعادة توطين هؤلاء الأفغان تعثرا واضحا، بعد شبه توقف لإجراءات منح التأشيرات منذ مطلع عام 2025، ما أبقى مئات ممن تعاونوا مع القوات الأمريكية، أو لديهم روابط عائلية داخل الولايات المتحدة، في حالة انتظار مفتوحة رغم استكمالهم مراحل تدقيق أمني مسبقة.

ولا يتعلق الأمر بموجة لجوء جديدة أو حالات هجرة غير موثقة، بل بفئة محددة من الأفغان ارتبطت ملفاتهم مباشرة بالحرب الأمريكية على أفغانستان بين عامي 2001 و2021. وتشمل مترجمين، وشركاء سابقين في العمليات الخاصة، وأفراد عائلات مواطنين أمريكيين، إضافة إلى نساء عملن في مهام أمنية وعسكرية.

مصدر الصورة عائلات تم إجلاؤها من كابل تسير لركوب حافلة بعد وصولها إلى مطار واشنطن دالاس (أسوشيتد برس)

مسار معلق

وتكتسب القضية حساسيتها من محدودية العدد المطروح، إذ يدور الحديث عن نحو 1100 شخص، بينهم نحو 700 إلى 800 من النساء والأطفال، نُقلوا إلى دولة قطر ضمن مسار يُفترض أن يكون انتقاليا نحو استكمال إجراءات الهجرة الدائمة إلى الولايات المتحدة.

وكان هؤلاء قد أُجلوا أساسا في إطار ترتيبات أمريكية هدفت إلى إعادة توطينهم عبر مسارات قانونية، أبرزها برنامج "الترحيب الدائم" (Enduring Welcome)، قبل أن تتعثر هذه العملية مع تعليق أو إبطاء العمل بهذا البرنامج، ما حوّل هذا المسار المؤقت إلى إقامة مفتوحة بلا أفق واضح.

وفي حديث للجزيرة نت، أكد رئيس تحالف "أفغان إيفاك" شاون فاندايفر، أن المقاربة الحالية "تمثل تراجعا واضحا عن التزامات قطعتها الولايات المتحدة تجاه شركائها"، مشددا على أن هؤلاء "لم يغادروا بلادهم بحثا عن اللجوء، بل تم نقلهم ضمن مهمة رسمية قادتها واشنطن".

إعلان

وأضاف أن الفئة العالقة في قطر خضعت مسبقا لعمليات تدقيق أمني صارمة، ما يجعل وضعهم مختلفا عن مسارات اللجوء التقليدية. فقد كانوا "على وشك الانتقال إلى الولايات المتحدة قبل أن تتوقف العملية"، وأشار إلى أنهم اليوم يعيشون في حالة غموض تام، إذ "لا يتم إبلاغهم بأي شيء، ويتلقون معلوماتهم من الإعلام".

خيانة للثقة

وإن رفضت هذه الفئة الوجهات المقترحة، ترجح منظمات أن يُستخدم ذلك لاحقا ضدهم باعتباره رفضا لحل متاح، بما قد يفتح الباب أمام إعادتهم إلى أفغانستان، وهو ما يثير تساؤلات أوسع حول مدى وفاء واشنطن بالتزاماتها تجاه من خدموا معها خلال الحرب.

ويرى مراقبون أن الرسالة التي تبعثها هذه السياسات لا تقتصر على أفغانستان، بل تمتد عالميا لتثير تساؤلات حول مدى موثوقية واشنطن تجاه حلفائها في النزاعات المستقبلية.

وفي هذا السياق، يرى المدير السابق لملف أفغانستان في وزارة الدفاع الأمريكية جيسون كامبل، أن ما يجري يوجه "ضربة مباشرة لمصداقية الولايات المتحدة"، مشيرا إلى أن الحديث يدور عن عدد محدود خضع مسبقا لتدقيق أمني، وكان من المفترض استكمال إعادة توطينه ضمن التزامات قائمة.

ويحذر كامبل -في حديثه للجزيرة نت- من أن الإخفاق في معالجة هذا الملف، رغم محدودية كلفته، لا يقتصر أثره على الحالة الأفغانية، بل يخلق سابقة قد تؤثر على قرارات شركاء محليين في نزاعات مستقبلية، عند تقييمهم لمخاطر التعاون مع الولايات المتحدة.

مصدر الصورة مُجلون من أفغانستان ينتظرون السفر للولايات المتحدة داخل قاعة مؤقتة بقاعدة رامشتاين الجوية بألمانيا (أسوشيتد برس)

أزمة إنسانية

وتثير خطة الترحيل انتقادات واسعة من منظمات حقوقية، لا سيما بسبب تداعياتها الإنسانية على المعنيين، الذين يعيشون منذ أشهر في حالة فراغ قانوني، وسط مخاوف من أن نقلهم إلى دول ثالثة، قد يقوض فرصهم في استكمال إعادة التوطين بالولايات المتحدة، ويخرجهم عمليا من الإطار الذي نُقلوا على أساسه.

وفي هذا السياق، لفت رئيس تحالف "أفغان إيفاك" إلى تسجيل حالات ضغط نفسي حاد، في ظل "شعور متزايد بالتخلي وفقدان الثقة". وأضاف أن هؤلاء "خاطروا بحياتهم خلال سنوات الحرب"، معتبرا أنه "من العار تركهم في وضع معلق أو دفعهم نحو وجهات غير واضحة".

من جهتها، تؤكد الباحثة الأولى في برنامج السياسة الخارجية بمعهد بروكينغز بواشنطن فاندا فلباب براون، أن نقل هذه الفئة إلى بيئة تعاني أصلا من تحديات أمنية واقتصادية مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية "لا يمثل حلا، بل يعقد الأزمة".

وتحذر براون -في حديث للجزيرة نت- من أن غياب مقومات الاندماج الأساسية، سواء من حيث اللغة أو شبكات الدعم، قد يترك هؤلاء في مواجهة "عزلة مضاعفة ومخاطر جديدة".

مصدر الصورة القوات الأمريكية انسحبت من أفغانستان في أغسطس/آب 2021 (غيتي إيميجز)

قرار سياسي أم أمني

وفيما اعتادت الولايات المتحدة تاريخيا على توفير مسارات حماية وإعادة توطين لمن تعاونوا معها ميدانيا، من استقبال لاجئي جنوب شرق آسيا بعد حرب فيتنام إلى إنشاء برامج التأشيرات الخاصة للعراقيين والأفغان، يعكس المسار الحالي إعادة تعريف لهذه الالتزامات في ظل اعتماد الإدارة الأمريكية نهج تشديد سياسات الهجرة وتقليص كلفتها السياسية.

إعلان

ويرى مدير برنامج باكستان وأفغانستان بمعهد الشرق الأوسط مارفن وينباوم، أن ما يجري لا يمكن فصله عن تشدد أوسع في سياسات الهجرة الأمريكية، يتجاوز الحالة الأفغانية ليشمل فئات متعددة، خصوصا من دول العالم النامي.

وأوضح للجزيرة نت أن خصوصية الحالة الأفغانية تكمن في أن المعنيين "ليسوا مهاجرين عاديين"، بل أشخاص تم التحقق منهم مسبقا، وارتبطوا مباشرة بالمهمة الأمريكية على مدى عقدين، ما يجعل التراجع عن التزامات إعادة توطينهم "أقرب إلى قرار سياسي منه إلى تقييم أمني".

ويربط وينباوم هذا التوجه أيضا بوجود "نزعة انتقائية" في سياسات الهجرة، تتأثر بخلفيات الدول الأصلية، إلى جانب استخدام مبررات أمنية رغم خضوع هذه الفئة لعمليات تدقيق صارمة.

كما أشار إلى أن نقلهم إلى دول ثالثة غالبا ما يتم عبر ترتيبات تقدم فيها الولايات المتحدة حوافز مالية أو تفضيلات سياسية للدول المستقبِلة، دون ضمانات حقيقية لظروف الاستقرار على المدى الطويل.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا