آخر الأخبار

كمال خرازي.. إصابة رجل المحددات في الإستراتيجية الإيرانية

شارك

أكدت وسائل إعلام إيرانية -مساء اليوم الأربعاء- خبر إصابة كمال خرازي في قصف استهدف منزله في طهران، وقالت إن زوجته قُتلت في الهجوم، وإنه نُقل إلى المستشفى وهو في حالة حرجة.

ولا يكتسب الخبر أهميته من موقع خرازي بوصفه وزير خارجية أسبق فحسب، بل من كونه أحد الوجوه التي تنتمي إلى الدائرة الأعمق في بنية صنع القرار الإيراني، إذ يترأس المجلس الإستراتيجي للعلاقات الخارجية، وهو مجلس أنشأه المرشد الإيراني السابق علي خامنئي عام 2006 للمساعدة في "القرارات الكبرى" والبحث عن "آفاق جديدة" في السياسة الخارجية، وفق نص قرار التعيين المنشور على موقع خامنئي الرسمي.

وبهذا المعنى، لا يُنظر إلى خرازي في طهران بوصفه مجرد دبلوماسي متقاعد، بل باعتباره واحدا من رجال "الدائرة الإستراتيجية" للسياسة الخارجية الإيرانية، أي من الشخصيات التي تعمل خلف الواجهة التنفيذية، وتشارك في بلورة التقديرات الكبرى، وتحديد سقوف التفاوض والتصعيد.

مصدر الصورة "كمال خرازي (الثاني من اليسار) تحدث عن "أخطاء عديدة في التعامل مع دول الجوار" (صفحة المتحدث باسم وزارة الخارجية – تلغرام)

مصاهرة المرشد

وينتمي خرازي إلى الجيل الأول من النخبة التي جمعت في الجمهورية الإسلامية بين العمل الإعلامي والدبلوماسي والأمني.

فقد شغل منصب وزير الخارجية بين عامي 1997 و2005، وكان قبل ذلك مندوب إيران الدائم لدى الأمم المتحدة، كما تولى رئاسة وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا) خلال الثمانينيات.

كما يرتبط اسم كمال خرازي ببيئة عائلية وسياسية ذات امتداد داخل النخبة الإيرانية. فبحكم المصاهرة والقرابة، تتصل عائلة خرازي بشخصيات دينية وسياسية بارزة.

وكمال خرازي هو عم الدبلوماسي الإيراني البارز محمد صادق خرازي، وشقيقته سوسن خرازي زوجة مسعود خامنئي، الابن الثالث للمرشد السابق علي خامنئي وشقيق المرشد الحالي مجتبى خامنئي.

إعلان

لكن ثقله الحقيقي في السنوات الأخيرة لم يعد في المناصب التنفيذية المباشرة، بل في موقعه الاستشاري القريب من المرشد.

ويظهر ذلك بوضوح في المواد المنشورة على موقع خامنئي الرسمي، والتي تقدم خرازي بصفته رئيس المجلس الإستراتيجي للعلاقات الخارجية وعضو مجمع تشخيص مصلحة النظام، وتضعه ضمن النقاشات المرتبطة بالتفاوض غير المباشر مع الولايات المتحدة، وآليات اتخاذ القرار داخل مجلس الأمن القومي، وحدود الموقف الإيراني في الملفات الكبرى.

مصدر الصورة وزير الخارجية الإيراني الأسبق كمال خرازي (الجزيرة)

حلقة القرار

وقد برز خرازي في أكثر من محطة حساسة بوصفه صوتا يعكس ما يمكن وصفه بـ"الرسائل المحسوبة" للنظام الإيراني.

ففي الثامن من فبراير/شباط الماضي، أقر في جلسة ضمن فعاليات "المؤتمر الوطني للسياسة الخارجية الإيرانية" -الذي نظمه مركز الدراسات والبحوث التابع لوزارة الخارجية الإيرانية في طهران– بوقوع "أخطاء عديدة في التعامل مع دول الجوار"، موضحا أن مفهوم "تصدير الثورة" لم يكن ينبغي أن يُنفذ بأساليب غير صحيحة، الأمر الذي أثار مخاوف وقلق بعض الدول المجاورة.

وأضاف خرازي أن السياسة الخارجية يجب أن تجمع بين مقاومة سياسات الإكراه والهيمنة، وتطوير العلاقات مع دول الجوار، منتقدا في الوقت نفسه عدم نجاح البلاد في تأطير نموذجها الخاص في الحوكمة، ومشيرا إلى أن كثيرا مما يُدرّس في الجامعات الإيرانية تمت صياغته في الغرب ولا يتناسب مع ظروف المجتمع والبلاد.

وفي مايو/أيار 2024، قال خرازي -في حوار مع الجزيرة مباشر- إن إيران لا تملك قرارا بصنع قنبلة نووية، لكنه أضاف أن "الردع" الإيراني قد يتغير إذا تعرضت منشآتها النووية لهجوم، في تصريح عد آنذاك من أكثر الإشارات الإيرانية وضوحا إلى إمكان مراجعة العقيدة النووية تحت الضغط العسكري.

وفي يوليو/تموز 2024، نُقل عنه أن أي هجوم إسرائيلي واسع على لبنان قد يفتح الباب أمام تصعيد إقليمي أكبر، في وقت كانت فيه المنطقة على حافة مواجهة أوسع بين إسرائيل و حزب الله.

ولم تكن أهمية هذه المواقف في مضمونها فقط، بل في صدورها عن شخصية لا تتحدث عادة من موقع تعبوي أو إعلامي صرف، بل من موقع إستراتيجي قريب من مركز القرار.

مصدر الصورة كمال خرازي (يمين) يقف إلى جانب وزير خارجية إيران عباس عراقجي مكرما الأستاذ الدكتور جمشيد ممتاز في طهران (المتحدث باسم وزارة الخارجية – تلغرام)

رجل المنعطفات

من هنا، فإن استهداف خرازي لا يبدو حدثا عابرا يتعلق بمسؤول سابق، بل يطال شخصية تمثل الصلة بين المؤسسة الدبلوماسية التقليدية ودوائر القرار الأرفع في الجمهورية الإسلامية.

فهو ليس من الوجوه الصاخبة في المشهد الإيراني، لكنه من الشخصيات التي تبرز عادةً عند المنعطفات الكبرى؛ حين تريد طهران إرسال رسالة ردع، أو التلميح إلى هامش تفاوض، أو إعادة تعريف قواعد الاشتباك مع الخارج.

وبهذا المعنى، فإن خبر إصابته يفتح بابا أوسع من مجرد البعد الإنساني أو الشخصي، إذ يسلط الضوء على أن الحرب لم تعد تمس البنية العسكرية والأمنية الإيرانية وحدها، بل باتت تستهدف أيضا الشخصيات التي تتحرك في الطبقة الأعمق من النظام، حيث تصاغ الخيارات وتُرسم الاتجاهات وتدار التوازنات بين الدبلوماسية والردع.

إعلان
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا