لم تنظر تركيا إلى الاحتجاجات التي شهدتها إيران، أواخر عام 2025 ومطلع 2026، كأزمة داخلية فحسب بل كملف يتقاطع مع توازنات إقليمية ودولية حساسة.
وفي هذا السياق، تبنَّت أنقرة مقاربة حذرة سعت من خلالها إلى الموازنة بين إدراكها لوجود مطالب اجتماعية واقتصادية حقيقية وبين مخاوفها من استثمار هذه الاحتجاجات لتبرير تدخلات خارجية قد تهدد استقرار إيران والمنطقة. وانطلاقًا من اعتبارات الأمن القومي، رأت تركيا أن أي اضطراب واسع داخل إيران قد يحمل تداعيات مباشرة على محيطها الإقليمي؛ ما دفعها إلى تبني موقف يقوم على رفض التدخل الخارجي، والدعوة إلى معالجة الأزمة ضمن إطارها الداخلي، مع السعي في الوقت ذاته إلى احتواء التصعيد عبر أدوات دبلوماسية.
تعاملت أنقرة مع موجة الاحتجاجات الشعبية الإيرانية بسبب المصاعب الاقتصادية في الفترة بين نهاية عام 2025 ومطلع عام 2026 بوصفها أزمة بنيوية داخلية لكنها في نفس الوقت مسرح لتدخلات خارجية تستهدف استقرار إيران، فمن جهة أدركت تركيا واقعية المطالب الاجتماعية والاقتصادية التي حرَّكت الشارع الإيراني لكنها تابعت أيضًا مستوى مرتفعًا من التلاعب الخارجي بالمشهد الإيراني الداخلي من خصوم إيران الإقليميين والدوليين. ولذلك حرصت تركيا على إظهار معارضتها لأي تدخل أجنبي ضد إيران واستقرارها.
لم يكن منطلق الموقف التركي تضامنيًّا مع إيران فحسب بل كان مرتبطًا بحسابات الأمن القومي التركي بشكل مباشر؛ حيث إن سيناريو الفوضى والتفكك الواسع في إيران يمكن أن يفتح على أنقرة أبواب تهديدات كثيرة مثل إعادة إحياء المشروع الانفصالي الكردي الذي نجحت تركيا في تحييده بدرجة كبيرة في الآونة الأخيرة في داخل تركيا وفي سوريا، وتقويض الاستقرار الهش في العراق، وإطلاق موجات نزوح جديدة من إيران باتجاه تركيا التي عانت لعقد كامل من موجة النزوح من سوريا، فضلًا عن صدمة أسعار الطاقة لاقتصاد يستورد أكثر من 70% من احتياجاته من الخارج بما قد يهدد خطط التعافي الاقتصادي ويضغط على الليرة التركية رغم تدخل البنك المركزي عبر ضخ مليارات من الدولارات لحمايتها ورغم التقديرات التي تشير إلى أن تركيا تتمتع بإطار اقتصادي متين نسبيًّا، بفضل موقعها الجيوسياسي، ومرونة إنتاجها، وهيكلها المالي المتين.
ومن هذا المنطلق رفضت تركيا مبكرًا وبشكل واضح تحويل الاحتجاجات على الوضع الاقتصادي في إيران إلى ذريعة لتغيير النظام بالقوة.
وعندما هدَّد الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، بالتدخل إذا تم استخدام القوة ضد المتظاهرين اعتبرت تركيا أن أي تدخل أجنبي في إيران المجاورة سيؤدي إلى أزمات أكبر في إيران والمنطقة، ودعت إلى حل المشاكل القائمة عبر المفاوضات، وحرصت تركيا على تقديم هذا الموقف ليس بصفتها جارة لإيران فحسب بل بصفتها عضوًا في الناتو يذكر أن زعزعة دولة مجاورة كبيرة سينتج أزمات تتجاوز المسرح الإيراني إلى بنية النظام الإقليمي كله؛ حيث أكد عمر تشيليك، الناطق باسم حزب العدالة والتنمية، هذا الموقف بأن تركيا العضو في الناتو لا ترغب برؤية فوضى في إيران وأنها ترى وجوب حل المشاكل من خلال الديناميات الداخلية للمجتمع الإيراني والإرادة الوطنية لإيران وأن التدخل الأجنبي سيؤدي إلى عواقب أسوأ.
في هذا السياق أيضًا كان من الواضح أن تركيا كان لديها تصور حول الدور الإسرائيلي الذي كان يسعى لجرِّ الولايات المتحدة للتدخل في إيران.
وقد أعلن الناطق باسم حزب العدالة والتنمية، عمر تشيليك، أيضًا، في 12 يناير/كانون الثاني 2026، أن تركيا تعتقد أن "التدخل الذي تستفزه إسرائيل على وجه الخصوص سيؤدي إلى أزمات أكبر" في تعبير عن قناعة تركية بأن إسرائيل ترى في الحرب على إيران فرصة لإعادة تشكيل توزانات النفوذ الإقليمي لصالحها.
وفي ظل تصاعد التهديدات الأمريكية التي سبقت الهجوم الأمريكي على إيران بذلت تركيا جهودًا مكثفة ضمن إطار ما يسمى بـ"الدبلوماسية الوقائية" المكثفة، ففي الفترة ما بين 13 و20 يناير/كانون الثاني 2026، أجرت تركيا سلسلة لقاءات منفصلة مع طهران وواشنطن في محاولة بناء إطار تفاوضي بديل عن الحرب؛ حيث عقد وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، أربعة اجتماعات منفصلة مع الجانبين الأمريكي والإيراني إذ التقى فيدان وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، والمبعوث الأمريكي، توم باراك، في نفس اليوم في أنقرة، ثم أجرى مباحثات هاتفية مع وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، من أجل جمع الطرفين على طاولة المفاوضات.
وقد اقترح أردوغان أيضًا على ترمب عقد اجتمع ثلاثي رفيع المستوى يضم تركيا ممثلة بأردوغان، والولايات المتحدة ممثلة بترمب، وإيران ممثلة ببزشكيان، ووصف وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، المقترح بأنه "فكرة جيدة"، وحينها وصل عراقجي بالفعل إلى إسطنبول، في 30 يناير/كانون الثاني.
واقترحت تركيا فصل مسار المفاوضات النووية مع واشنطن عن مسار القضايا الإقليمية الذي طرحت أن يُناقَش في إطار إقليمي أوسع مع دول الجوار. وبشكل مفصل، قال وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان: "إن ما تحاول تركيا القيام به هو دعم اتفاق مع إيران يفيد الجانبين وخاصة الأمريكيين لأن استقرار المنطقة يعتمد على ذلك".
وكان هناك مقترح لنقاش إيران الملف النووي فقط مع الولايات المتحدة أما المواضيع المتبقية مثل الصواريخ الباليستية والوكلاء فكان المقترح التركي يقوم على أن تُناقَش مع دول المنطقة ضمن محادثات تمهيدية، ووافقت إيران مبدأيًّا على ذلك، ثم فضَّلت العودة إلى مسار عُمان الحصري حول الملف النووي، وتم اعتبار ذلك في أنقرة تفويتًا لفرصة مخرج تفاوضي تركي أكثر قدرة على تجنب مسار الحرب وإعادة إنتاج لأنماط تفاوض سابقة ثبت أنها كانت محدودة في التوصل لنتائج.
وأرجعت بعض المصادر الصحفية التركية المقربة من الأوساط السياسية القرار النهائي لدى إيران بالديناميكيات الداخلية المعقدة مشيرة إلى أن ذلك كان قرار المرشد الراحل، علي خامنئي، بتركيز المفاوضات حصرًا على المحادثات النووية واستكمال الاجتماعات السابقة في عمان.
ويسود الاعتقاد في أنقرة بأنه لو قبلت إيران بصيغة إسطنبول لكن من الممكن إحراز تقدم في كل قضية من خلال المفاوضات المباشرة وغير المباشرة والحفاظ على الأقل على استمرار مسار المحادثات مفتوحًا وتعليق لغة التهديدات العسكرية.
ومع تزايد قتامة المشهد، حذَّرت تركيا من أن مهاجمة إيران ستكون خطأ، وأكدت استعداد طهران للعودة لطاولة المفاوضات، ومع ذلك لم تتبنَّ أنقرة سردية طهران تمامًا بل كانت هناك رسائل من الأتراك إلى إيران تحثها على القبول بالتسوية النووية والإقليمية وتحذرها من توسيع النفوذ الإقليمي عبر الصواريخ والوكلاء، وكان الموقف التركي يعتمد على "الإقناع التدريجي"، ومع ذلك كان يتم تفسير الدور التركي لأنه يرفض التدخل العسكري بوصفه يحصِّن بقاء النظام الإيراني بشكل غير مباشر.
صاغت تركيا موقفها حين انطلقت الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، في 28 فبراير/شباط، في ثلاثية واضحة على لسان وزير خارجيتها، هاكان فيدان، حيث قال: إن هدف أنقرة هو منع اندلاع الحرب ومنع توسعها وإبقاء تركيا خارجها، وهو ما ينسجم مع رؤية تركيا التقليدية التي تَعُدُّ الحروب في المنطقة تهديدًا لبنية النظام الإقليمي ككل ولمصالحها الأمنية والاقتصادية.
ومن خلال تحليل المحتوى السياسي للبيان الأول الذي أصدرته الخارجية التركية، يوم 28 فبراير/شباط، بشأن هجوم إسرائيل والولايات المتحدة على إيران وردِّ إيران على دول ثالثة، يمكننا الوقوف على جملة من المحددات المهمة التي تبلور حولها الموقف التركي من الحرب على إيران؛ إذ أسست تركيا موقفها على مرجعية قانونية وليس انحيازًا لطرف على حساب طرف فقد أدانت جميع الأعمال التي تعدها انتهاكًا للقانون الدولي رافضة خرقه؛ إذ تعتقد أن خرق القانون الدولي واستهداف المدنيين يهدد استقرار المنطقة والاستقرار العالمي.
وفي نفس الوقت، تجنَّب بيان الخارجية التركية تحميل أي طرف المسؤولية المباشرة؛ فقد أشار البيان إلى جميع الأطراف وجميع الأعمال التي تنتهك القانون الدولي.
وعلى مستوى التموضع السياسي، كان واضحًا تقديم تركيا نفسها وسيطًا مستعدًّا للوساطة؛ وهو الأمر الذي يرسخها طرفًا مسهِّلًا لعملية التفاوض وليس ضمن معسكر معين، ومن جانب آخر بدا أن عدم تحميل تركيا المسؤولية المباشرة لطرف واحد ينسجم مع رغبتها في لعب دور قناة لنقل الرسائل بين الأطراف أو مضيف محتمل للمفاوضات لاحقًا.
وعلى المستوى الدبلوماسي، بدأت تركيا حراكها الدبلوماسي مبكرًا إذ أجرى الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، جملة واسعة من الاتصالات بشأن الحرب مع عدد من قادة دول الخليج وبدأ باتصال مع أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ثم الرئيس الإماراتي، الشيخ محمد بن زايد، وولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، وأمير الكويت، الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، ورئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، والمستشار الألماني، والأمين العام للناتو وشهباز شريف، رئيس وزراء باكستان.
وأكد أردوغان دعوة جميع الأطراف إلى الدبلوماسية وأشار بشكل خاص في اتصاله، يوم 3 مارس/آذار، مع رئيس الوزراء الباكستاني عن استعداد تركيا للمساهمة في أي جهد يُنجح جهود الوساطة. وفي الأيام التي تلت ذلك، ولتنسيق المواقف، وسَّع أردوغان اتصالاته الدبلوماسية لتشمل حلفاء الناتو مثل الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، ورئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني.
كان لافتًا تكرار الاتصال بين أردوغان وولي العهد السعودي على وجه الخصوص. ويعتقد أن هذه الاتصالات كانت تخدم فكرة بلورة إطار تفاوضي يشمل مركز ثقل خليجي، وفي الحرص على عدم الانزلاق إلى حرب مباشرة إضافة لترسيخ قنوات وثيقة مع السعودية في هذه المرحلة للحفاظ على المصالح التركية في العلاقة مع السعودية فيما بعد الحرب.
وباختصار، بلورت تركيا معادلة واضحة، وهي أن تركيا لا تريد سقوط النظام الإيراني، وفي نفس الوقت فإن تركيا التي قامت العلاقة التاريخية بينها وإيران على التنافس لا تريد بروز إيران قوية بلا قيود في المنطقة، كما تريد تركيا أن تبقى حاضرة في أي ترتيبات من خلال التموضع وسيطًا بهدف حل النزاع دبلوماسيًّا وبهدف حماية مصالحها أيضًا من خلال الانخراط في العملية الدبلوماسية.
مع الإعلان في تركيا أربع مرات على الأقل، خلال مارس/آذار 2026، عن اعتراض صواريخ انتهكت الأجواء التركية، وجدت تركيا نفسها أمام اختبار لسياسة الحياد، وقد عدَّت تركيا هذه الأحداث غير مقبولة ولا يمكن تبريرها، وأكدت أنها ستتخذ ما يلزم إذا تكرر تهديد أمنها، في ظل تحليلات داخل تركيا بأن محاولات إسرائيلية تقف خلف هذه الصواريخ بهدف جَرِّ تركيا إلى الحرب، أو أن هناك جهات متعددة في إيران لديها وجهات نظر مختلفة فيما يتعلق بالبلدان التي يتم استهداف القواعد والمصالح الأمريكية فيها.
في هذا السياق، جاء اتصال الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، مع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، محطة مهمة؛ إذ جمع محتوى الاتصال بين البعدين الإنساني والسياسي؛ حيث عبَّر أردوغان عن حزنه العميق للخسائر في الأرواح لاسيما الأطفال الذين قُتلوا في الهجوم على مدرسة ميناب.
ويمكن قراءة ثلاث رسائل من خلال الاتصال تشرح الموقف التركي، أولها هو تأكيد استعداد تركيا لدور الوساطة والحرص على استقرار إيران، ويأتي في سياقه التعزية في المرشد، علي خامنئي، والتمني بأن يجلب قدوم المرشد، مجتبى خامنئي، السلام للمنطقة، والثاني هو عدم الموافقة على التدخلات غير المشروعة في إيران ورفضها لتحول دول الخليج لساحة تصفية حسابات بين إيران والولايات المتحدة. وبهذا الموقف تؤكد تركيا على رفضها مسار إسقاط النظام في إيران ودعم استقرار النظام ولكن رفضها أيضًا استهداف دول المنطقة. أما الرسالة الثالثة فكانت تتعلق برفض انتهاك المجال الجوي التركي في تعبير عن الاستياء من دخول صواريخ يُعتقد أنها إيرانية إلى المجال الجوي التركي وهو ما نفته إيران لاحقًا مؤكدة أن الصواريخ لم تنطلق من إيران.
أسهم اتصال بزشكيان إلى جانب رمزية مراسم تأبين خامنئي في أنقرة وحملات المساعدات المدنية التركية إلى الشعب الإيراني في تخفيف التوتر الذي أثارته انتهاكات الأجواء في الشارع التركي ومن قبلها الاستهدافات في أذربيجان.
رأت أنقرة في الهجمات الإيرانية الصاروخية وبالطائرات المسيَّرة على "الدول الشقيقة في الخليج" أنها إستراتيجية خاطئة، وتعتقد تركيا أن هذا السلوك خاطيء ليس من منظور تركيا والدول الصديقة فحسب بل من منظور مصلحة إيران نفسها لأنها تزيد من فرص الرد العسكري وتفتح الباب لتوسع المواجهة.
في هذا السياق، شارك وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، مع حوالي 11 وزير خارجية من دول خليجية وعربية في الاجتماع الوزاري التشاوري في الرياض الذي بحث الهجمات الانتقامية الإيرانية على دول الخليج، وخرج الاجتماع بإدانة "الاعتداءات المتعمدة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، مع مطالبة إيران بالتوقف الفوري واحترام القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار خطوةً أولى نحو إنهاء التصعيد وتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، كما أكد البيان أن مستقبل العلاقات مرهون بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وعدم الاعتداء على سيادتها وأراضيها بأي شكل من الأشكال.
وبخصوص تركيا، كان هذا المسار جزءًا من عملية توازن ترفض الحرب على إيران وترفض أن تتحول ردود طهران تهديدًا لحلفائها الاقتصاديين في الخليج. وكذلك وظَّفت تركيا هذه المنصة كجهد يخدم عملية إدارة التصعيد؛ إذ حثَّت تركيا دول الخليج على العمل بمنظور يراعي الديناميكات الخاصة للمنطقة ويعمل على إنهاء هذه الحرب بأسرع وقت ممكن.
في خطاب لافت وخلال كلمة له في مؤتمر الاتصالات الإستراتيجية 202، الذي نُظِّم تحت شعار "التمزق في النظام الدولي: الأزمات والسردية والبحث عن النظام"، في إسطنبول، قدَّم إبراهيم كالين، رئيس المخابرات التركية، تشخيصًا مهمًّا للحرب على إيران، كان أشبه بإطار إستراتيجي لا يختزل الحرب في الأهداف التي يتم الحديث عنها من قبيل القضاء على القدرة النووية الإيرانية، أو البرنامج الصاروخي أو غيره بل يقرأها كمحاولة لتأسيس لصراع حرب هويات بين الأتراك والأكراد والعرب والفرس كمكونات أساسية في المنطقة.
من هذا المنظور، قدم كالين تموضع تركيا تجاه هذا التهديد بأن تركيا لن تكون الطرف الذي يؤجج الفتنة، وأضاف كالين: "إذا لزم الأمر سنخمدها في صدورنا".
ولعل خطاب كالين حدَّد لتركيا مسؤولية خاصة تتمثل بعدم السماح بنقل الصراع إلى الصدوع الإثنية والمذهبية ومنع تحول الصراع إلى حرب شعوب، وهو الأمر الذي ينسجم مع ما حملته خطابات أردوغان خلال الأيام الماضية التي دعت إلى تجنب الطائفية والتعامل مع كل عواصم ومدن المنطقة فيها من طهران إلى إسطنبول إلى بغداد والدوحة وغزة وغيرها بوصفها فضاء إنسانيًّا وإسلاميًّا واحدًا وليس ساحات لحروب الهويات الإثنية والمذهبية.
في الوقت ذاته، ومع تأكيد كالين على الخط التقليدي لتركيا تجاه الحرب والمتمثل في رفض الحرب على إيران والسعي لإبقاء تركيا خارج الحرب والعمل على خلق مسار دبلوماسي تلعب فيه تركيا دور الوساطة كان لافتًا عدم تردد كالين في الإشارة إلى إسرائيل فاعلًا أساسيًّا أشعل الحرب، ولم يتم الاكتفاء بتسمية إسرائيل بل دعا كالين إلى زيادة الضغط عليها، كما لم يفصل كالين سلوك إسرائيل تجاه إيران عن سلوكها في فلسطين وسوريا ولبنان، محذرًا من أن الأهداف الإسرائيلية تتجاوز إيران إلى إعادة تشكيل الخرائط والتوازنات في المنطقة.
ومن الواضح أن هذه الإشارة المباشرة من تركيا إلى إسرائيل تجعل حظوظ تركيا في القبول بها وسيطًا من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل أقل.
وفي إشارة كالين وتكراره لعبارة "نعرف من هو الصديق ومن هو العدو" مع إشارته السابقة لمكونات المنطقة ودور تركيا في تخفيف الاحتقان لدى دول الخليج، يبدو أن تركيا تدرك أن الحرب على إيران تهدف لتفجير صراعات طويلة الأمد في المنطقة لتعيد رسم الخرائط وتحديدًا في لبنان وسوريا وقد أشار وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان أيضًا إلى مثل هذه المعاني عندما قال: إن إسرائيل لم تتراجع عن مشاريعها في سوريا ولكنها أجَّلتها إلى حين الانتهاء من الحرب ضد إيران.
وفي الحسابات التركية، يُعتقد أن احتمال سقوط النظام في إيران وانتصار الولايات المتحدة وإسرائيل هو كابوس خطير لأن تركيا تعتقد أنها ستكون هدفًا تاليًا في بيئة ستكون يد إسرائيل طليقة فيها بل مطوَّقة بتحالفات إسرائيلية.
وعلى سبيل المثال، فإن التحالفات المتنامية بين إسرائيل واليونان وقبرص الجنوبية كانت تشكِّل هاجسًا كبيرًا لتركيا قبل الحرب على إيران ومن المؤكد أن تحقق أهداف إسرائيل في الحرب على إيران يجعل تركيا أمام تهديد إستراتيجي. ومع ذلك، لا تزال تركيا تحافظ على إستراتيجية توازن تعتقد معها أن انتصار أي طرف بشكل حاسم سواء إيران أو خصومها سيؤدي لاختلال ميزان القوة ضدها.
بالتأكيد، تتعامل تركيا مع تحديات هذه الحرب التي أظهرت هشاشة جميع الدول التي تعتمد على استيراد معظم احتياجاتها من الطاقة من الخارج بما فيها تركيا فضلًا عن التحديات الأمنية والسياسية. ولذلك ستعمل تركيا مستفيدة من موقعها الجغرافي وشراكاتها القائمة والمتوقعة على زيادة تنويع مصادر وممرات الطاقة.
وعلى المستوى الأمني وفي البنية الأمنية لما بعد الحرب تَعُدُّ تركيا منطقة الخليج شريكًا مهمًّا خاصة في ظل شعور خليجي بعدم توفير الولايات المتحدة مظلة حماية كافية لها خلال الحرب مما يجعل تركيا الصاعدة في مجال الصناعات العسكرية تنظر للخليج كوجهة ذهبية لصادرات صناعتها العسكرية مما يجعلها حاضرة بشكل أكبر في أمن الخليج.
وبشكل مواز، تسعى تركيا إلى الانخراط في شبكات تنسيق وشراكات إقليمية مع كل من السعودية ومصر وباكستان على أمل إيجاد نوع من الحراك الذي يعتمد على مصالح دول المنطقة مما يقوِّي مواقفها في مواجهة رؤية الولايات المتحدة وإسرائيل لترتيب الأمن الإقليمي، ولكن لا يزال من المبكر الحديث عن هذه العمليات التنسيقية على أنها تحالف أو إطار تحالفي يتصرف كوحدة واحدة.
يتمحور الموقف التركي من الحرب على إيران حول معادلة تقليدية من ثلاثة عناصر؛ الأول هو إبقاء تركيا بعيدة عن الحرب والمساهمة في فتح المجال للحلول الدبلوماسية والحفاظ على التوازن بين الأطراف بما يمنع انهيار النظام في إيران.
ومع ذلك، فإن تركيا لا تراقب مشهد الحرب عن بُعد فهي في قلب تحولاتها وتداعياتها؛ فهي من الدول التي تشهد انعكاسات سلبية بسبب التأثير الاقتصادي للحرب وخاصة في مجال إمدادات الطاقة، كما أنها تتابع النتائج الأمنية والجيوسياسية المتلاحقة والتي تحمل إمكانية كبيرة لتحول موازين القوى بين إسرائيل والمنطقة إضافة لتحولات مرتبطة بموثوقية المظلة الأمنية الأمريكية سواء من منظور موقع تركيا في الناتو أو من منظور جيرانها الخليجيين. ولما سبق ركَّزَتْ أنقرة دورها في الوساطة لإدارة التوازن الحساس بين الأطراف ولإبقاء نفسها في قلب أي ترتيبات.
ومع إدراكها الواضح لأدوار الأطراف ونتائج الحرب لا ترى أنقرة نفسها معرضة للتداعيات السلبية للحرب فحسب بل ترى في نفسها فاعلًا يمكن أن يستفيد من فرصها من خلال شبكات التنسيق والشراكات الأمنية والاقتصادية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة