في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
يتخذ التصعيد في جنوب لبنان منحى أكثر تعقيدا، إذ تتقاطع كثافة الغارات الإسرائيلية مع عودة حزب الله إلى وتيرة هجومية مرتفعة، في مشهد يعكس تحوّلا في ديناميات الصراع، ويتجاوز نمط الردود التقليدية نحو محاولة فرض معادلات ميدانية جديدة.
وتبرز في خلفية هذا التصعيد حالة الالتباس التي أعقبت إعلان الهدنة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، حيث كان هناك اعتقاد أن لبنان مشمول بها، قبل أن يتبدد، مما فتح الباب أمام إعادة تموضع ميداني واضح لدى حزب الله.
ميدانيا، أعلن الحزب اليوم الجمعة تنفيذ 16 هجوما استهدفت مواقع عسكرية ومستعمرات إسرائيلية، شملت مناطق في الجليل الأعلى، مثل كريات شمونة والمطلة، إضافة إلى قواعد عسكرية حدودية، في مؤشر على استئناف العمليات بوتيرة منظمة تحمل دلالات تكتيكية.
في المقابل، صعّد الجيش الإسرائيلي من غاراته الجوية، منفذا ضربات عنيفة طالت عشرات البلدات في جنوب لبنان، بينها النبطية ومرجعيون، مع تسجيل خسائر بشرية ودمار واسع، مما يعكس محاولة فرض ضغط ناري متواصل على بيئة الحزب.
وتشير المعطيات الميدانية عبر الشاشة التفاعلية إلى أن الجبهة باتت أقرب إلى "سباق نيران" مفتوح، حيث تتزامن الضربات الجوية الإسرائيلية مع رشقات صاروخية مكثفة، امتدت إلى عمق غير معتاد داخل شمالي إسرائيل.
كما اتخذت بعض الغارات طابع "الحزام الناري"، لا سيما في النبطية، في سياق تصعيد يهدف إلى إنهاك البنية الميدانية لحزب الله، وتهيئة الأرضية لتحركات برية محتملة أو تعزيز مواقع السيطرة النارية.
وفي هذا السياق، قال الخبير العسكري والإستراتيجي العميد حسن جوني إن التحركات الإسرائيلية خصوصا في محيط بنت جبيل، تعكس تطبيقا عمليا لخطة تعميق المنطقة العازلة عبر محاولات التفاف تدريجي بدلا من المواجهة المباشرة.
وأوضح جوني أن بنت جبيل تمثل مركز ثقل إستراتيجيا ومعنويا، والسيطرة عليها تمنح إسرائيل أفضلية تفاوضية، نظرا لموقعها كعقدة اتصال بين عدة محاور قتالية وتأثيرها الرمزي على توازن المعنويات لدى الطرفين.
في المقابل، يبرز تحول نوعي في سلوك حزب الله، إذ يؤكد الخبير العسكري أن الحزب قرر خوض المعركة بقرار مستقل، بعد أن تبيّن له أن الهدنة الإقليمية لا تنطبق على الساحة اللبنانية، مما أعاد تعريف موقعه في مسار المواجهة.
ويشير جوني إلى أن هذا القرار تجسّد ميدانيا من خلال استئناف إطلاق الصواريخ بوتيرة أعلى وإدخال صواريخ باليستية إلى ساحة القتال، في خطوة تحمل بعدا تكتيكيا يهدف إلى إرباك الحسابات الإسرائيلية وتغيير قواعد الاشتباك.
هذا التحول يعكس، وفق القراءة العسكرية، انتقال الحزب من مرحلة الترقب أو الانكفاء المؤقت إلى مرحلة المبادرة، حيث يسعى إلى استرداد زمام الفعل الميداني وفرض إيقاعه الخاص بعيدا عن مسارات التهدئة الإقليمية.
وتدعم هذا التوجه مؤشرات تتعلق بتنوع الأسلحة المستخدمة، من صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى إلى مسيّرات هجومية، مما يعكس مرونة عملياتية وقدرة على التكيّف مع تطورات المعركة رغم كثافة الضربات الإسرائيلية.
وتظهر البيانات أن وتيرة الهجمات شهدت تراجعا نسبيا خلال فترة الهدنة قبل أن تعود للارتفاع ارتفاعا ملحوظا، في مسار يتقاطع مع تطورات المواجهة الإقليمية، ويشير إلى وجود تنسيق غير مباشر في زخم العمليات.
في المقابل، تواصل إسرائيل فرض تعتيم على حجم خسائرها، رغم تقارير عن إصابات مباشرة داخل مستوطنات حدودية وانقطاع للكهرباء في بعض المناطق، مما يعكس حساسية الجبهة الداخلية وتأثرها بالتصعيد المتواصل.
سياسيا، تتناقض هذه الوقائع مع الحراك الدبلوماسي، إذ أعلنت واشنطن عن اجتماع مرتقب لبحث وقف إطلاق النار، في حين وصفه مصدر لبناني بأنه تحضيري، مما يعكس فجوة بين مسار التفاوض وتعقيدات الميدان.
كما تكشف المواقف اللبنانية عن تباين واضح، بين دعوات رسمية لوقف التصعيد ودعم سيادة الدولة، وبين تمسك حزب الله بشروط مسبقة لأي مسار تفاوضي، أبرزها وقف إطلاق النار وانسحاب قوات الاحتلال.
ويعكس المشهد انتقال حزب الله إلى مقاربة تقوم على استثمار لحظة "ما بعد الهدنة"، عبر تصعيد محسوب يعيد تثبيت حضوره في المعادلة، في وقت تسعى فيه إسرائيل إلى استباق أي تسوية بفرض وقائع ميدانية جديدة.
المصدر:
الجزيرة