آخر الأخبار

ما خيارات السلطة الفلسطينية في التصدي لقانون إعدام الأسرى؟

شارك

نابلس- بصوتٍ أنهكه الألم عبر السنوات، تُعبِّر المسنة الفلسطينية رابعة سعيد بلال، المعروفة بـ"أم بكر بلال" من مدينة نابلس، شمال الضفة الغربية، عن عجزها في إيجاد الكلمات التي تصف مشاعرها، عقب تلقيها خبر إقرار الكنيست الإسرائيلي قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين.

وتعيش أم بكر الوجع بشكل مضاعف، في ظل وجود ابن و3 أحفاد يقضون زهرة شبابهم في الأسر خلف القضبان، مؤكدة أن مجرد الخوض في هذا الحديث يرهقها نفسيا وجسديا إلى حد كبير.

وكان الكنيست الإسرائيلي قد صدّق الاثنين الماضي، بالقراءتين الثانية والثالثة وبأغلبية 62 صوتا ومعارضة 48، على مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين الذين يدانون بقتل إسرائيليين، دون أن يشمل إسرائيليين يقتلون فلسطينيين، ودخل حيز التنفيذ في 31 مارس/آذار الماضي.

وتعتقل سلطات الاحتلال في سجونها أكثر من 9500 أسير، بينهم أكثر من 300 محكوم عليهم بالسجن المؤبد، وعشرات آخرون ينتظرهم الحكم المؤبد.

مصدر الصورة أم بكر أمضت ثلثي عمرها على أبواب السجون في زيارة أبنائها وأحفادها (الجزيرة)

ثُلثا العمر على أبواب السجون

أمضت المسنة الثمانينية أكثر من ثلثي عمرها في انتظار حرية أبنائها، متنقلة بين نوافذ وطرقات السجون حتى حفظتها عن ظهر قلب، فقد خاض تجربة الاعتقال 5 من أبنائها ثم أحفادها، وتوضح أنه رغم القلق العميق الذي يلازمها حيال قانون الإعدام، لا تملك إلا "الاحتساب والتوكل على الله".

وتعرب أم بكر -في حديثها للجزيرة نت- عن أملها في أن تعجز سلطات الاحتلال عن تنفيذ هذا القانون الجائر، مؤكدة أن أمل عائلات الأسرى "معقود بالله وحده في ظل انعدام العدالة البشرية".

وتضيف "يسعى الاحتلال إلى حرمان الأسرى من كل شيء، حتى بعد قضائهم سنوات طويلة في السجون، لكن رب العالمين فوق الجميع".

ومع ذلك تشدد على أن الحالة النفسية لعائلات الأسرى "غير مستقرة على الإطلاق"، حتى قبل الحديث عن قانون الإعدام، في ظل الأخبار المتواترة حول الظروف القاسية التي يعيشها الأسرى منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

مصدر الصورة معاذ بلال (يسار) محكوم بالسجن المؤبد 26 مرة وأمضى 30 عاما في سجون الاحتلال ويُعامل بطريقة قاسية (الجزيرة)

أوضاع مقلقة

وعن تعرض الأسرى للضرب والتجويع وسوء المعاملة، قالت أم بكر "الاحتلال لا يملك أخلاقا ولا يتعامل بإنسانية"، معتبرة أنه يضرب بعرض الحائط كل القوانين الدولية التي تحظر مثل هذه الممارسات، بما فيها قوانين الإعدام.

إعلان

وأكثر ما يقلق الأم الصابرة مصير ابنها معاذ، الذي أمضى حتى الآن 30 عاما في الأسر، ومحكوم بالسجن 26 مؤبدا، ويضاعف هذا القلق انقطاع أخباره نتيجة منع الزيارات وغياب تواصل المحامين، خاصة بعد أن "استثناه" الاحتلال من صفقات الإفراج السابقة. وتؤكد أن أي حديث عن قوانين جديدة، كالإعدام، يضاعف الألم لدى العائلة التي تنتظر حرية ابنها منذ عقود.

كما يبرز سبب صادم لرفض بعض الأسرى مقابلة المحامي، حتى في الحالات التي يُسمح فيها بالزيارة؛ إذ يتعرض الأسير للضرب والتعذيب من قبل السجانين أثناء توجهه للمقابلة، مما يدفعه إلى تفضيل عدم الخروج تفاديا للتنكيل، حسب معلومات نقلها عثمان، واحد من أبناء أم بكر، تحرر مؤخرا في صفقة التبادل.

ويطرح الواقع الصعب لعائلات الأسرى سؤال: ماذا يمكن للسلطة الفلسطينية أن تفعل في مواجهة القانون الإسرائيلي سواء على الصعيد السياسي والدبلوماسي أو القانوني لإطفاء النار الملتهبة في صدور ذوي الأسرى؟

تعويل على الدبلوماسية

قبل أن يتحدث عن الجانب القانوني، أشار مسؤول الشؤون القانونية في هيئة شؤون الأسرى الفلسطينية جميل سعادة إلى "الدور المحوري" الذي تلعبه سفارات دولة فلسطين، ووزارة الخارجية، والحكومة، والرئاسة الفلسطينية في وضع قضية الأسرى على رأس سلم الأولويات.

وأوضح أنه بعد المصادقة على القانون أعيد تفعيل قضية الأسرى بشكل قوي، مما يتيح استغلال هذا الزخم عبر المؤسسات الدولية القادرة على "لجم" الحكومة الإسرائيلية ووقف القانون، لا سيما في ظل التوجه العالمي الرافض لعقوبة الإعدام.

ويشير سعادة إلى أن المحاكم الإسرائيلية تستعيض حاليا عن الإعدام بعقوبة "الحبس المؤبد المفتوح" (مدى الحياة) دون تحديد سقف أعلى لسنوات السجن، وهو ما يختلف عن مفهوم المؤبد المحدود في دول أخرى.

وقال إن هيئة شؤون الأسرى تسعى لاستثمار القنوات الدولية لملاحقة الانتهاكات الإسرائيلية بحق الأسرى، خصوصا عبر المحاكم والهيئات الدولية.

وفي هذا السياق، يوضح المحامي الفلسطيني أن العمل يتم عبر مسارات متعددة، تبدأ بتقديم شكاوى رسمية إلى "المقرر الخاص لحقوق الإنسان" التابع للأمم المتحدة، وتمتد إلى المحكمة الجنائية الدولية.

عقبات إسرائيلية

ويذكر سعادة أن قضية الأسرى تحظى بأولوية عالية، مع وجود تحقيقات جارية حول الظروف القاسية التي يعيشها الأسرى داخل السجون الإسرائيلية، خاصة أن انتهاكات حياة الأسرى تزايدت بشكل حاد بعد أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

ويقول: "رغم صعوبات الحرب والظروف الميدانية في قطاع غزة ونقص الطواقم، فإن العمل مستمر لإعداد ملفات قانونية متكاملة من خلال مكتب النائب العام الفلسطيني بصفته الجهة المختصة والمطلعة بشكل أدق على التفاصيل القانونية لهذا الملف".

وتواجه الجهود القانونية والدولية لمتابعة أوضاع الأسرى العديد من العقبات والتحديات الميدانية التي تعيق رصد الانتهاكات وتوثيقها بشكل فعال، مما يزيد من صعوبة حماية حقوق الأسرى وضمان محاسبة المسؤولين وفق المسؤول الفلسطيني، ومنها:


* منع السلطات الإسرائيلية فرق تقصي الحقائق، والمقرر الخاص للأمم المتحدة، وفريق المحكمة الجنائية الدولية من دخول الأراضي الفلسطينية أو زيارة السجون.
* صعوبة توثيق الانتهاكات داخل السجون بسبب نقص الإمكانيات وغياب زيارات المحامين لفترات طويلة، مما يعيق الوصول إلى الحقائق وتوثيق الجرائم بشكل قانوني.

رسالة سياسية

من جهته، يرى الأكاديمي المختص في القانون الدولي رائد أبو بدوية أن المواجهة هنا "ليست قانونية فحسب، بل هي اختبار لقدرة السلطة الفلسطينية على تحويل القانون الدولي إلى أداة ضغط سياسي فعّالة".

إعلان

ويوضح في حديثه للجزيرة نت أن "إقرار ما يُسمّى بقانون إعدام الأسرى من قبل الكنيست الإسرائيلي لا يمثّل مجرد تشريع جنائي، بل تحوّلا بنيويا يُدخل الإعدام إلى قلب المعادلة السياسية، ويحوّل حياة الفلسطيني إلى عنصر في سوق المزايدات الانتخابية لقوى اليمين المتشدد".

وفي هذا الإطار، يوضح أبو بدوية أن هذا القانون ينقل الإعدام من هامش الاستثناء إلى مركز السياسة، مؤسسا لانتقال مزدوج: من إدارة الصراع إلى إدارة السكان عبر الردع القاتل، ومن القانون كقيد إلى القانون كغطاء للعنف.

ويضيف أن الأخطر في هذا القانون هو إعادة تعريف الفلسطيني قانونيا، من شخص محمي بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني إلى فاعل معادٍ قابل للإعدام، في إطار ما وصفه بـ"القابلية القانونية للإعدام".

نوافذ ممكنة

ويقول أبو بدوية "لم تعد العقوبة أداة عدالة، بل أصبحت أداة حكم ورسالة سياسية، بما يعكس تزاوجا غير مسبوق بين القانون والسياسة"، ومع ذلك يشير إلى نوافذ متاحة للضغط على الاحتلال لإلغاء القانون منها:


* تمثل أوروبا ساحة مركزية للضغط، عبر اتفاقية الشراكة مع إسرائيل التي تربط التعاون باحترام حقوق الإنسان، مع ضرورة دمج هذه الرافعة بأدوات القانون الدولي والآليات الأممية.
* استخدام المسارات القضائية الأوروبية وفرض عقوبات فردية ومراجعة اتفاقية الشراكة لتحويل الانتهاكات إلى كلفة قانونية واقتصادية ملموسة.
* على الصعيد الدولي يشكّل اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية وطلب رأي استشاري من محكمة العدل الدولية.
* تفعيل مجلس حقوق الإنسان والجمعية العامة للأمم المتحدة.
* خطوات لتدويل القضية وتحقيق المساءلة الفردية.

ويطرح أبو بدوية بعدا لا يقل عما سبقه متمثلا في أن للسلطة الفلسطينية أدوات سياسية ثنائية مع إسرائيل يمكن توظيفها كأوراق ضغط مباشرة، تشمل إعادة تعريف أو تقليص التنسيق الأمني، ومراجعة الالتزامات المنبثقة عن اتفاقيات أوسلو، وتدويل العلاقة التعاقدية.

وبرأيه فإن هذه الأدوات -رغم حساسيتها السياسية- تندرج ضمن إستراتيجية "رفع الكلفة" المباشرة، وتكمل الضغط الدولي، بالتوازي مع بناء تحالفات دولية وحملات إعلامية وقانونية لتسليط الضوء على الطابع التمييزي لقانون الإعدام.

مع ذلك يشير إلى "غياب إستراتيجية موحدة تجمع بين القانون الدولي، والضغط الأوروبي، والأدوات الثنائية، والتعبئة السياسية والإعلامية".

مصدر الصورة نعيرات: "تحديات" و "فرص متاحة" أمام السلطة الفلسطينية للتعامل مع قانون الإعدام (الجزيرة)

تحديات وفرص

بدوره، تطرق المحلل السياسي رائد نعيرات إلى "تحديات" و"فرص متاحة" أمام السلطة الفلسطينية في التعامل مع هذه السياسة الإسرائيلية من منظور سياسي وإستراتيجي، مشيرا إلى ضرورة قراءة قانون الإعدام ضمن "السياقات الجديدة" للسياسة الاستعمارية الاستيطانية الإسرائيلية والتطورات العميقة داخل المجتمع الإسرائيلي.

ويوضح -في حديثه للجزيرة نت- أن خطورة القانون تكمن في نقطتين جوهريتين:


* التهديد المباشر للفلسطيني، بحيث يبقى مهددا بالقتل حتى لو قُتل مستوطن "بالخطأ"، مما يكسر أي تردد كان يشعر به المستوطنون سابقا.
* محاولة "نزع صفة التحرير" عن النضال الفلسطيني، من خلال تحويل المقاومة الوطنية المكفولة دوليا إلى مجرد "عمل إجرامي" أو "إرهابي" يستوجب عقوبة الإعدام، وهو ما يعد التفافا على حقوق الشعب الفلسطيني في المقاومة. مصدر الصورة صورة تجمع 5 أسرى من أسرة واحدة (الجزيرة)

عجز واضح

ويعتقد رائد نعيرات أن السلطة الفلسطينية تواجه "عجزا واضحا" في مواجهة هذا القانون لأسباب متعددة أبرزها اعتمادها منذ عام 2017 على سياسات تكييفية خضعت خلالها لضغوط الاحتلال فيما يتعلق بموضوع الأسرى، مما حد من قدرتها على اتخاذ مواقف يمكن أن تغيّر مسار القانون.

إعلان

ويوضح أن ما تبقى أمام السلطة اليوم هو الاعتماد على الضغوطات الدولية والحملات الشعبية العالمية، مرجحا أن تؤثر هذه الضغوط على دولة الاحتلال "خاصة وأن تنفيذ القانون داخل المؤسسة القضائية والمحكمة العليا لا يزال محل شك".

لكنه حذّر من أن الضغط الدولي سيف ذو حدين، إذ قد يطال السلطة نفسها عبر مطالبتها بتنازلات، كما حدث سابقا في ملفات الرواتب والتعامل مع المناهج وغيرها، مما يجعل هذا المسار محفوفا بالمخاطر.

ويشير المحلل السياسي إلى إقدام السلطة الفلسطينية على وقف مخصصات آلاف الأسرى والشهداء والجرحى، وتحويلهم إلى مؤسسة تعنى بمكافحة الفقر.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا