آخر الأخبار

تسنيم تبث حزنها.. كيف تلقت العائلات الفلسطينية إقرار قانون إعدام الأسرى؟

شارك

جنين- حتى ساعات فجر اليوم الثلاثاء، بقيت الشابة الفلسطينية تسنيم شتيوي (30 عاما) تتقلب في فراشها، وتحاول النوم وإبطاء تدفق الأفكار في عقلها، خوفًا على مصير شقيقها الأسير محمود مطيع سليط، وذلك بعد سماعها خبر مصادقة الكنيست الإسرائيلي على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين.

اعتُقل محمود في الأسبوع الأول من أكتوبر/تشرين الأول عام 2024، بعد محاصرته من قبل قوات خاصة إسرائيلية داخل منزل في ضاحية اكتابا بمحيط مدينة طولكرم شمالي الضفة الغربية. ومنذ ذلك اليوم، لم تتمكن تسنيم ولا أي فرد من عائلتها من زيارته أو حتى سماع صوته.

وتصف في حديثها -للجزيرة نت- اللحظات الأولى لاعتقال شقيقها بعد إصابته بالرصاص الحي، قائلة: "حدث الاعتقال بعد اشتباك مسلح، حيث قال ضابط القوة الخاصة لمحمود بشكل مباشر: أنا معني باعتقالك وليس قتلك، لأنني أحتاج إلى بنك المعلومات التي بحوزتك. ثم اقترب منه وأطلق عليه رصاصتين من مسافة صفر، فأصيب في قدميه، حيث اخترقت إحدى الرصاصات ركبته، واعتُقل وهو ينزف".

مصدر الصورة عائلة الأسير محمود سليط من طولكرم تخشى إعدامه (الجزيرة)

دواعي القلق

تقول تسنيم إن خبر الاعتقال كان صادما للعائلة، فمحمود لم يتجاوز 22 عاما، وكان يقضي وقته في العمل في المطعم الذي يملكه والده، ويعود مساءً إلى المنزل، ولا يخرج إلا قليلا، وعلى الرغم من ذلك خضع لتحقيق استمر 90 يوما "وتعرض للتعذيب، على الرغم من وضعه الصحي الحرج بسبب الإصابة".

مرت أشهر قبل أن تتمكن العائلة من معرفة وضعه الصحي داخل السجن، خاصة بعد حرمان أهالي الأسرى من الزيارات أو حتى الاتصال الهاتفي خلال حرب الإبادة على قطاع غزة. ثم وصل إليهم خبر عبر محامي هيئة شؤون الأسرى، بأنه لم يصدر عليه أي حكم قضائي، ولم يُعرض على المحاكم.

ومع الأخبار القليلة والصعبة التي ترد عن أوضاع الأسرى، وما يعانونه من قمع وتعذيب وانتهاكات تمس كرامتهم الإنسانية تصل أحيانا إلى حد الاغتصاب، إضافة إلى قلة الطعام وسوء نوعيته، كان خبر المصادقة على قانون إعدام الأسرى صادما لتسنيم وعائلتها، ولعائلات الأسرى في الضفة الغربية.

"الشهادة أرحم من الظروف القاسية"

ومنذ بداية الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، منعت سلطات الاحتلال زيارات المحامين من هيئة شؤون الأسرى واللجنة الدولية للصليب الأحمر للأسرى، الذين يبلغ عددهم حتى تاريخ إعداد هذا التقرير نحو 9500 أسير فلسطيني، بينهم 350 طفلا و66 امرأة. وقد استُشهد 89 أسيرا منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بحسب نادي الأسير الفلسطيني.

إعلان

وبحسب عائلة تسنيم، فإن استشهاد نجلهم أرحم من بقائه في هذه الظروف القاسية داخل سجون الاحتلال، غير أن فكرة إعدامه "قاسية وغير إنسانية".

وتقول: "سألتُ والدتي ليلة أمس: هل سيبقى جثمانه في الأسر بعد إعدامه؟ والدتي تتعلق بقشة أن تراه على الأقل قبل دفنه، وهي المحرومة من رؤيته وسماع صوته منذ عامين. قلت لها: إن الموت أرحم من كل العذابات التي يعيشها يوميا، لكنها تقول إن شنقه أمر مهين ومذلّ".

وتضيف: "كنا نأمل أن تشمله الصفقات التي جرت بين حركة حماس وإسرائيل خلال وبعد الحرب على غزة، خاصة أنها شملت عددا من الموقوفين أمثاله، لكننا اليوم نعيش على أمل ألا يشمله قانون الإعدام".

مصدر الصورة الطفل يوسف بدران (٨ سنوات) يحمل صورة والده الأسير سلمة (الجزيرة)

"الموت أرحم"

وفي منزلها بمدينة طولكرم، كانت براءة بدران، زوجة الأسير سلمة بدران (44 عاما) المعتقل في سجن جلبوع منذ عامين، ترتب شؤون أطفالها بشكل طبيعي، محاولةً إخفاء شعورها بالعجز والضعف.

وقالت -للجزيرة نت- "في الحقيقة أحاول ألا أفكر في الخبر وتداعياته، حتى أستطيع إكمال يومي. أطفالي بحاجة إليّ، وحتى الآن لا أجد طريقة لإيصال الخبر لهم. ابنتي الكبرى تعيش حالة صدمة وانعزال منذ لحظة اعتقال والدها، وقد تراجعت في دراستها وترفض الاختلاط بالناس".

وترى أم يوسف أن الخبر "مخيف جدا"، خاصة لأهالي الأسرى الموقوفين الذين لم تصدر بحقهم أحكام، ورغم غياب أي توضيح من الجهات المعنية حول آلية تطبيق القانون والفئات المشمولة به، يعيش الأهالي لحظات مرعبة منذ إعلان المصادقة عليه في الكنيست الإسرائيلي.

وتضيف: "المحزن فعلا كان لحظة احتفال بن غفير وأعضاء الكنيست بالمشروبات الكحولية، احتفلوا بقرار قتل أبنائنا وأزواجنا. لم أكمل المشهد، شعرت أنني أختنق، وأن روحي تُسحب مني".

مصدر الصورة هاني جوري والد الأسير كمال جوري يقول إن قانون الإعدام جاء بعد صمت العالم كله عما يتعرض له الأسرى (الجزيرة)

الأسرى تركوا وحدهم

ويرى هاني جوري، والد الأسير كمال جوري، من نابلس، أن الأسرى تُركوا وحدهم، وأن العالم خذلهم، إذ شاهد معاناتهم لأكثر من عامين دون تحرك.

ويقول إن الشهادات التي خرجت من أسرى محررين، والتي وثقتها المؤسسات الحقوقية حول الجرائم المرتكبة بحق المعتقلين، كان يجب أن تُقابل بتحرك فعلي من المجتمع الدولي.

ويقول للجزيرة نت: أنا على يقين أن الأسرى، في حال وصل إليهم خبر الإعدام، قد يشعرون بشيء من الراحة، لأنه قد يكون المخلّص لهم من التعذيب وانتهاك الكرامة والمرض والإهانة والضرب. لكننا، نحن أهالي الأسرى، لا نجد كلمات تصف حجم الألم منذ صدور القرار.

ويتابع "أمس شعرت بحالة من الغثيان والدوار لحظة المصادقة عليه. أنا أخسر ابني كمال بشكل بطيء بسبب وضعه الصحي السيئ، بعد إصابته الخطيرة خلال اعتقاله، وتعمد الإهمال الطبي بحقه. ومنذ بداية حرب الإبادة على غزة لم أسمع صوته. الرصاصة مستقرة في الحوض، إضافة إلى 12 شظية اخترقت عموده الفقري وتسببت بأضرار في آخر فقرتين. اليوم لا أخشى على صحته فقط، بل أفكر: هل سيتم إعدامه في الأيام القادمة أم سيبقى ينتظر الموت يوميا؟".

مصدر الصورة أهالي الأسرى مصدومون من قانون الإعدام وقلقون على أبنائهم (الجزيرة)

الخبر الصاعقة

وخلال وقفة لمساندة الأسرى ورفضًا لقانون الإعدام نظمها أهالي الأسرى في مدينة طولكرم، قالت والدة الأسير عمرو محمود داود للجزيرة "منذ 9 أشهر لا أعلم شيئا عن ابني الموجود في سجن عوفر، أي خبر، بعد سماعي خبر قانون الإعدام لم أستطع النوم، إحساس بالغصة والكثير من الخوف والقلق، هذا القرار مرعب، هل تتخيلون أن أولادنا في انتظار أحكام الإعدام، على الرغم من أنه (ابنها) ليس متهما بالقتل، لكن القرار بحد ذاته مرعب".

إعلان

وشاركتها الرأي شقيقة الأسيرين جلال وعز الدين حَجّة التي وصفت القرار بأنه "صاعقة على أهالي الأسرى"، خاصة مع انعدام أي حق من حقوق الإنسان داخل السجون، قبل صدور القرار "أبناؤنا ليسوا مجرد أرقام لذا يجب على الكل التدخل لوقف قرارات الحكومة الإسرائيلية بإعدامهم".

حالة شاذة

بدوره قال نقيب المحامين الفلسطينيين فادي عباس، إن القرار تتويج لجملة طويلة من الإجراءات والسياسات التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني "لانتهاكات جسيمة في مخالفة واضحة المعالم لأحكام القانون الدولي الإنساني وقواعده وهو لا يعني فقط حالة شاذة عن القانون وإنما يعني حالة شاذة عن الإنسانية".

وأضاف في مقابلة مع الجزيرة أنه "لا يوجد مشروعية لهذا التشريع في سياق قراءة قواعد القانون الدولي الإنساني، وهو يمثل انتهاك جسيم سواء لاتفاقيات جنيف ذات العلاقة أو لأحكام لائحة لاهاي وهو عمليا يكرس حالة عدوانية تجاه أحكام القانون الدولي".

ومساء أمس الاثنين، صادق الكنيست الإسرائيلي نهائيا، بالقراءتين الثانية والثالثة، بأغلبية 62 صوتا مؤيدا مقابل 48 معارضا وامتناع عضو واحد، على مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين وتحديدا من أدينوا بقتل إسرائيليين، بدعم من رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، دون أن يشمل إسرائيليين قتلوا فلسطينيين.

وقوبل القانون بإدانات محلية ودولية وحقوقية واسعة، و أفادت القناة الـ12 الإسرائيلية بتهديد الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على إسرائيل إذا بدأت في تطبيق القانون.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا