كشف تقييم استخباراتي أمريكي حديث صورة مغايرة للرواية الرسمية التي تتبناها إدارة الرئيس دونالد ترمب بشأن مسار الحرب في إيران. وأكد التقييم -الذي نقلته شبكة "سي إن إن" عن مصادر مطلعة- أن طهران لا تزال تحتفظ بنحو نصف قدراتها الصاروخية وآلاف الطائرات المسيرة.
وحذر التقييم من أن تحديد جدول زمني لإنهاء العمليات خلال أسبوعين يعد أمرا غير واقعي، وهو ما أثار حفيظة البيت الأبيض والبنتاغون اللذين سارعا للهجوم بضراوة على هذه التسريبات.
رغم القصف اليومي العنيف الذي تشنه القوات الأمريكية والإسرائيلية على مدى خمسة أسابيع، أظهر التقييم أن ما يقارب نصف منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية لا تزال سليمة، إلى جانب آلاف الطائرات المسيرة الانتحارية.
ونقلت الشبكة عن مصدر استخباراتي تأكيده أن الإيرانيين لا يزالون مستعدين تماما لإحداث "فوضى عارمة" في جميع أنحاء المنطقة.
وتشير الشبكة إلى أن إسرائيل ودولا خليجية وقواعد أمريكية في المنطقة ما زالت تتعرض لرشقات منتظمة من الصواريخ والمسيرات الإيرانية، في مؤشر -بحسب المصادر الاستخباراتية- على أن طهران ما زالت تملك قدرات عملية قابلة للاستخدام، وليست مجرد مخزون نظري.
وترى هذه المصادر أن الشبكات الممتدة من الأنفاق والكهوف التي أعدتها إيران على مدى عقود هي السبب الرئيسي في عدم تدمير عدد أكبر من منصات الإطلاق حتى الآن، رغم آلاف الغارات الجوية.
فقد نجحت طهران -وفقا للشبكة- في تطبيق تكتيك "الإطلاق والتحرك" للمنصات المتنقلة، في سيناريو يحاكي التحديات التي واجهتها واشنطن مع جماعة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن، مما دفع القوات الأمريكية والإسرائيلية للتركيز مؤخرا على ضرب مداخل تلك الأنفاق والمعدات الثقيلة المستخدمة لفتحها.
وتتعارض هذه التقييمات بشكل كبير مع إعلانات الرئيس ترمب الذي صرح بأن قدرة إيران تضاءلت بقوة، وأن مصانع الأسلحة ومنصات الإطلاق تنسف فتتحول إلى قطع، واضعا جدولا زمنيا لإنهاء العمليات يتراوح بين أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع.
ونقلت "سي إن إن" عن مصدر مطلع على التقييم الاستخباراتي قوله إنه يمكن الاستمرار في إلحاق الضرر بالترسانة المتبقية، مستدركا بلهجة حاسمة: "ولكنك واهم تماما إن ظننت أن هذا الأمر سينجز في غضون أسبوعين".
ومن جهته، قلل وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسِث من أهمية الترسانة المتبقية، مصرحا: "نعم، سيواصلون إطلاق بعض الصواريخ، لكننا سنسقطها..، في آخر 24 ساعة سجلنا أقل عدد من الصواريخ والمسيرات المعادية".
وتضع القيادة العسكرية الإسرائيلية تقديرات أقل للمنصات المتبقية (بين 20 و25%)، إلا أن مصادر متطابقة أوضحت للشبكة الأمريكية أن الإحصاء الإسرائيلي يكتفي بالمنصات المكشوفة، ولا يشمل تلك المدفونة أو التي يصعب الوصول إليها داخل الكهوف والأنفاق.
ولم تتأخر الإدارة الأمريكية في الرد بغضب على هذه التسريبات؛ فقد صرحت آنا كيلي – نائبة المتحدثة باسم البيت الأبيض- للشبكة بأن مصادر مجهولة تحاول بشدة تشويه العمل المذهل للجيش الأمريكي في "عملية الغضب الملحمي" ومهاجمة الرئيس ترمب.
وشددت على أن هجمات الصواريخ والمسيرات الإيرانية تراجعت بنسبة 90%، وأن البحرية الإيرانية "مسحت من الوجود"، مؤكدة أن واشنطن وتل أبيب تتمتعان بـ"سيطرة جوية مطلقة" على إيران.
وبدوره، وصف المتحدث باسم وزارة الحرب (البنتاغون) شون بارنيل التقرير بأنه "خاطئ تماما"، مؤكدا تدمير أكثر من 12 ألفا و300 هدف، ومقتل قيادات عليا بينهم المرشد علي خامنئي وعلي لاريجاني، مشيرا إلى أن الجيش "متقدم بفارق كبير" عن جدوله الزمني.
على الصعيد البحري الإستراتيجي، كشف التقييم أن نسبة كبيرة من صواريخ كروز المخصصة للدفاع الساحلي لا تزال سليمة.
وأرجعت المصادر ذلك إلى أن الحملة الجوية الأمريكية ركزت نيرانها بشكل أساسي على الأسلحة التي يمكن إطلاقها على الحلفاء في المنطقة، ولم تضع الأصول العسكرية الساحلية كأولوية قصوى، مما يمنح طهران قدرة مستمرة على تهديد حركة الملاحة في مضيق هرمز.
ويأتي ذلك في وقت تعترف فيه واشنطن سرا بصعوبة ضمان فتح المضيق الحيوي قبل إنهاء الحرب.
ورغم إعلان القيادة المركزية الأمريكية تدمير وإعطاب أكثر من 155 سفينة، أوضحت المصادر أنه في حين دُمرت البحرية الإيرانية النظامية، فإن القوة البحرية التابعة للحرس الثوري -وهي المسؤولة فعليا عن مضايقة السفن في المضيق- ما زالت تحتفظ بنحو نصف قدراتها، وتملك المئات إن لم يكن الآلاف من القوارب الصغيرة والسفن غير المأهولة.
وبينما تؤكد الإدارة الأمريكية أنها حققت تقدما كبيرا على جدولها الزمني لتدمير القدرات الإيرانية، تعكس التسريبات الاستخباراتية -التي نقلتها "سي إن إن"- صورة أكثر تعقيدا لوضع الترسانة الإيرانية، في ظل استمرار الجدل داخل واشنطن حول مدى واقعية الحديث عن حسم العمليات خلال أسابيع قليلة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة