واشنطن- يسعى الديمقراطيون في ولاية فرجينيا على الساحل الشرقي للولايات المتحدة، إلى إقرار تعديل دستوري يتيح مؤقتا اعتماد خريطة جديدة لدوائر الكونغرس، قد تعزز تمثيلهم في مجلس النواب خلال انتخابات التجديد النصفي المرتقبة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
ويستطلع الاستفتاء مواقف سكان فرجينيا من السماح لمجلس الولاية بإنشاء دوائر كونغرس جديدة يمكن أن تمنح الديمقراطيين 4 مقاعد إضافية في الكونغرس، ويقولون إنها "لاستعادة العدالة في الانتخابات القادمة".
وتأتي المحاولة الديمقراطية هذه على إثر الجهود الجمهورية المماثلة التي تمت بناء على طلب الرئيس دونالد ترمب في تكساس والعديد من الولايات الأخرى.
يأتي هذا الاستفتاء في ظل سيطرة الجمهوريين على مجلسي الكونغرس (النواب و الشيوخ)، مما سمح لإدارة الرئيس ترمب بتوسيع هامش تحركها في عدد من الملفات، من الإنفاق العام والسياسات الضريبية إلى الهجرة والسياسة الخارجية.
وأعاد هذا التوسع طرح أسئلة قديمة حول حدود الصلاحيات الدستورية ودور الكونغرس في كبح السلطة التنفيذية أو دعمها.
ومنذ عودة الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025، عادت مسألة التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية إلى صدارة النقاش السياسي في الولايات المتحدة.
تشهد مراكز الاقتراع المبكر في ولاية فرجينيا حركة ملحوظة من الناخبين للإدلاء بأصواتهم في الاستفتاء الخاص المقرر الثلاثاء 21 أبريل/نيسان.
وفي بلد يشهد انقساما سياسيا حادا، لا تبدو مسألة الأغلبية في الكونغرس مجرد تفصيل انتخابي، بل عاملا حاسما في تحديد اتجاه السياسات العامة خلال السنوات المقبلة. فتركيبة المجلس تؤثر بشكل مباشر على طبيعة العلاقة مع البيت الأبيض، ومدى قدرته على تمرير سياساته أو مواجهتها.
وفي هذا السياق، تقول كارولاين، ناخبة ديمقراطية شاركت في التصويت المبكر، إنها تأمل في أن يسهم هذا الاستفتاء في ترجيح كفة حزبها في انتخابات التجديد النصفي، مضيفة أنها "سئمت من قرارات ترمب المتهورة مثل الحرب على إيران وتبعاتها الاقتصادية".
وتوضح للجزيرة نت أن تصويتها لا ينفصل عن موقفها السياسي العام، حتى وإن بدا سؤال الاستفتاء المطروح تقنيا في ظاهره.
وفي المقابل، يرى جيسون، وهو متطوع في حملة الحزب الجمهوري في مقاطعة فيرفاكس للتصويت بـ"لا"، أن هذا الاستحقاق يشكل فرصة لقياس اتجاهات الناخبين في هذه الولاية المتأرجحة، مرجحا -في حديثه للجزيرة نت- أن يؤكد "استمرار ثقة جزء كبير من الأمريكيين في الرئيس ترمب وحزبه رغم الحملات الإعلامية ضده".
ويكتسب هذا الاستفتاء المحلي أهمية وطنية خاصة في ظل الاستقطاب السياسي الحاد في الولايات المتحدة، حيث تشير استطلاعات الرأي إلى تقارب واضح بين الحزبين، ما يجعل أي تغيير محدود في موازين التمثيل قادرا على التأثير في نتائج الانتخابات المقبلة.
يختلف الرهان في مجلس النواب عن مجلس الشيوخ. فأعضاء الشيوخ يُنتخبون على مستوى الولاية كاملة، ولا تتغير حدودها، بينما يُنتخب أعضاء مجلس النواب من دوائر داخل كل ولاية، ما يجعل رسم حدود هذه الدوائر عاملا حاسما في تحديد التوازن الحزبي داخل المجلس.
وفي معظم الولايات، تُحدّد هذه الخرائط عبر المجالس التشريعية أو لجان مستقلة أو عبر القضاء، وهو ما حوّل إعادة الترسيم إلى إحدى أبرز أدوات الصراع السياسي قبل الانتخابات.
وفي هذا الإطار، لا تبدو فرجينيا استثناءً من حيث المبدأ، لكنها تظل حالة خاصة من حيث الآلية؛ فبينما شهدت ولايات عدة تعديلات في خرائطها قبل انتخابات 2026 أو ناقشت خطوات مماثلة، جاءت محاولة فرجينيا عبر استفتاء شعبي لأن دستور الولاية يُنيط إعادة رسم الدوائر بلجنة خاصة، لا بالبرلمان مباشرة.
لذلك احتاج الديمقراطيون، بعد استعادة السيطرة على حكومة الولاية وصعود الحاكمة الديمقراطية أبيغيل سبانبرغر، إلى تمرير تعديل دستوري مؤقت يعيد هذه الصلاحية إلى الجمعية العامة، على أن تعود الآلية المعتادة بعد تعداد 2030.
ويأتي هذا التحرك ضمن موجة أوسع من محاولات إعادة الترسيم في عدد من الولايات، مدفوعة بحسابات السيطرة على مجلس النواب.
وكانت تكساس من أبرز الأمثلة التي يستشهد بها الديمقراطيون لتبرير تحركهم، في حين تواصل ولايات أخرى دراسة خطوات مشابهة، ما يعكس اتساع نطاق هذا الصراع قبل انتخابات التجديد النصفي.
وفي قراءة أوسع لدلالات هذا الاستفتاء، يرى ديفيد سوبر، الأستاذ المتخصص في القانون الدستوري وقانون الحكومات المحلية بجامعة جورج تاون، أن نتيجته قد تكون حاسمة في تحديد موازين القوة داخل الكونغرس.
فإذا نجح الديمقراطيون في تمرير التعديل بفرجينيا، يقول سوبر إن ذلك قد يعزز فرصهم في تقليص الأغلبية الجمهورية، بينما قد يؤدي فشله، بالتوازي مع إعادة ترسيم ذات طابع حزبي في ولايات أخرى، إلى ترجيح كفة الجمهوريين حتى في حال تراجع شعبيتهم على المستوى الوطني.
ويشرح سوبر، في حديث للجزيرة نت، أن الجدل القائم يعكس رؤيتين متباينتين للتمثيل السياسي؛ إذ يرى الجمهوريون أن ولايات منقسمة تقريبا بالتساوي -مثل فرجينيا- ينبغي أن تعكس هذا التوازن في تمثيلها داخل الكونغرس.
بينما يجادل الديمقراطيون -حسب الخبير القانوني- بأن هذا المبدأ لا يكون عادلا إلا إذا طُبّق على مستوى جميع الولايات، مؤكدين أن اختلال التمثيل في ولايات أخرى يبرّر السعي إلى موازنته عبر إعادة توزيع المقاعد في ولايات يسيطرون عليها.
ولا يُختزل استفتاء فرجينيا في مجرد خلاف تقني على حدود الدوائر، بل يكشف عن طبقة أعمق من الصراع داخل النظام السياسي الأمريكي، حيث لا تتحدد موازين السلطة بالأصوات وحدها، بل أيضا بالقواعد التي تنظّم التمثيل نفسه.
ويخلص سوبر إلى أن هذه الحالة "تُظهر أن الولايات المتحدة بعيدة عن أن تكون ديمقراطية مكتملة؛ فصوت الناخبين مهم في تحديد مَن يسيطر على الحكومة، لكن كلا الطرفين يمتلك شيئا من القدرة على التلاعب بقواعد التصويت بما يخدم مصالحه".
ويضيف أنه إذا قررت أغلبية كبيرة من الناخبين التصويت في اتجاه معين، يمكنها التغلب على هذا "التلاعب"، لكن إذا ظل الناخبون منقسمين بشكل متقارب، فإن هذه القواعد قد تكون هي العامل الحاسم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة