كشفت صور حديثة التقطتها الأقمار الصناعية في 29 مارس/آذار 2026 عن حجم الدمار الذي لحق ب مفاعل خنداب لإنتاج الماء الثقيل في وسط إيران ، وذلك عقب إعلان الجيش الإسرائيلي تنفيذ غارة جوية على المجمع النووي.
وأظهرت اللقطات الجوية، التي نشرتها شبكة الجزيرة، الأضرار الكبيرة التي لحقت بالمصنع بعد الضربات، وفقًا لما نشرته شركة "بلانيت لابس"، حيث بدا المفاعل غير قادر على استئناف العمل.
وأوضح الجيش الإسرائيلي في بيان رسمي أن مصنع "آراك" للماء الثقيل يُعد موقعًا رئيسيًا لإنتاج البلوتونيوم المستخدم في الأسلحة النووية، مؤكدًا أنه لن يسمح لإيران بمواصلة تطوير برنامجها النووي الذي وصفه بـ "مصدر تهديد وجودي لإسرائيل والعالم بأسره".
وأظهر تحليل المقارنة بين الصور قبل وبعد الهجوم دمارًا واضحًا أصاب المنشأة بشكل جسيم، مما جعلها غير قادرة على العمل.
ووفقًا للوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإن المنشأة "أصيبت بأضرار شديدة ولم تعد قيد التشغيل"، مشيرة إلى أنها لا تحتوي على أي مواد نووية معلنة، وأن الأضرار أدت إلى تعطيل كامل للمصنع، الذي يشكل جزءًا أساسيًا من هيكل البرنامج النووي الإيراني.
وسبق للجيش الإسرائيلي أن استهدف مفاعل خنداب في حرب يونيو 2025، ضمن حملة شملت منشآت نووية أخرى مثل نطنز وفوردو وأصفهان، بهدف الحد من قدرات إيران النووية.
ظهرت صور الأقمار الصناعية، مثل تلك الصادرة عن Maxar، تدمير القبة والمباني الحيوية لمصنع الماء الثقيل المجاور. وصُرّح أن الهدف كان "شل المكونات الأساسية لإنتاج البلوتونيوم" لمنع تشغيل المفاعل المخطط له في 2026.
وفي ذلك الوقت، طمأنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية العالم بعدم حدوث أي تسرب إشعاعي، إذ لم يكن يحتوي المفاعل على وقود نووي مشع في ذلك الوقت وكان لا يزال في مرحلة البناء والترميم.
ويُعد مفاعل خنداب، المعروف تاريخيًا باسم مفاعل أراك أو IR-40، من أبرز المنشآت النووية المثيرة للجدل في إيران، ويقع في محافظة مركزي وسط البلاد، على بعد حوالي 75 كيلومترًا شمال غرب مدينة أراك.
ويختلف مفاعل خنداب عن مفاعل بوشهر الذي يعمل بالماء الخفيف، إذ صُمم ليعمل بالماء الثقيل واليورانيوم الطبيعي ما يجعله قادرًا على إنتاج البلوتونيوم-239 كمنتج ثانوي من الوقود المستنفد، وهي المادة المستخدمة في صناعة الرؤوس النووية رؤوس نووية صغيرة وخفيفة الوزن يمكن تحميلها على الصواريخ الباليستية، مما يضعه على مسار بديل للإنتاج النووي العسكري.
كما أن هذه الرؤوس تسمح باستخدام تقنيات "الرؤوس المتعددة" (MIRV)، ما يزيد من تعقيد الردع النووي ويضاعف خطورة أي تصعيد.
ويضم "خنداب" مجمع إنتاج الماء الثقيل، المصنع المسؤول عن إنتاج المادة الوسيطة اللازمة لتشغيل المفاعل، إضافة إلى المفاعل البحثي IR-40 المخصص رسميًا لإنتاج النظائر الطبية والأبحاث العلمية، وكان جزءًا من برنامج إيران النووي للأغراض البحثية.
وفي إطار الاتفاق النووي الموقع عام 2015، وافقت إيران على إزالة قلب المفاعل وصب الخرسانة فيه لمنع إنتاج البلوتونيوم، مع الالتزام بإعادة تصميمه كمفاعل للأبحاث فقط وبقدرات أقل خطورة.
ومع انهيار الاتفاق النووي في السنوات الأخيرة إثر انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في عهدته الرئاسية الأولى، بدأت إيران محاولات لترميم المنشأة واستئناف عملها، ما جعل المفاعل هدفًا مباشرًا للضربات الجوية.
تكتسب خطورة استهداف مفاعل خنداب أهمية خاصة، لأنه يمثل "المسار الثاني" لإيران للحصول على سلاح نووي، فضلاً عن المخاطر البيئية والإقليمية المرتبطة بضرب منشأة نووية نشطة.
وفي حال تعرض المفاعل للاستهداف وهو يحتوي على وقود نووي مشع، قد يؤدي ذلك إلى تسرب مواد مشعة مثل السيزيوم-137 واليود المشع في الغلاف الجوي، مع انتقال هذه الملوثات عبر الرياح لمئات الكيلومترات، ما يهدد دول الجوار مثل العراق ودول الخليج أو آسيا الوسطى.
كما يمكن أن تلوث المياه الجوفية والتربة، مما يجعل المنطقة المحيطة غير صالحة للزراعة أو السكن لعقود طويلة، على غرار ما حدث في كارثة تشيرنوبيل.
ورغم أن مفاعل خنداب يقع على سطح الأرض ويعتبر هدفاً سهلاً للقصف الجوي، إلا أن تدميره يشكل "خطاً أحمر" قد يدفع إيران للانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي (NPT) واستئناف إنتاج القنبلة النووية علنياً. كما أن الاستهداف يعتبر إعلان حرب محتمل، قد يدفع طهران للرد باستهداف منشآت نووية أخرى أو تعطيل الملاحة الدولية.
وفي السياق، أعلنت إيران أنها تدرس الانسحاب من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية في ظل استمرار الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على منشآتها النووية منذ شهر من الحرب.
والاثنين، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن البرلمان يدرس إمكانية الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، مؤكدا في الوقت نفسه أن طهران لم ولن تسعى إلى امتلاك أسلحة نووية.
وتساءل بقائي: "ما فائدة الانضمام إلى معاهدة لا تكتفي فيها أطراف متسلطة على المستوى الدولي بعدم السماح لنا بالاستفادة من حقوقنا، بل تهاجم أيضا منشآتنا النووية؟"، مضيفا أن طهران ستحترم المعاهدة طالما أنها عضو فيها.
وفي وقت سابق، ذكرت تسنيم شبه الرسمية أن البرلمان الإيراني والمؤسسات الأمنية طرحا على أجندتهما إمكانية الانسحاب من المعاهدة بسبب امتعاضهما من موقف الوكالة الدولية للطاقة الذرية إزاء مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية.
وانضمت إيران إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية (NPT) في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، ما يجعلها من الدول الموقعة على المعاهدة منذ مراحلها الأولى.
وقعت إيران على المعاهدة في 1 يوليو 1968، وهو اليوم نفسه الذي فُتح فيه باب التوقيع دولياً، ما يؤكد التزامها المبكر بالمعايير الدولية المتعلقة بالأسلحة النووية.
وبعد ذلك، صادق البرلمان الإيراني على المعاهدة رسمياً في فبراير 1970، لتصبح الخطوة التشريعية الرسمية التي تثبت التزام الدولة بالنظام الدولي للرقابة على الأسلحة النووية.
وأصبحت المعاهدة ملزمة قانونياً لإيران منذ 5 مارس 1970، تاريخ دخولها حيز التنفيذ على الصعيد العالمي، ما يعني أن إيران أصبحت منذ ذلك الوقت ملزمة بالقيود والالتزامات التي تفرضها المعاهدة على جميع الدول الأطراف.
المصدر:
يورو نيوز