في صباح الثامن والعشرين من فبراير/ شباط الماضي، استيقظ العالم على وقع خبر صادم بدا للكثيرين وكأنه مشهد مقتطع من رواية تاريخية قاتمة: الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتخذان قرارا ببدء مواجهة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط، تستهدف إيران بشكل مباشر.
لم تمض ساعات قليلة حتى كانت صور الضربات والتصريحات المتوترة تتصدر المشهد، ومعها ارتفعت حرارة السياسة الدولية إلى مستويات غير مسبوقة منذ سنوات.
بهذه الأجواء الثقيلة، افتتح المؤرخ العسكري غاي والترز مقالا تحليليا في صحيفة إندبندنت الشهر الماضي، مشيرا إلى أن ما جرى خلال أيام قليلة فقط يعيد إلى الأذهان لحظات مفصلية سبقت اندلاع الحرب العالمية الأولى.
ففي عام 1914، لم يكن أحد يتوقع أن حادثا واحدا سيشعل حربا عالمية، لكن سلسلة من القرارات المتسارعة والتحالفات المعقدة دفعت العالم إلى هاوية لم يخرج منها إلا بعد دمار هائل.
إن أكثر ما يثير القلق، كما يشير والترز، هو "ديناميكية التصعيد" نفسها. فالحروب الكبرى لا تبدأ عادة بقرار واضح ومباشر، بل بسلسلة من الخطوات الصغيرة، وردود الفعل المتبادلة، وسوء التقدير.
وهذا ما حدث قبل أكثر من قرن، وقد يتكرر اليوم إذا لم يتم احتواء الأزمة بسرعة.
ويرى مراقبون اليوم أن المشهد لا يخلو من أوجه شبه مقلقة. فالتصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لا يجري في فراغ، بل في بيئة دولية مشحونة، تتداخل فيها مصالح قوى كبرى مثل روسيا والصين، اللتين تراقبان التطورات عن كثب، وقد تتدخلان بشكل مباشر أو غير مباشر إذا ما تجاوزت الأزمة حدودها الحالية.
وتكمن الخطورة الحقيقية في أن النزاع مع إيران لا يُعد مجرد مواجهة تقليدية بين دولتين، بل هو شبكة معقدة من الصراعات غير المباشرة الممتدة عبر عدة دول في الشرق الأوسط.
فإيران تمتلك نفوذا في مناطق متعددة، ما يعني أن أي ضربة عسكرية قد تفتح جبهات متزامنة، وهو ما يزيد احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع يصعب احتواؤها.
وشهدت الفترة الأخيرة تطورات متسارعة، تمثلت في تبادل الضربات والتهديدات بين أطراف إقليمية ودولية، إلى جانب تصعيد الخطاب السياسي والعسكري.
وقد أدى ذلك إلى رفع درجة الاستنفار في عدة دول، مع تحركات عسكرية لافتة، سواء من خلال تعزيز القواعد أو نشر مزيد من القوات في مناطق حساسة.
ويرى مراقبون أن هذه المؤشرات تعكس تحولا خطيرا من مرحلة "الردع" إلى مرحلة "حافة الهاوية"، حيث يصبح أي خطأ في الحسابات شرارة لانفجار واسع النطاق.
بالنسبة للدول العربية، فإن المخاطر تبدو مضاعفة. فالمنطقة تمثل ساحة مباشرة لأي صراع محتمل، سواء عبر استهداف البنية التحتية، أو تعطل إمدادات الطاقة، أو اندلاع موجات نزوح جديدة.
كما أن الاقتصادات العربية، خاصة تلك المعتمدة على النفط أو التجارة الدولية، ستكون عرضة لهزات عنيفة نتيجة اضطراب الأسواق وارتفاع تكاليف التأمين والنقل.
إلى جانب ذلك، فإن الأمن الداخلي في عدد من الدول قد يتأثر بشكل كبير، في ظل احتمالات تصاعد التوترات الطائفية أو استغلال الجماعات المتطرفة لحالة الفوضى.
كما أن التحالفات الإقليمية قد تشهد إعادة تشكيل سريعة، ما قد يخلق حالة من عدم الاستقرار السياسي في بعض الدول.
وعلى المستوى الإنساني، فإن أي حرب واسعة النطاق ستؤدي إلى تداعيات كارثية، تشمل سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، وتدمير البنية التحتية، وتراجع الخدمات الأساسية، وهو ما سيزيد من معاناة الشعوب التي تعاني أصلا من أزمات اقتصادية واجتماعية.
ورغم هذا المشهد القاتم، لا يزال هناك بصيص أمل يتمثل في الجهود الدبلوماسية، التي تحاول منع انزلاق الأمور نحو مواجهة شاملة.
غير أن نجاح هذه الجهود يتطلب إرادة سياسية حقيقية من جميع الأطراف، واستعدادا لتقديم تنازلات، وهو أمر يبدو صعبا في ظل تصاعد الخطاب المتشدد.
برأيكم
سنناقش معكم هذه المحاور وغيرها في حلقة الجمعة 3 أبريل/ نيسان.
خطوط الاتصال تُفتح قبل نصف ساعة من موعد البرنامج على الرقم 00442038752989.
إن كنتم تريدون المشاركة بالصوت والصورة عبر تقنية زووم، أو برسالة نصية، يرجى التواصل عبر رقم البرنامج على وتساب: 00447590001533
يمكنكم أيضا إرسال أرقام الهواتف إلى صفحتنا على الفيسبوك من خلال رسالة خاصة Message
كما يمكنكم المشاركة بالرأي في الحوارات المنشورة على نفس الصفحة، وعنوانها: https://www.facebook.com/NuqtatHewarBBC
أو عبر منصة إكس على الوسم @Nuqtat_Hewar
يمكنكم مشاهدة حلقات البرنامج من خلال هذا الرابط على موقع يوتيوب
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة