في توقيت لافت، سبقت حملة رقمية وإعلامية إسرائيلية واسعة بيانا رسميا لوزارة الخارجية، مستهدفة إسبانيا على خلفية واقعة محلية تحولت خلال ساعات إلى قضية سياسية عابرة للحدود.
فقد نشر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مقطع فيديو هاجم فيه مدريد مباشرة، واصفا مواقفها المنتقدة لإسرائيل بأنها "حرب دبلوماسية"، في تصعيد سبق الموقف الرسمي بساعات.
تعود الواقعة إلى بلدة "إل بورغو" في ملقا جنوبي إسبانيا، حيث أحرق سكان دمية عملاقة تحمل ملامح نتنياهو، كجزء من تقليد سنوي يعرف بـ"حرق يهوذا".
ويقوم هذا الطقس الشعبي على اختيار شخصية تُجسد "الشر" وحرقها رمزيا، وهو تقليد يمتد لعقود ويُقام سنويا خلال احتفالات عيد الفصح.
لكن الحدث، رغم طابعه المحلي، سرعان ما أُعيد تأطيره في الفضاء الرقمي، ليُقدّم باعتباره دليلا على " معاداة السامية"، مع ربطه مباشرة بمواقف الحكومة الإسبانية.
أعادت وزارة الخارجية الإسرائيلية نشر مقطع الحرق مرفقا برسائل اتهامية، اعتبرت فيه أن "الكراهية المعادية للسامية" هي نتيجة "تحريض منهجي" من حكومة بيدرو سانشيز.
ولم يقتصر الأمر على بيان رسمي، بل جرى تضخيم الرواية عبر حسابات متعددة تابعة للوزارة، في نمط يشير إلى حملة منسقة لتوسيع الانتشار.
وترافقت هذه الرسائل مع تغطية إعلامية إسرائيلية تبنت الرواية ذاتها، حيث وُصف الحدث في عناوين بارزة بأنه "مشهد كراهية"، في حين اعتبره صحفيون "دليلا على تصاعد معاداة السامية في أوروبا"، بل وجرى ربطه بسياقات جيوسياسية أوسع، شملت الإشارة إلى دول مثل إيران.
غير أن هذه السردية أغفلت سياق الحدث المحلي. فقد أكدت رئيسة بلدية البلدة ماريا دولوريس نارفايز أن التقليد ذاته شمل في سنوات سابقة دمى لشخصيات دولية، بينها دونالد ترمب وفلاديمير بوتين، دون أن يثير ذلك أي جدل سياسي أو اتهامات مشابهة.
كما أوضحت أن الدمية كانت محشوة بنحو 14 كيلوغراما من البارود، ضمن طقوس احتفالية متوارثة، تقام سنويا في الخامس من أبريل/نيسان، مما يعزز فرضية أن الحدث لم يكن موجها سياسيا في أصله، بل أُعيد تفسيره لاحقا ضمن سياق سياسي وإعلامي أوسع.
تكشف هذه الحالة نمطا متكررا في بيئة المعلومات خلال الأزمات، حيث يجري اقتطاع حدث محلي من سياقه، ثم إعادة تأطيره ضمن سردية سياسية جاهزة.
وفي هذه الحالة، تم توظيف الواقعة لتعزيز خطاب يربط بين النقد السياسي لإسرائيل ومعاداة السامية، في وقت تشهد فيه العلاقات بين تل أبيب ومدريد توترا على خلفية مواقف الحكومة الإسبانية من الحرب.
وتُعَد إسبانيا من أشد المنتقدين للحملات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية في إيران ولبنان رغم تهديدات الولايات المتحدة بمعاقبة أعضاء حلف شمال الأطلسي غير المتعاونين.
وخلال الأيام الماضية، ومع استمرار الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، وكذلك القصف الإسرائيلي على لبنان، رفع العديد من المحتجين في دول عدة أقنعة بصورة نتنياهو، منددين بما يَعُدونه جرائم حرب ضد الفلسطينيين واللبنانيين والإيرانيين.
المصدر:
الجزيرة