آخر الأخبار

رئيس البرلمان الإيراني يكتب: الخيار التاريخي لطهران

شارك

هذه الرسالة موجهة إلى الدول الإسلامية في المنطقة، وقد دُونت في الأسبوع الخامس من حرب رمضان؛ وهي حرب لم تخترها الجمهورية الإسلامية في إيران ولم تبدأها، لكنها تحولت اليوم إلى رمز لصمود دعاة الحرية، وطالبي الاستقلال، ورافضي الهيمنة في العالم.

إنها حرب شنتها الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الإسرائيلي، لا ضد إيران العزيزة فحسب، بل ضد أمن المنطقة وفكرة الوحدة والأخوة الإسلامية. وفي هذه المرحلة، أجد من الضروري طرح جملة من النقاط حول هذه الفتنة الإسرائيلية-الأمريكية، ومستقبل المنطقة، ومكانة فكرة الوحدة الإسلامية.

لقد كانت أولوية الجمهورية الإسلامية في إيران على الدوام تعزيز العلاقات مع دول الجوار والعالم الإسلامي. فإيران لا تعد تهديدا لدول المنطقة، بل دأبت دائما على مد يد الصداقة والأخوة إلى جيرانها والدول الإسلامية.

كان اتفاق بكين بين الجمهورية الإسلامية في إيران، والمملكة العربية السعودية أحد أبرز تجليات هذا النهج؛ وهو اتفاق تابعه رئيسا إيران، الشهيد آية الله رئيسي، والدكتور بزشكيان، وحظي أيضا بدعم وتأييد قائد الثورة الإسلامية الشهيد.

كما أن لقاء سماحته النادر بوزير الدفاع السعودي آنذاك كان مؤشرا آخر على هذا التوجه. وقد قامت هذه العلاقات على أساس مبدأ الأخوة ووحدة العالم الإسلامي، وعدم الثقة بجبهة الاستكبار.

وبناء على ذلك، ففي الحرب السابقة، وعلى الرغم من امتلاك إيران القدرة على فرض تكاليف باهظة على الولايات المتحدة، فقد امتنعت عن الدخول في حرب على مستوى المنطقة، وذلك لمنع اتساع رقعة الصراع إقليميا، والحفاظ على تماسك الدول الإسلامية.

في الوقت عينه، دأبت الجمهورية الإسلامية في إيران، استنادا إلى التعاليم القرآنية «وأعِدوا لهم ما استطعتم من قوة» (الأنفال: 60)، على الاعتقاد بأن تحقيق الأمن المستدام يستلزم الاعتماد على القدرات الذاتية والاستقلال الإستراتيجي.

إعلان

وقد أكدت تطورات السنوات الأخيرة صحة هذا النهج، إلا أن ما شهدته دول الجوار- من تجربة الهجوم الإسرائيلي على قطر، وعدم صدور أي رد دفاعي من القواعد الأمريكية الموجودة فيها، وكذلك استخدام هذه البنى العسكرية خلال حرب رمضان لشن هجمات على إيران- أثبت أن هذه القواعد لم تنشأ بالضرورة لضمان أمن الدول المضيفة، بل تستخدم عمليا كأداة لخدمة الأهداف التوسعية للكيان الصهيوني.

كما تبين أنها لم تسهم في تعزيز الأمن، بل تحولت إلى عامل لتعزيز انعدام الأمن في المنطقة.

لم ينسَ العالم الإسلامي أن رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي المزعوم أكد بصراحة سعيه لتحقيق حلم "إسرائيل الكبرى"، كما اعتبر سفير الولايات المتحدة في "إسرائيل" أن من حق "إسرائيل" الامتداد من النيل إلى الفرات، بل صرح بأنه لا بأس إذا استولت "إسرائيل" على كل هذه الأراضي.

كما لم تمضِ فترة طويلة على الفضيحة الكبرى التي أدلى بها الرئيس السابق لمركز مكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة، حيث قال إن داعش- بوصفه أحد عوامل انعدام الأمن في المنطقة- قد أنشئ من قبل الأمريكيين لتحقيق أهدافهم.

ونحن انطلاقا من المبادئ التي التزمنا بها، وبالاعتماد على القوة الذاتية والارتكاز إلى النصر الإلهي، كنا قد أعددنا أنفسنا لمثل هذه المواجهة، وقد رأيتم أننا كنا ثابتين وقادرين وأقوياء في دفاعنا المشروع عن أنفسنا.

وكانت هذه الشجاعة والبسالة والقوة على درجة من العظمة بحيث بعثت السرور في المسلمين والأحرار الذين ضاقوا ذرعا بظلم قوى الاستكبار وقتلة الأطفال، وأذلت جبهة الأشرار.

وهذه القوة نابعة من الإيمان بالسنن الإلهية، ونتيجة لعدم الثقة بالأجنبي؛ مقاومة ملهمة تكسر الظلمات.

لقد تحقق ما كانت قوى الاستكبار تخشاه، واكتسب «قول لا» في وجه الاستكبار قوة ونفوذا، وهذه الجبهة تدعو أنصارا جددا للانضمام إليها. وهذا هو نهج النبي الأكرم (ص) وتوصية القرآن الكريم، التي غطاها – للأسف- الخطاب الترهيبي لجبهة الاستكبار، ويجب أن تخرج من تحت هذه الغمامة لتتصدر واجهة العلاقات بين الدول الإسلامية.

أيها الإخوة المسلمون والجيران الكرام!

لقد اتضح اليوم أن هذه حرب "إسرائيل"، وأن كل هذه الانفلاتات الأمنية والتكاليف التي تكبدها العالم، بل وحتى الشعب الأمريكي، كانت من أجل مصالح "إسرائيل" ونتنياهو.

وقد جرى الترويج خلال الأعوام المنصرمة لفكرة أن إيران هي العامل الرئيسي لعدم الاستقرار في المنطقة على نطاق واسع، وصرفت على هذا الأساس موارد مالية هائلة من العالم الإسلامي على شراء الأسلحة وتعزيز البنى العسكرية.

وفي الوقت الذي تبين فيه للمسلمين في العالم، عقب الجرائم اللاإنسانية في غزة، أن عامل انعدام الأمن والاستقرار في المنطقة هو الكيان الصهيوني الذي يحظى بدعم أمريكي، قام اللوبي الصهيوني القوي بإقحام الولايات المتحدة في حرب مع إيران على نحو اضطرت معه إيران لاستهداف القواعد والجنود والمصالح الأمريكية في المنطقة للحفاظ على وجودها.

لا يمكن ضمان الأمن بمجرد شراء المعدات أو الاعتماد على أمن مستأجر، بل إن الأمن المستدام لا يتشكل إلا من خلال الترابط والتكامل بين القدرات الاقتصادية، والهوية الثقافية، والحقائق الجغرافية، والتعاون بين الجيران

ومن اللافت أن رئيس وزراء "إسرائيل" المجرم، الذي كان هو نفسه المشعل للحرب والعامل الرئيسي وراء كل التكاليف الأمنية والاقتصادية والسياسية في المنطقة، تحدث بمكر وخداع عن تحالف مع دول المنطقة لمواجهة «التهديد الإيراني».

إعلان

وتحاول هذه العصابة المخادعة نفسها اليوم أن تنشر مرة أخرى عناوين مضلِلة، وأن تنشئ هذا التصور الباطل لدى قادة دول الضفة الجنوبية للخليج الفارسي، بأنه إذا خرجت إيران منتصرة من هذه الحرب فلن يعود الأمن إلى المنطقة، وهي تسعى إلى تشجيع دول المنطقة على دعم تصعيد التوتر، في حين أن تصعيد التوتر سيواجه حتما برد حاسم وأوسع من إيران على المصالح الأمريكية في المنطقة؛ وهو أمر لن يؤدي إلا إلى انعدام الأمن على المدى الطويل، وتدمير البنى التحتية في المنطقة، وهروب المستثمرين بشكل دائم، وقبل الجميع، ستتحمل دول المنطقة الكلفة الباهظة لهذه السياسة.

لقد قلنا مرارا إن الحفاظ على أمن المنطقة يصب، أكثر من غيره، في مصلحة دول المنطقة، بما فيها إيران. إن الأمن المستدام للمنطقة هو أولويتنا، وسجلنا أيضا يثبت أننا نؤمن بذلك. وفي هذا السياق، نعتقد أن الاقتصاد المستدام هو الذي ينتج أمنا محليا وإقليميا، وأن الأمن المستدام هو الذي يضمن المصالح الاقتصادية المشتركة.

وعليه، يمكن لدول الخليج الفارسي، في إطار اتفاقات أمنية ثنائية ومتعددة الأطراف تضمّن بتعريف المصالح الاقتصادية المشتركة، ومن دون تدخل خارجي، أن تنشئ أمنا مستداما للمنطقة، وأن تتحول إلى واحدة من أكثر مناطق العالم أمنا، وأن تستقبل المستثمرين من مختلف أنحاء العالم. وهذا قرار ينبغي عليكم اتخاذه من أجل مستقبل شعوبكم وبلدانكم.

أيها الإخوة الأعزاء

إن تجارب السنوات الماضية القاسية باتت الآن ماثلة أمامنا، وقد آن الأوان لأن نتعلم منها. ويمكن القول بوضوح إن عهد الاعتماد على نموذج «الأمن النفطي» آخذ في الانتهاء؛ فالأمن لا يشترى، بل يجب إنتاجه.

ولا يمكن ضمان الأمن بمجرد شراء المعدات أو الاعتماد على أمن مستأجر، بل إن الأمن المستدام لا يتشكل إلا من خلال الترابط والتكامل بين القدرات الاقتصادية، والهوية الثقافية، والحقائق الجغرافية، والتعاون بين الجيران.

يأتي رؤساء الولايات المتحدة ويغادرون، أما إيران فباقية في هذه المنطقة. ويجب أن تتكون هذه الواقعية التي تقضي بإزالة العوامل الرئيسية لانعدام الأمن في المنطقة، والتوجه نحو «أمن بلا أمريكا و"إسرائيل"».

وعندما تتمكن إيران بمفردها من الصمود في وجه القوة الظاهرية للعدو الصهيوني-الأمريكي، وتدفعه إلى العجز، فإن اتحادنا الأخوي يمكنه أن يمنع حتى نشوء بذور زعزعة أمن المنطقة.

ونحن نؤمن بإمكانية بلوغ هدف التنمية والأمن المستدام الجماعي من خلال تعريف تعاون متبادل قائم على المصالح السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية، والجمهورية الإسلامية مستعدة تماما لمثل هذا التعاون وهذه الفكرة.

وآخر دعوانا أن الحمد للهِ ربِ العالمين.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا