بينما تنشغل الأوساط السياسية والإعلامية في ليبيا بالاحتفاء بمظاهر "التقارب" الأخيرة، بدءاً من المناورات العسكرية المشتركة في سرت وصولاً إلى ميزانية المصرف المركزي الموحدة، يبرز تساؤل يختبئ خلف غبار هذه التحركات.
فهل تعيش ليبيا مخاض ولادة دولة موحدة، أم أنها بصدد شرعنة ذكية لواقع الانقسام؟
الحدث الأول تمثّل في مشاركة قوات من الحكومتين الليبيتين المتنافستين، إحداهما في الشرق والأخرى في الغرب، في تدريب مشترك للقوات الخاصة الأمريكية في مدينة سرت وسط البلاد. وهو أول تمرين عسكري من نوعه يجمع أطرافًا كانت على طرفي صراع مسلح خلال الحرب الأهلية. وتُجرى مناورات "فلينتلوك" التي تنظمها القيادة الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) منذ عام 2005، بهدف تعزيز قدرات الدول المشاركة في مجالات مكافحة الإرهاب وأمن الحدود. وقد شملت نسخة هذا العام وحدات من "الجيش الوطني الليبي" بقيادة خليفة حفتر ، إلى جانب قوات تابعة لحكومة الوحدة الوطنية المعترف بها من الأمم المتحدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة .
أما الحدث الثاني، الذي حظي بقدر مماثل من الاهتمام، فهو إعلان المصرف المركزي الليبي أن مجلس النواب في بنغازي والمجلس الأعلى للدولة في طرابلس قد اعتمدا أول ميزانية موحدة منذ أكثر من ثلاثة عشر عامًا. وهذان الكيانان التشريعيان هما في الأساس نتاج مباشر لمسار الانقسام السياسي الليبي، البرلمان المنتخب عام 2014 في الشرق، والمجلس الاستشاري الذي تشكّل عام 2015 في الغرب عقب تفكك المؤتمر الوطني العام.
وتشير بعض المقاربات التحليلية، من بينها ما أورده موقع "ميدل إيست مونيتور"، أن هذه التطورات تبدو في ظاهرها وكأنها خطوات في اتجاه التهدئة أو إعادة بناء الثقة بين الأطراف الليبية. غير أن قراءتها في سياقها الأوسع تكشف واقعًا مغايرا، حيث تبدو الدولة وكأنها تُدار بتفاهمات هشة بين سلطات متوازية، بدلاً من الارتقاء نحو مؤسسات سيادية موحدة قادرة على صياغة قرار وطني جامع.
وما يلفت الانتباه في المشهد الليبي لا يقتصر على طبيعة هذه الأحداث، بل يمتد إلى الطريقة التي تُقدَّم بها وتُعاد صياغتها سياسيًا وإعلاميًا. فمجرد اجتماع أطراف متنازعة على طاولة واحدة بات يُقدَّم كاختراق سياسي، ومجرد تنسيق مالي أو تعاون عسكري محدود يُصوَّر كتحول استراتيجي.
هذا المنطق يعكس تجولا في مفهوم الدولة الحديثة، من مؤسسات تفرض وحدة القرار، إلى منصات لإدارة التناقضات وتبريد الصراع. وبذلك، لم يعد الهدف هو إنهاء الانقسام، بل إيجاد صيغة لتنظيمه واستدامته بأقل التكاليف.
في هذا السياق، لا تمثل الميزانية الموحدة بين مؤسستين منقسمتين بالضرورة تعبيرًا عن سياسة مالية واحدة، بقدر ما تكشف حاجة تقنية وإدارية لتسيير الحد الأدنى من وظائف الدولة. فالمؤسسات الاقتصادية والمالية تعمل ضمن بيئة سياسية مجزأة، تتداخل فيها الصلاحيات وتتنازع فيها مراكز الشرعية.
وبذلك، يصبح "التوافق" أداة لإدارة الأزمة لا لتجاوزها، ما يرسّخ منطقًا جديدًا يقوم على استمرار الانقسام مع تحسين آليات التعايش معه بدل تفكيكه.
وينعكس هذا الواقع أيضًا على المؤسسة العسكرية، التي يُفترض أن تكون أحد أبرز تعبيرات السيادة الوطنية.
فالمناورات المشتركة بين قوات من شرق وغرب ليبيا لا تشير إلى اندماج حقيقي في بنية عسكرية موحدة، بقدر ما تكشف وجود تشكيلات موازية تتقاطع عند الضرورة السياسية أو الضغط الدولي.
وبهذا المعنى، يتحول التعاون العسكري إلى شكل من "التنسيق الوظيفي" أكثر منه خطوة في اتجاه إعادة بناء جيش وطني موحد تحت قيادة مركزية واحدة.
ما زالت البنية الاجتماعية في ليبيا تلعب دورًا مؤثرًا في تشكيل المشهد السياسي، حيث تتداخل العلاقات المحلية والروابط التقليدية مع مسار بناء الدولة الحديثة.
وفي هذا السياق، تُطرح "القبيلة" كجزء من شبكة علاقات أوسع تؤثر في طريقة تشكّل السلطة وتوزيع النفوذ.
ومنذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، دخلت ليبيا نفقًا مظلما بسبب الفوضى الأمنية والسياسية، إذ تحوّلت ا لميليشيات المسلحة إلى قوة دائمة تهيمن على مفاصل الدولة ومؤسساتها.
وفي في تصريحات سابقة لـ"يورونيوز"، شدّد الصحفي الليبي محمد شحات على أن الميليشيات المسلحة في ليبيا "لم تعد مجرد ظاهرة فرضتها ظروف الحرب بعد سقوط نظام القذافي، بل تحوّلت إلى قوة دائمة تهيمن على المشهد السياسي والأمني".
وبسبب هذا التعقيد، يعمل الفاعلون السياسيون والدينيون ضمن بيئة تتداخل فيها الانتماءات والولاءات، ما يجعل بناء "دولة جامعة" مرتبطًا بتفاهمات وتوازنات أكثر من كونه نتيجة قرارات سياسية واضحة ومباشرة.
ويشير بعض المراقبين إلى أن فكرة "ليبيا الواحدة" ما تزال تواجه تحديات بنيوية، تحتاج إلى وقت ومسار تدريجي لتجاوزها.
ومن هنا، فإن ما يُلاحظ أحيانًا من احتفاء بالتفاهمات السياسية أو الترتيبات الاقتصادية بين الأطراف الليبية يمكن فهمه باعتباره تعبيرًا عن محاولات مستمرة لإدارة التعقيد القائم، وليس بالضرورة دليلًا على اكتمال مسار التوحيد المؤسسي.
وفي هذا الصدد ، كان الصحفي شحات قد أشار إلى إن "استمرار الانقسام خلق مصالح مستقرة لبعض الفاعلين في ليبيا، ما جعل إنهاء الأزمة أكثر كلفة من استمرارها".
المصدر:
يورو نيوز