في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
الخرطوم- لا يكاد إقليم النيل الأزرق السوداني المجاور لدولتي إثيوبيا وجنوب السودان، يعرف الهدوء مؤخرا، بل صارت أصوات الرصاص سمة العيش فيه؛ إذ يواجه سكانه حالة احتراب متواصلة بعد عقد من اتفاقيات السلام.
منذ الثمانينيات كان الإقليم محطة لتوترات وصراعات متلاحقة؛ إذ اتخذته الحركة الشعبية بقيادة زعيمها جون قرنق، وقبل انفصال السودان، معقلا للمعارضة المسلحة للحكومات المركزية في الخرطوم بدءا من عهد الرئيس جعفر النميري ورئيس الوزراء الصادق المهدي وحكومة الإنقاذ بقيادة عمر البشير وصولا لعهد رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان.
ولكن منذ 10 أعوام، يعيش الاقليم الذي يتميز بتضاريس جبلية وغابات واسعة النطاق تمتد إلى تخوم إثيوبيا، حالة من الهدوء؛ إذ توقفت أصوات الرصاص عقب التمرد الذي قاده والي النيل الأزرق آنذاك مالك عقار من داخل مدينة الدمازين.
وانتهى هذا التمرد بسيطرة الجيش السوداني على أنحاء واسعة من النيل الأزرق، ثم توقيع اتفاقيات وقف إطلاق النار مع الحركة الشعبية بزعامة عبد العزيز الحلو.
ووقّعت حكومة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك اتفاق السلام مع عدد من المكونات المسلحة بينها الحركة الشعبية شمال بقيادة مالك عقار المنشقة عن عبد العزيز الحلو.
وساهمت تلك الاتفاقيات في استمرار توقف الاحتراب في النيل الأزرق، بيد أن الاقليم كان على موعد جديد مع الحرب التي تسببت في نزوح ومقتل الآلاف من سكانه.
مع الحرب التي عادت إلى السودان عموما منذ منتصف أبريل/نيسان 2023، وصلت الاشتباكات أطراف إقليم النيل الأزرق، وامتدت إلى بلدات داخله مثل بلدة شمار شمالا ومدينة بوط غربي النيل الأزرق.
ودارت معارك عنيفة في تلك المدن وظلت العاصمة الدمازين تحت الحصار في أعقاب سقوط مدينة سنجة المجاورة للنيل الأزرق ومعقل الفرقة 17 التابعة للجيش السوداني.
بعد استعادة سنجة بواسطة الجيش وفك الحصار عن الدمازين، تنفّس إقليم النيل الأزرق قليلا قبل أن تعود إليه رياح الحرب مرة أخرى، وهذه المرة من جنوبه على تخوم الحدود الإثيوبية.
منذ يناير/كانون الثاني الماضي، بدأت الحركة الشعبية شمال المتحالفة مع الدعم السريع في شن هجمات مختلفة على بلدات في محافظة الكرمك وقيسان وباو بإقليم النيل الأزرق، مصحوبة بضربات جوية عبر طائرات مسيّرة استهدفت مدن الكرمك وبكوري وقيسان وسالي ودندروا وجميعها تقع على مقربة من دولتي جنوب السودان وإثيوبيا.
رويدا رويدا تطورت المناوشات إلى معارك كبرى انتهت بسيطرة الدعم السريع وحليف الحركة الشعبية – شمال على محافظة الكرمك بالنيل الأزرق، التي يفصل بينها وبين دولة إثيوبيا جسر صغير لا يزيد طوله على أمتار.
وإزاء تطور المعارك في إقليم النيل الأزرق، اتهمت الحكومة السودانية جارتها إثيوبيا بالتدخل في الشأن السوداني ومساندة قوات الدعم السريع.
وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان صحفي الشهر الماضي، إن طائرات دون طيار من داخل الأراضي الإثيوبية "تعاملت مع أهداف داخل السودان". واعتبرت ما حدث عملا "عدائيا مستنكرا ومرفوضا"، ويمثل انتهاكا سافرا لسيادة السودان، وعدوانا صريحا على الدولة السودانية.
وحذّرت الخارجية السلطات الإثيوبية من مغبّة هذه "الأعمال العدائية"، وأكدت على حقها في الدفاع عن سيادتها ووحدة أراضيها بما يكفل لها التصدي لمثل هذه الاعتداءات بالطرق والوسائل المختلفة.
وفي ظل اتهامات الحكومة السودانية للجارة إثيوبيا بالتدخل في المعارك التي تجري في النيل الأزرق، قال مصدر سوداني رفيع للجزيرة نت، إن السلطات ترصد التحركات الإثيوبية ضد السودان منذ فبراير/شباط الماضي.
وأضاف المصدر "في أغسطس (آب) من عام 2025، قامت السلطات الإثيوبية بتوسيع مطار أصوصا الإثيوبية لاستيعاب المسيّرات".
وأردف المصدر بالقول إن القوات التي هاجمت ديم منصور وخور البودي بمحلية الكرمك في مارس/آذار الماضي انطلقت من معسكرات للدعم السريع في بلدتي (هورا وقشم بإثيوبيا) وصولا إلى يابوس الخاضعة لسيطرة الحركة الشعبية – شمال، مبينا أن الدعم السريع سيطر على محافظة الكرمك السودانية الإستراتيجية عبر هجمات انطلقت من الأراضي الإثيوبية.
وأشار المصدر إلى أن الدعم السريع لا يزال يحشد عناصره في معسكرات (مكوار والردوكات) داخل الأراضي الإثيوبية للهجوم على محافظة قيسان السودانية المحاذية لإثيوبيا.
عقب سيطرة الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال على محافظة الكرمك المحاذية لدولة إثيوبيا، شهدت المحافظة موجة نزوح واسع للسكان المحليين الذي توجهوا صوب المدن الأخرى في النيل الأزرق مثل الدمازين وباو والروصيرص، فضلا عن تقطع السبل بالعشرات من النساء والأطفال الذين لا يزالون يواجهون خطر الموت في الكرمك عقب سيطرة الدعم السريع عليها.
يقول محافظ محافظة الكرمك عبد العاطي الفكي للجزيرة نت، إن نحو ألفي عالق لا يزال مصيرهم خطيرا بعد نزوحهم من مركز المحافظة التي سيطر عليها الدعم السريع والحركة الشعبية خلال الأسبوع الماضي، ولم يتمكن هؤلاء من الوصول إلى مناطق آمنة بسبب ضراوة القتال.
ويشير الفكي إلى نزوح أكثر من 500 أسرة -وفق الإحصاءات الأولية- من مدينة الكرمك، جرى توزيعهم على معسكرات في عدة مدن بإقليم النيل الأزرق وسط ظروف إنسانية بالغة التعقيد، ودعا المنظمات الأممية إلى ضرورة التدخل العاجل لسد الفجوات في الغذاء والدواء والكساء.
في الأثناء، قال جمال القاضي محافظ محافظة قيسان في إقليم النيل الأزرق جنوبي السودان، للجزيرة نت، إن الحرب التي يشهدها الإقليم مؤخرا أدت لنزوح وفرار آلاف الأسر من المحافظة إلى مدن بكوري وقنيص ودالياس القريبة من عاصمة الإقليم الدمازين.
وأشار المحافظ إلى إنشاء أكثر من ثلاثة مخيمات لاستقبال النازحين من قيسان. وطالب السلطات الحكومية والمنظمات الطوعية بضرورة التدخل العاجل لمساعدة النازحين الفارين وهم بأمسّ الحاجة للماء والكساء والغذاء والدواء، ومعظمهم من النساء والأطفال وكبار السن.
وعقب سيطرة الدعم السريع وحليفه الحركة الشعبية – شمال على محافظة الكرمك الحدودية، دفع الجيش السوداني بتعزيزات عسكرية ضخمة لاستعادتها، وهي المدينة ذاتها التي سقطت في يد التمرد في ثمانينيات القرن الماضي في حكم الصادق المهدي، كما سقطت على يد تمرد الحركة الشعبية – شمال في حكم عمر البشير عام 2011، قبل أن يتمكن الجيش من استعادتها مرة أخرى بعد معارك ضارية.
ويعيد التاريخ نفسه اليوم حيث وصلت أرتال من الجيش السوداني إلى الدمازين استعدادا للتقدم نحو الكرمك، بينها رتل يطلق عليه (النبأ اليقين) وهي قوة لعبت أدوارا بارزة في استعادة عدد من المدن السودانية كانت تحت سيطرة الدعم السريع مثل مدني وسنجة والدندر، وتمكنت من فك حصار سنار والدمازين في 2025.
وفي هذه الأثناء، وعد حاكم النيل الأزرق جنوبي السودان أحمد العمدة بادي، في تصريحات صحفية قبل يومين، باستعادة السيطرة على الكرمك، مشيرا إلى أن الجيش السوداني دفع بتعزيزات عسكرية ضخمة لإنهاء سيطرة الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال على الكرمك.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة