تنتمي أطروحة الدكتوراه التي أعدّها الباحث الشاليل الشاليل بعنوان «الإسلاميون وممارسة الحكم والسلطة في المغرب وتونس: دراسة مقارنة»، والمنجزة بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة محمد الأول بوجدة، تحت إشراف الدكتور ميلود بوطرييك ، إلى حقل الدراسات السياسية المقارنة التي تسعى إلى فهم ظاهرة الإسلام السياسي في لحظة انتقالية حرجة من تاريخ المنطقة العربية. ولا تقف هذه الأطروحة عند حدود الوصف، بل تحاول أن تقدم تفسيرًا مركبًا لتجربة الإسلاميين في الحكم، انطلاقًا من تفاعل ثلاثة مستويات: التاريخ، والسياق الثوري، ومقتضيات الدولة الحديثة.
وقد صدرت الدراسة في كتاب عن مركز الجزيرة للدراسات فمنذ الصفحات الأولى، يضع الباحث إشكاليته في سياق ما يسميه «التحول الجذري» الذي عرفته المنطقة العربية منذ نهاية عام 2010، حيث أدت موجات الاحتجاج الشعبي إلى إسقاط أنظمة سياسية راسخة، وفتح المجال أمام فاعلين جدد لاقتحام المجال السياسي، وفي مقدمتهم الحركات الإسلامية. هنا، لا يتعامل الباحث مع صعود الإسلاميين بوصفه حدثًا طارئًا، بل نتيجة لمسار طويل من التراكم، حيث ظلت هذه الحركات حاضرة في المجال الاجتماعي والدعوي، وإن كانت مقصاة من المجال السياسي الرسمي.
وفي هذا السياق، يظهر الإسلاميون بوصفهم قوة منظمة قادرة على ملء الفراغ السياسي، مستفيدين من شبكاتهم الاجتماعية وخطابهم التعبوي.
غير أن الباحث لا يكتفي بهذا التفسير البنيوي، بل يربطه بإشكالية أعمق تتعلق بطبيعة الدولة نفسها في العالم العربي، حيث يرى أن نشأة الدولة القومية جاءت على حساب الامتداد الحضاري والاجتماعي للمجتمعات، وهو ما خلق فجوة بين الدولة والمجتمع، فتحت المجال أمام قوى بديلة، من بينها الحركات الإسلامية، لتقديم نفسها بوصفها ممثلًا «أصيلًا» لهوية المجتمع.
في هذا الإطار، يطرح الباحث سؤالًا مركزيًا:
كيف انتقل الإسلاميون من موقع المعارضة إلى موقع السلطة، وكيف تعاملوا مع هذا الانتقال؟ وهل استطاعوا التوفيق بين مرجعيتهم الفكرية ومتطلبات الحكم؟
للإجابة عن هذا السؤال، يعود الباحث إلى الجذور الفكرية للإسلام السياسي، متتبعًا تطوره من حركات الإصلاح الديني في القرن التاسع عشر إلى التنظيمات السياسية في القرن العشرين. ويبرز أن هذا المسار لم يكن خطيًا، بل شهد تحولات عميقة، حيث انتقل الفكر الإسلامي من محاولة التوفيق مع الحداثة إلى محاولة إقامة نموذج بديل للدولة.
ويخصص الباحث حيزًا مهمًا لتحليل الدور الذي لعبه مفكرون مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا، الذين حاولوا إعادة صياغة العلاقة بين الدين والسياسة، قبل أن يتحول هذا المشروع الإصلاحي إلى مشروع حركي مع تأسيس جماعة الإخوان المسلمين على يد حسن البنا، الذي قدم تصورًا شاملًا للإسلام باعتباره «نظامًا للحياة». ومع سيد قطب، يلاحظ الباحث انتقالًا نوعيًا نحو رؤية أكثر صدامية، تقوم على مفاهيم الحاكمية والجاهلية، وهو ما ترك أثرًا عميقًا على العديد من الحركات الإسلامية لاحقًا.
هذا التأصيل النظري لا يأتي عند الباحث بوصفه استعراضًا تاريخيًا، بل تمهيدًا لفهم سلوك الإسلاميين عندما وصلوا إلى السلطة. فهذه الحركات، رغم انخراطها في العمل السياسي، ظلت تحمل في بنيتها الفكرية تصورًا خاصًا للدولة، يختلف عن التصور الليبرالي أو العلماني، وهو ما يفسر جزءًا من التوترات التي ظهرت لاحقًا في تجربتها السياسية.
وعند الانتقال إلى المستوى التطبيقي، يختار الباحث حالتين رئيسيتين: المغرب وتونس، مع إدراج الحالة المصرية كمرجعية مقارنة. ويبرر هذا الاختيار بكون هذه الدول شهدت صعودًا واضحًا للإسلاميين في أعقاب الحراك العربي، مع اختلاف السياقات السياسية، مما يسمح بإجراء مقارنة تكشف عن أثر البنية السياسية في تشكيل سلوك هذه الحركات.
في الحالة التونسية، يبرز الباحث أن حركة النهضة انتقلت من العمل السري إلى العمل العلني في سياق ثوري كامل، حيث انهار النظام السابق، ووجدت الحركة نفسها في موقع القيادة. هذا الانتقال السريع من المعارضة إلى الحكم وضع الحركة أمام تحديات كبرى، خاصة في ظل مجتمع سياسي منقسم، ونخبة علمانية متوجسة من المشروع الإسلامي.
وقد أدى ذلك إلى حالة من الاستقطاب الحاد، انتهت إلى تبني الحركة خيار التوافق، والتنازل عن بعض مواقع السلطة، حفاظًا على الاستقرار السياسي.
أما في المغرب، فإن السياق مختلف جذريًا، حيث لم يشهد البلد انهيارًا للنظام، بل إصلاحات تدريجية سمحت بإدماج الإسلاميين في العملية السياسية. وهنا، يرى الباحث أن حزب العدالة والتنمية لم يصل إلى السلطة من خارج النظام، بل من داخله، مما جعله أكثر براغماتية وأقل صدامية. وقد انعكس ذلك في سلوكه السياسي، حيث اختار العمل ضمن حدود السلطة المتاحة، بدل محاولة تغيير قواعد اللعبة.
هذا التباين بين التجربتين يسمح للباحث باستخلاص نتيجة مهمة:
أن سلوك الإسلاميين في الحكم لا يتحدد فقط بمرجعيتهم الفكرية، بل أيضًا بطبيعة النظام السياسي الذي يعملون داخله.
غير أن التجربتين، رغم اختلافهما، تكشفان عن إشكالية مشتركة، تتمثل في صعوبة الانتقال من منطق المعارضة إلى منطق الدولة.
ففي المعارضة، يكون الخطاب قائمًا على النقد والشعارات، أما في الحكم، فيصبح الفاعل السياسي مطالبًا بإدارة الواقع بكل تعقيداته، وهو ما يفرض عليه مراجعات عميقة، قد تصل أحيانًا إلى حد التناقض مع خطابه السابق.
وهنا يبرز أحد أهم استنتاجات الباحث، وهو أن تجربة الإسلاميين في الحكم كشفت عن فجوة بين النظرية والممارسة.
فبينما يقدم الإسلام السياسي نفسه بوصفه مشروعًا شاملًا، فإن تطبيق هذا المشروع في الواقع يواجه بقيود عديدة، منها طبيعة الدولة، وضغوط الداخل والخارج، وتعقيدات الاقتصاد والسياسة.
كما يلاحظ الباحث أن الإسلاميين، عند وصولهم إلى السلطة، اضطروا إلى تبني قدر كبير من البراغماتية، مما أدى إلى تحول في خطابهم السياسي، حيث انتقلوا من التركيز على الهوية إلى التركيز على قضايا الحكم والإدارة. غير أن هذا التحول لم يكن سهلًا، إذ أدى في بعض الأحيان إلى فقدان جزء من قاعدتهم الشعبية، التي كانت تنتظر تحقيق وعود كبيرة.
وفي هذا السياق، تطرح الأطروحة فكرة مهمة، مفادها أن الإسلاميين لم يفشلوا بالضرورة في الحكم، لكنهم اصطدموا بواقع أكثر تعقيدًا مما كانوا يتصورون.
فالدولة الحديثة ليست مجرد أداة يمكن توجيهها بسهولة، بل منظومة معقدة من المؤسسات والتوازنات، تفرض على الفاعل السياسي حدودًا واضحة.
تُبرز أطروحة الدكتوراه التي أعدّها الباحث الشاليل الشاليل بعنوان «الإسلاميون وممارسة الحكم والسلطة في المغرب وتونس: دراسة مقارنة» أن اللحظة الحاسمة في مسار الحركات الإسلامية لم تكن لحظة الصعود إلى الحكم، بل لحظة التحول الوظيفي من حركة دعوية ذات طابع تعبوي إلى فاعل سياسي ملزم بإدارة الدولة .
هذا التحول لم يكن مجرد انتقال في الموقع، بل انتقال في طبيعة الدور. فالحركات الإسلامية، كما يوضح الباحث، نشأت في الأصل بوصفها حركات إصلاحية تسعى إلى «إعادة أسلمة المجتمع»، وهو هدف طويل المدى، يقوم على التربية والتدرج. لكن وصولها إلى الحكم وضعها أمام واقع مغاير تمامًا، حيث أصبحت مطالبة بتقديم حلول فورية لمشكلات معقدة، مثل الاقتصاد، والبطالة، والعلاقات الدولية.
في هذا السياق، يلفت الباحث إلى أن الإسلاميين وجدوا أنفسهم أمام معادلة صعبة:
إما الحفاظ على نقاء الخطاب الأيديولوجي، أو الانخراط في البراغماتية السياسية.
وقد اختارت معظم هذه الحركات الخيار الثاني، وهو ما أدى إلى تحولات عميقة في خطابها وممارستها.
واحدة من أهم الإشكاليات التي تثيرها الدراسة هي التوتر بين المرجعية الإسلامية ومتطلبات الدولة الحديثة. فالإسلام السياسي، في صيغته الكلاسيكية، يقوم على تصور شمولي للإسلام باعتباره نظامًا للحياة، يشمل السياسة والاقتصاد والاجتماع. لكن الدولة الحديثة تقوم على منظومة قانونية ومؤسساتية معقدة، لا يمكن إدارتها بالشعارات أو بالتصورات العامة.
يرى الباحث أن هذا التوتر تجلى بوضوح في تجربة حركة النهضة في تونس، حيث اضطرت الحركة إلى تقديم تنازلات فكرية وسياسية، من بينها القبول بمفهوم الدولة المدنية، والتخلي عن بعض الطروحات الأيديولوجية التي كانت جزءًا من خطابها السابق. وقد أثار هذا التحول نقاشًا واسعًا داخل الحركة وخارجها، حول مدى التزامها بمرجعيتها الإسلامية.
وفي المقابل، كانت تجربة حزب العدالة والتنمية في المغرب أقل حدة من حيث هذا التوتر، نظرًا لطبيعة النظام السياسي الذي يحدد سقف العمل الحكومي. فالحزب، منذ البداية، لم يسع إلى تغيير جذري في بنية الدولة، بل اختار العمل ضمن الإطار القائم، وهو ما جنبه كثيرًا من الصدامات، لكنه في الوقت نفسه حدّ من قدرته على تنفيذ برنامجه.
تُعدّ مسألة «الدولة العميقة» من أكثر المحاور حساسية في أطروحة الباحث الشاليل الشاليل، لأنها تمسّ جوهر العلاقة بين السلطة الرسمية -المنتخبة- والبنية الفعلية التي تدير الدولة في العمق. ولا يتعامل الباحث مع هذا المفهوم بوصفه شعارًا سياسيًا فضفاضًا، بل باعتباره توصيفًا لبنية مركبة من المؤسسات والشبكات التي تتجاوز الحكومات المتعاقبة، وتحتفظ بقدر معتبر من الاستمرارية والاستقلال النسبي.
في هذا السياق، يميز الباحث بين مستويين للدولة:
ولا يعني هذا التمييز وجود «مؤامرة» بالضرورة، بقدر ما يشير إلى حقيقة أن الدولة الحديثة ليست جهازًا بسيطًا يمكن السيطرة عليه بمجرد الفوز في الانتخابات. بل هي بنية تاريخية تراكمت عبر عقود، وتطورت وفق منطقها الخاص، الذي قد لا يتطابق دائمًا مع إرادة السلطة السياسية الجديدة.
يرى الباحث أن فهم الدولة العميقة في المغرب وتونس يقتضي العودة إلى سياق تشكّل الدولة الوطنية بعد الاستقلال. ففي كلا البلدين، تشكلت الدولة في ظل تحديات أمنية وسياسية، دفعت إلى بناء أجهزة قوية قادرة على ضبط المجال العام. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الأجهزة إلى مكونات مستقرة في بنية الدولة، تمتلك قواعد عملها الخاصة، وشبكاتها الداخلية، وآلياتها في التأثير.
في تونس، عزّز نظاما بورقيبة وبن علي هذه البنية، عبر تركيز السلطة في أجهزة الدولة، خاصة الأمنية منها، مما جعلها لاعبًا رئيسيًا في المجال السياسي، حتى بعد سقوط النظام. أما في المغرب، فقد اتخذت الدولة العميقة شكلًا أكثر تعقيدًا، بحكم تداخلها مع مؤسسة ملكية تاريخية، تمنح الاستمرارية للنظام، وتعيد توزيع مراكز القوة داخله.
حين وصل الإسلاميون إلى الحكم، سواء في تونس مع حركة النهضة، أو في المغرب مع حزب العدالة والتنمية، وجدوا أنفسهم أمام هذه البنية الراسخة.
ولم يكن الصدام معها مباشرًا دائمًا، بل اتخذ في كثير من الأحيان شكلًا «صامتًا»، يتمثل في:
بطء تنفيذ السياسات مقاومة التغيير داخل الأجهزة إعادة توجيه القرارات التحكم في المعلومات والمعطيات
وهنا يبرز أحد أهم استنتاجات الباحث:
أن الإسلاميين لم يواجهوا الدولة العميقة باعتبارها خصمًا واضحًا، بل باعتبارها «واقعًا مؤسسيًا» يفرض نفسه، ويحدّ من قدرتهم على الفعل.
في الحالة التونسية، واجهت حركة النهضة صعوبة في بسط سيطرتها على مفاصل الدولة، خاصة في ظل ضعف خبرتها في إدارة المؤسسات، واعتمادها على تحالفات سياسية هشة. وقد انعكس ذلك في عدم قدرتها على اختراق البنية الإدارية والأمنية، التي احتفظت بقدر كبير من الاستقلال.
ويشير الباحث إلى أن هذا الوضع أدى إلى نوع من الازدواجية في السلطة:
سلطة سياسية منتخبة وسلطة إدارية مستمرة
هذه الازدواجية لم تكن مجرد مسألة تنظيمية، بل كان لها أثر مباشر على الأداء الحكومي، حيث بدت الحكومة عاجزة أحيانًا عن تنفيذ قراراتها، أو عن فرض رؤيتها على مؤسسات الدولة.
في المغرب، اتخذت العلاقة مع الدولة العميقة مسارًا مختلفًا. فحزب العدالة والتنمية، منذ دخوله الحكومة، لم يسع إلى تفكيك هذه البنية أو تحديها، بل اختار التكيّف معها، والعمل ضمن حدودها. وقد كان هذا الخيار، في نظر الباحث، نتيجة إدراك مبكر لطبيعة النظام السياسي، حيث تمثل المؤسسة الملكية مركز الثقل الحقيقي.
هذا التكيّف منح الحزب هامشًا من الاستقرار، لكنه في الوقت نفسه حدّ من قدرته على إحداث تغييرات جوهرية. وهنا تظهر مفارقة مهمة:
أن تجنب الصدام مع الدولة العميقة قد يضمن البقاء في السلطة، لكنه لا يضمن القدرة على التغيير.
يخلص الباحث إلى أن الدولة العميقة لا يجب فهمها فقط كفاعل سياسي، بل كـقيد بنيوي يحدد سقف الفعل السياسي لأي حكومة. فهي تمثل:
ذاكرة الدولة وخبرتها التراكمية وآليات استمراريتها
لكنها في الوقت نفسه قد تتحول إلى عائق أمام الإصلاح، خاصة إذا لم تنخرط في مشروع التغيير.
ومن هنا، فإن فشل أو نجاح الإسلاميين في الحكم لا يمكن تفسيره فقط ببرامجهم أو قدراتهم، بل يجب ربطه أيضًا بمدى قدرتهم على:
فهم هذه البنية والتعامل معها وإعادة التوازن داخلها
تطرح الأطروحة، ضمنيًا، خيارين أمام أي فاعل سياسي يصل إلى الحكم:
اختراق الدولة العميقة: وهو خيار صعب، يتطلب وقتًا وخبرة، وقد يؤدي إلى صدام. الاندماج فيها: وهو خيار أكثر أمانًا، لكنه قد يؤدي إلى فقدان القدرة على التغيير.
وتُظهر التجربتان، التونسية والمغربية، أن الإسلاميين لم ينجحوا بالكامل في أي من الخيارين، بل ظلوا في منطقة وسطى، تتسم بالتردد والتكيف الجزئي.
الخلاصة: من يحكم فعليًا؟
في النهاية، تقودنا هذه القراءة إلى سؤال جوهري يطرحه الباحث ضمنيًا:
من يحكم فعليًا؟ الحكومة المنتخبة، أم البنية العميقة للدولة؟
ولا يقدم النص إجابة قطعية، لكنه يشير بوضوح إلى أن الحكم في الدولة الحديثة ليس قرارًا أحاديًا، بل نتيجة تفاعل معقد بين مستويات متعددة من السلطة. والإسلاميون، حين دخلوا هذا المجال، اكتشفوا أن الفوز في الانتخابات يمنحهم الشرعية، لكنه لا يمنحهم بالضرورة القدرة الكاملة على الحكم.
إذا كان الخطاب السياسي يمكن تعديله، فإن الواقع الاقتصادي يفرض نفسه بوصفه الاختبار الأكثر صرامة. وتؤكد الدراسة أن الإسلاميين، في كل من المغرب وتونس، واجهوا صعوبات كبيرة في هذا المجال، حيث لم يتمكنوا من تحقيق اختراقات ملموسة في الملفات الاقتصادية الكبرى.
ويرى الباحث أن هذه الصعوبات تعود إلى عدة عوامل، من بينها:
ضعف الموارد القيود الهيكلية للاقتصاد الضغوط الاجتماعية الالتزامات الدولية
لكن الأهم من ذلك، هو أن الإسلاميين لم يمتلكوا تصورًا اقتصاديًا واضحًا ومتكاملًا، مما جعلهم يعتمدون في كثير من الأحيان على سياسات تقليدية لا تختلف كثيرًا عن تلك التي كانت تتبعها الأنظمة السابقة.
وهنا تظهر مفارقة لافتة: فالحركات التي قدمت نفسها بوصفها بديلًا جذريًا، وجدت نفسها تمارس السياسات نفسها تقريبًا.
لا يمكن فهم تجربة الإسلاميين في الحكم بمعزل عن السياق الدولي، وهو ما تؤكد عليه الأطروحة بشكل واضح. فالدول العربية، بحكم موقعها الجيوسياسي، تخضع لتأثيرات خارجية قوية، سواء من القوى الكبرى أو من الفاعلين الإقليميين.
في هذا الإطار، يلاحظ الباحث أن الإسلاميين اضطروا إلى تبني سياسات خارجية متوازنة، تتجنب الصدام مع القوى الدولية، وهو ما انعكس على خطابهم السياسي، حيث تراجع الحديث عن القضايا الأيديولوجية لصالح خطاب أكثر واقعية.
غير أن هذا التوجه لم يكن خاليًا من التحديات، إذ واجه الإسلاميون ضغوطًا من قواعدهم الشعبية، التي كانت تتوقع مواقف أكثر حدة، خاصة في القضايا المرتبطة بالهوية أو بالسياسة الخارجية.
من النتائج المهمة التي تسجلها الدراسة، أن وصول الإسلاميين إلى السلطة أدى إلى تغيرات في بنيتهم التنظيمية. فالحركات التي كانت تقوم على الطابع الحركي والدعوي، بدأت تتحول إلى أحزاب سياسية تقليدية، وهو ما أثر على طبيعة العلاقة بين القيادة والقاعدة.
في هذا السياق، يلاحظ الباحث أن هذا التحول أدى إلى:
تراجع الدور الدعوي بروز الخلافات الداخلية صعود تيارات مختلفة داخل الحركة
وفي بعض الحالات، أدى ذلك إلى انقسامات أو إلى فقدان جزء من القاعدة الشعبية، التي لم تتقبل التحولات التي طرأت على الخطاب والممارسة.
عند تعميق المقارنة بين المغرب وتونس، يبرز الباحث أن الاختلاف بين التجربتين لا يكمن فقط في النتائج، بل في طبيعة المسار نفسه.
في تونس، كان المسار أقرب إلى: انتقال ثوري سريع، تلاه صراع سياسي حاد، ثم توافق اضطراري.
أما في المغرب، فكان المسار: إصلاحيًا تدريجيًا، قائمًا على التكيف مع النظام، دون محاولة تغييره جذريًا.
هذا الاختلاف يفسر، في نظر الباحث، لماذا بدت التجربة التونسية أكثر تقلبًا، بينما بدت التجربة المغربية أكثر استقرارًا، وإن كانت أقل تأثيرًا.
تُظهر أطروحة الباحث الشاليل الشاليل أن أحد أبرز التحديات التي واجهت الإسلاميين في الحكم تمثّل في ما يمكن تسميته بـ«أزمة التوقعات». فقد وصلت هذه الحركات إلى السلطة محمولة على آمال شعبية واسعة، غذّاها خطاب طويل من المعارضة، يقوم على النقد الجذري للأنظمة السابقة، والتعهد بإحداث تغيير شامل وسريع. لكن حين اصطدمت هذه الوعود بواقع الدولة، بدا الفارق كبيرًا بين الممكن والمأمول.
في هذا السياق، يبيّن الباحث أن جزءًا من الأزمة لم يكن ناتجًا فقط عن ضعف الأداء، بل أيضًا عن تضخم سقف الانتظارات. فالجمهور الذي صوّت للإسلاميين، لم يكن ينتظر تحسينًا تدريجيًا، بل قفزة نوعية في الأداء السياسي والاقتصادي، وهو ما لم يتحقق. ومع مرور الوقت، تحوّل هذا الفارق إلى عامل ضغط سياسي، ساهم في تآكل الرصيد الشعبي لهذه الحركات.
وتتجلى هذه الأزمة بوضوح في الحالة التونسية، حيث واجهت حركة النهضة انتقادات متزايدة، ليس فقط من خصومها، بل أيضًا من جزء من قواعدها، التي رأت أن التنازلات السياسية لم تقابلها إنجازات ملموسة. أما في المغرب، فقد كانت الأزمة أقل حدّة، لكنها لم تكن غائبة، إذ وجد حزب العدالة والتنمية نفسه أمام جمهور يطالبه بنتائج لا تتناسب مع هامش السلطة المتاح له.
في مواجهة هذه التحديات، اتجه الإسلاميون، كما يوضح الباحث، إلى تبني ما يمكن وصفه بـ«البراغماتية السياسية». ولم يكن هذا التحول خيارًا فكريًا بقدر ما كان ضرورة فرضتها طبيعة الحكم. فالسياسة، في واقع الدولة الحديثة، تقوم على التوازنات والتسويات، وليس على الحسم الأيديولوجي.
وقد تجلت هذه البراغماتية في عدة مستويات، منها:
القبول بالتحالف مع قوى غير متجانسة أيديولوجيًا تقديم تنازلات في قضايا كانت تُعدّ سابقًا من الثوابت إعادة صياغة الخطاب السياسي بما يتناسب مع الواقع
غير أن هذا التحول، رغم ضرورته، حمل في طياته مخاطر، أبرزها فقدان الهوية السياسية الواضحة. فالحركات التي كانت تتميز بخطاب مميز، أصبحت أقرب إلى الأحزاب التقليدية، وهو ما جعلها تفقد جزءًا من جاذبيتها.
تطرح الدراسة إشكالية دقيقة تتعلق بطبيعة الشرعية التي يستند إليها الإسلاميون في الحكم. فهل شرعيتهم نابعة من صناديق الاقتراع، أم من مرجعيتهم الدينية؟
يرى الباحث أن هذا السؤال لم يُحسم بشكل واضح في التجربتين، بل ظل حاضرًا في خلفية النقاش السياسي. ففي تونس، حاولت حركة النهضة التأكيد على شرعيتها الانتخابية، والابتعاد عن أي خطاب يوحي بامتلاك «شرعية دينية». أما في المغرب، فقد كان السياق مختلفًا، حيث تتقاطع الشرعية الدينية مع المؤسسة الملكية، وهو ما حدّ من إمكانية توظيف الإسلاميين لهذا البعد.
هذا التداخل بين نوعي الشرعية خلق نوعًا من الغموض، انعكس على الخطاب السياسي، وأدى في بعض الأحيان إلى سوء فهم من قبل الجمهور، الذي لم يعد قادرًا على تحديد موقع هذه الحركات بدقة: هل هي أحزاب سياسية كبقية الأحزاب، أم حركات ذات مشروع ديني مميز؟
الإسلاميون والديمقراطية: من التوجس إلى التبني
من النقاط المهمة التي تتناولها الأطروحة، تطور موقف الإسلاميين من الديمقراطية. فهذه الحركات، التي كانت تنظر إلى الديمقراطية في بداياتها بشيء من التحفظ، انتقلت تدريجيًا إلى تبنيها، ليس فقط كآلية، بل كإطار للعمل السياسي.
غير أن هذا التبني، كما يلاحظ الباحث، لم يكن دائمًا نابعًا من قناعة نظرية مكتملة، بل من إدراك عملي لضرورة الانخراط في اللعبة السياسية. وقد أدى ذلك إلى نوع من «التكيف المرحلي»، الذي يظل عرضة للاختبار عند أول أزمة كبرى.
وفي هذا السياق، يطرح الباحث تساؤلًا مهمًا:
هل يمكن اعتبار تجربة الإسلاميين في الحكم خطوة نحو ترسيخ الديمقراطية، أم مجرد مرحلة عابرة؟
ولا يقدم الباحث إجابة حاسمة، بل يترك الباب مفتوحًا، مؤكدًا أن الأمر يتوقف على تطور هذه الحركات، وعلى قدرتها على ترسيخ الممارسات الديمقراطية داخلها، وليس فقط في علاقتها مع الدولة.
في المغرب كان الانتقال عن طريق صندوق الانتخابات وليس بالثورة كما التجربة التونسية (رويترز)تصل الأطروحة في خاتمتها إلى تقييم مركب لتجربة الإسلاميين في الحكم، بعيدًا عن الأحكام القطعية. فهي لا تتبنى خطاب «الفشل» ولا خطاب «النجاح»، بل ترى أن ما حدث هو تجربة انتقالية، كشفت عن حدود المشروع الإسلامي في صورته التقليدية، وفتحت المجال أمام مراجعات ضرورية.
في هذا الإطار، يميز الباحث بين مستويين:
مستوى الفكرة ومستوى الممارسة
فعلى مستوى الفكرة، لا يزال الإسلام السياسي يحتفظ بجاذبيته لدى قطاعات من المجتمع، خاصة في ظل استمرار الأزمات السياسية والاقتصادية. أما على مستوى الممارسة، فقد أظهرت التجربة أن الوصول إلى الحكم لا يكفي لتحقيق التغيير، بل يتطلب أدوات وخبرات وقدرة على التكيف.
ومن هنا، يخلص الباحث إلى أن مستقبل الإسلام السياسي مرهون بقدرته على:
إعادة صياغة خطابه تطوير أدواته القبول الكامل بقواعد اللعبة الديمقراطية
يمكن القول إن أطروحة الدكتوراه التي أعدها الشاليل الشاليل تقدم قراءة عميقة لتجربة الإسلاميين في الحكم، من خلال تحليل مركب يجمع بين البعد النظري والتطبيقي. وهي في جوهرها ليست دراسة عن الإسلاميين فقط، بل عن الدولة العربية الحديثة، وحدود قدرتها على استيعاب قوى سياسية ذات مرجعية مختلفة.
والفكرة المركزية التي تتكرر في ثنايا الدراسة يمكن صياغتها على النحو التالي:
إن الانتقال من الدعوة إلى الدولة لا يكشف صدق النوايا، بل يكشف حدود القدرة.
فالحكم، كما تبرز الدراسة، ليس مجالًا لتجريب الأفكار، بل ميدانًا معقدًا تحكمه توازنات دقيقة، لا يمكن تجاهلها. والإسلاميون، حين دخلوا هذا الميدان، اكتشفوا أن الشعارات لا تكفي، وأن الواقع أكثر صلابة مما كانوا يتصورون.
وبهذا المعنى، فإن تجربة الإسلاميين في المغرب وتونس، كما يعرضها الباحث، تمثل مرحلة كاشفة، ليس فقط لهذه الحركات، بل لطبيعة التحول السياسي في العالم العربي، حيث تتقاطع الطموحات مع القيود، وتُختبر الأفكار على محك الواقع.
تقدم دراسة «الإسلاميون وممارسة الحكم والسلطة في المغرب وتونس: دراسة مقارنة» إسهامًا مهمًا في فهم واحدة من أبرز ظواهر السياسة العربية المعاصرة، من خلال تحليل تجربة عملية، لا تنظير مجرد. وهي تخلص إلى أن:
الإسلام السياسي، حين يغادر موقع المعارضة، يدخل منطقة اختبار لا تعترف إلا بميزان القدرة، لا ببلاغة الخطاب.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة