يمشي الصحفيون في لبنان على حبلٍ رفيع، أشدّ حدّةً من السيف، وأكثر وعورةً من تلال الجنوب المشتعلة بالنار والغضب. هناك، حيث تتقاطع أصوات المعارك مع هدير المدافع وزخّات الرصاص، ويملأ هدير الطائرات أجواء المكان، يواصلون أداء واجبهم تحت ضغط هائل، يُثبتون أمام الكاميرا رباطة جأشٍ تُخفي قلقًا داخليًا لا ينقطع، فيما يرافقهم هاجسٌ ثقيل: الاطمئنان على عائلاتهم، والخروج سالمين بعد كل تغطية.
منذ الثامن من أكتوبر 2023، قتل حوالي 26 صحفيًا لبنانيًا على الأقل في لبنان بنيران إسرائيلية، أغلبهم في جنوب لبنان. كان مصوّر وكالة "رويترز" عصام العبد الله ، الذي قضى بغارة على بلدة علما الشعب في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2023 أول ضحية، وتوالى بعده زملاؤه من القتلى والجرحى، ومن كافة المؤسسات الإعلامية المحلية والعالمية: المنار والميادين ووكالة الصحافة الفرنسية والجزيرة وروسيا اليوم وقناة “VTM NEWS” البلجيكية وغيرها من المؤسسات والصحفيين الذين يعملون بشكل حر أيضًا.
وبحسب التقارير، 10 على الأقل من الصحفيين الذين قضوا، كانوا يؤدون واجبهم المهني. في حالات كثيرة، كان الجيش الإسرائيلي يصرّح بأن بعض هؤلاء الإعلاميين مرتبطون بشكل مباشر بحزب الله، وفي أحيان أخرى كان يدعو إلى فتح تحقيقات في مقتل آخرين، أو يلتزم الصمت دون أي تعليق.
غير أنّ كل حادثة استهداف كانت تُحدث صدى واسعًا في لبنان على المستويين السياسي والإعلامي، وتصدر بعدها بيانات استنكار وإدانة، لكنها في الوقت نفسه كانت تعمّق لدى شريحة واسعة من العاملين في مهنة المتاعب شعورا بأن لا مكان آمنا لهم في الميدان وأن الدولة اللبنانية لا تقوم بـ"ما يلزم" لحمايتهم.
بعد مقتل الصحفيين علي شعيب وفاطمة فتوني ومحمد فتوني في استهداف سيارتهم قبل أيام في شهر مارس/ آذار الماضي، تقول مراسلة جريدة "الأخبار"، آمال خليل التي تغطي الحرب منذ 8 أكتوبر 2023 في جنوب لبنان، لـ"يورونيوز" إن كل الصحفيين الميدانيين الذين يغطون الحرب حاليًا هم مشروع قتلى مع وقف التنفيذ.
وتضيف أن "إسرائيل استهدفت يوم 13 أكتوبر بشكل متعمّد المصور عصام العبد الله وجرحت آخرين، ومنذ ذلك الوقت فإن كل صحفي اختار أن يبقى على مقربة من الحدود أو في أي مكان أصبح عرضة للاستهداف وهو يقف أعزلًا تحت الطائرات والمسيّرات والقصف".
وتعتبر خليل أن "كل صحفي ومراسل ميداني صمد في الميدان منذ 8 أكتوبر 2023 هو يتحدى هذا التهديد الإسرائيلي والرسائل بالخروج من الجنوب والتوقف عن التغطية، وهو يساهم في كسر الرواية الإسرائيلية أمام الرأي العام العالمي بإيصال الحقيقة وتوثيق التاريخ بشكل صحيح وحقيقي وغير مضلّل" وفق تعبيرها.
وكان الجيش الإسرائيلي، قد قال إن الصحفي علي شعيب من قناة المنار هو عنصر في قوة الرضوان التابعة لحزب الله، وأن مراسل القناة التابعة للحزب كان يقدّم إحداثيات للتنظيم حول أماكن تموضع الجنود الإسرائيليين، لكن البيان لم يأت على ذكر الشقيقين فتوني اللذين قضيا في ذات الغارة.
في 25 تشرين الثاني 2024، استهدفت سلاح الجو الإسرائيلي منتجع "حاصبيا فيليج كلوب"، حيث كان أكثر من 12 صحفيا يقيمون منذ أكثر من ثلاثة أسابيع.
وأسفر الاستهداف في ذلك الوقت عن مقتل مصوّر قناة الميادين غسان نجار، والمهندس محمد رضا، ومصوّر قناة المنار وسام قاسم، بالإضافة إلى إصابة آخرين.
وقالت منظمة " هيومن رايتس ووتش " إنها أجرت مقابلات بشأن الحادثة، واطلعت على لقطات من كاميرات المراقبة تُظهر التوقيت، مشيرةً إلى أن الغارة استهدفت المبنى الذي يقيم فيه الصحفيون بعيد الساعة الثالثة فجرًا، حين كان معظمهم نيامًا.
وقد وصف وزير الإعلام اللبناني ما حصل آنذاك بأنه "جريمة حرب" فيما انسحبت جميع الصحفيين من القطاع الغربي في جنوب لبنان، مما أوقف التغطية الإخبارية بشكل كامل وقد اعتبرها البعض "رسالة للطواقم الإعلامية بإخلاء المكان".
في المقابل، قال الجيش الإسرائيلي وقتها إنه "سيراجع" ما حصل في حاصبيا، مؤكدًا أنه استهدف "عناصر من حزب الله" وجاء في بيان له أن: "في وقت سابق اليوم، وبناءً على معلومات استخبارية، شنّ الجيش غارة على بنية عسكرية تابعة لحزب الله في حاصبيا جنوب لبنان"، مضيفًا أن "الضربة نُفذت أثناء وجود عناصر داخل المبنى". وأضاف البيان أنه: "بعد عدة ساعات من الغارة، وردت تقارير تفيد بإصابة صحفيين خلالها. الحادثة قيد المراجعة".
وكانت مؤسسة "مهارات"، غير الحكومية، والمعنية بالقضايا الإعلامية قد نقلت عن مراسل تيلفزيون "أل بي سي" إدمون ساسين تعليقه على الحادثة، حيث قال: "الخطر ازداد مؤخرًا مع تغيّر طبيعة الحرب. ففي المرحلة الأولى، كانت التغطية تتم من خطوط المواجهة الأمامية. لكن بعد هجوم إسرائيل في 13 تشرين الأول 2023 على الطواقم الإعلامية في بلدة علما الشعب، واجهنا سؤالًا: هل نواصل التغطية؟ بالطبع واصلنا، ولكن بخطة معدّلة ومواقع جديدة. واستمرت إسرائيل في شنّ هذه الهجمات، وبلغت ذروتها بهجوم حاصبيا في 25 تشرين الأول، الذي كان بمثابة رسالة سياسية واضحة أدت إلى مغادرة الصحفيين، على الأقل من القطاع الشرقي في جنوب لبنان."
وحاليًا، يتمركز أغلب الصحفيين الذين يغطون الحرب الدائرة في مدينة صور، أي على بعد عشرات الكيلومترات من المعارك البرية التي تجري بين مقاتلي حزب الله والجيش الإسرائيلي، مما يجعل من الصعب نقل الواقع الميداني كما هو، ورصد التقدم الإسرائيلي أو أداء الحزب، دون الاعتماد مباشرة على رواية أي من الطرفين.
وإلى جانب الخوف من التعرض للاستهداف، يواجه الصحفيون في لبنان عدة تحديات مرتبطة بالتغطية منها استهداف أو تضرر المعدات ووسائل النقل الصحفية، بالإضافة إلى منع التغطية في بعض مناطق النزاع، والتهديدات والمضايقات من قبل المجتمع اللبناني بسبب حسابات سياسية أو حزبية أو حتى تمييز جندري.
وعلى صعيد آخر، فإن الصحفيين أنفسهم يتحمّلون مثل سائر المواطنين الأعباء المرتبطة بالنزوح. إذ تنقل رولا مكحل، المديرة التنفيذية لمؤسسة "مهارات" أنها سمعت بعدما أجرت مقابلات مع 60 إعلاميا "كيف يعمل بعض الصحفيين الآن من داخل سياراتهم، وكيف نزح آخرون مرتين، أو يعيشون في أماكن مزدحمة مع العديد من العائلات. وأفاد هؤلاء بأن الحرب تدفعهم لمواصلة التغطية رغم ظروفهم الشخصية. وقد أدهشنا عدد الصحفيين الذين أخبرونا أنهم يعانون من تدهور صحتهم النفسية".
وفي هذا السياق، يقول مصوّر AJ+ محمد قليط أنه :"أثناء تصوير قصص عن الناس في البقاع الغربي تحت تحليق الطائرات المسيّرة والحربية، فإن أول ما يخطر في بالي هو عائلتي وأطفالي. الخطر الأساسي بالنسبة لنا كمصوّرين اليوم هو أن نكون عرضة للاستهداف"
ويتابع: "تكمن المشكلة في الأشخاص على الأرض الذين يقررون فجأة منع التصوير ويتعاملون مع الأذونات بشكل اعتباطي، فيحددون من يمكنه التصوير ومن لا يمكنه ذلك". ويورد قليط مثالا فيقول إنه قد يحدث، أن يًمنع الصحفي من أداء عمله لأن القناة التي يعمل لديها تستخدم مصطلحات معيّنة، وهذا يضع الإعلامي في موقف صعب بين ما تريده المؤسسة الإعلامية وما يتوقعه الناس وفق رأيه.
في حديثها مع "يورونيوز"، تقول الصحفية فاطمة البسّام، مراسلة جريدة "المدن"، إن معظم الصحفيات اللبنانيات قد يجمعن على تعرضهنّ لتمييز جندري خلال التغطيات الميدانية، إضافة إلى مضايقات من أشخاص لا سلطة لهم عليهن، إذ يبادر بعضهم إلى اعتراضهنّ والتدخل في عملهن.
وتوضح أن ذلك ينعكس سلبًا على شعورهنّ بالأمان في بيئة هي أصلًا غير آمنة، فضلًا عن تأثيره على أدائهنّ المهني. وتشير إلى وجود تصوّر نمطي سائد يفضّل الذكور ويعتبرهم "أكثر مهنية". وتضيف: "غالبًا ما أُسأل في موقع التصوير: لماذا لم تُرسل المؤسسة الإعلامية رجلًا للتغطية بدلًا منك؟"
على الرغم من أن لبنان شهد حروبًا متعددة وأحداثا أمنية مفصلية، فإن الجيل الجديد من الصحفيين يفتقر إلى الخبرة الكافية في التعامل مع هذا النوع من التغطيات. كما تعتمد بعض المؤسسات على إرسال صحفيين يافعين إلى الميدان من دون تدريب مسبق على أساليب التنقّل الآمن أو الالتزام بمعايير السلامة، مستفيدةً من كلفة تشغيلهم الأقل.
وعن ذلك، تعلّق البسّام بالقول إن عدة وسائل إعلامية طلبت منها أن تغطي الحرب بعد السابع من أكتوبر، لكنها في البداية ترددت، ذلك لأنها لم تتلق أي تدريب على ذلك، ولم تكن تعرف بديهيات التعامل مع المواقف الخطرة.
كما تلفت إلى أنه "لا توجد جهة رسمية يستطيع المراسل الرجوع إليها أثناء تغطيته، بل يضطر إلى الاعتماد طوال الوقت على قائمة معارفه الشخصية في الميدان".
إلى جانب ذلك، لا يوفّر القانون اللبناني، ولا سيما قانون العقوبات، حمايةً خاصة للصحفيين من الاعتداءات وأعمال العنف والتهديدات التي قد يتعرّضون لها أثناء أداء مهامهم المهنية، وذلك بخلاف الحماية الممنوحة للقضاة وأعوان القضاء والمحامين والخبراء والشهود والموظفين العموميين.
وفي هذا السياق، تقول إلسي مفرج، رئيسة اتحاد الصحفيين والصحفيات في لبنان، في مقابلة مع منصة "ذا سبيتش": "للأسف، منذ أول استهداف للصحفيين وحتى اليوم، تبدو الدولة اللبنانية شبه غائبة، إذ إن التحرك الوحيد الذي قامت به تمثل في تقديم شكوى إلى مجلس الأمن، ونحن جميعًا ندرك أن الولايات المتحدة قادرة على استخدام حق النقض (الفيتو) في أي إجراء يُتخذ بحق إسرائيل".
وتضيف: "نطالب بتقديم شكوى إلى مجلس حقوق الإنسان، والعمل على تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، على غرار ما حدث عام 2006، لكن حتى الآن لم يتحقق أي من ذلك".
اللافت أن بعض المؤسسات الإعلامية، ذات القدرات المالية المحدودة، لا توفّر للصحفيين دروعا وخوذ ذات جودة جيدة، لذلك فإن بعضهم لا يكون محميًا بشكل كاف، كما أن هذه الدروع والخوذ قد تحمي من الرصاص، لكنها تفشل في الحماية من الصواريخ والشظايا.
في هذا السياق، يوصي الاتحاد الدولي للصحفيين باتباع مجموعة من الإجراءات قبل النزول إلى الميدان، أبرزها: التخطيط المسبق وتقييم المخاطر، ووضع بروتوكولات اتصال واضحة تتضمن جداول للتواصل الدوري، إلى جانب تجهيز الصحفيين بما يتلاءم مع بيئة العمل، من معدات حماية وإسعافات أولية ومستلزمات أساسية للبقاء. كما يشدد على ضرورة فهم المخاطر المرتبطة بالهواتف المحمولة والمعدات الفضائية والإشارات الرقمية، واعتماد إجراءات فورية للحماية أثناء الغارات الجوية وفق "قاعدة الثلاث ثوانٍ".
ويؤكد كذلك أهمية اختيار أماكن أكثر أمانًا داخل المباني وتجنّب النوافذ والمواقع المكشوفة، واتخاذ احتياطات أثناء التنقل عبر تجنّب الطرق المتوقعة أو القوافل، والالتزام بأوامر الإخلاء والحفاظ على مسافات آمنة من الأهداف العسكرية المحتملة. إضافة إلى ذلك، يوصي بتقليل الظهور وتجنّب البروز في الأفق، والحفاظ على التباعد والاحتماء فور التعرض لإطلاق نار، فضلًا عن التنبّه لمؤشرات تصاعد النشاط العسكري، مثل تحركات القوات أو زيادة القصف أو انقطاع الاتصالات، وفهم المدى الفعّال لمختلف أنواع الأسلحة، مع الحفاظ على أقصى مسافة ممكنة من مناطق الاشتباك.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة
مصدر الصورة