غزة- وسط الركام، وفي قلب مخيم الشاطئ شمال غرب مدينة غزة، تقف بناية مدمرة بلا درج أو سلالم، كأنها صرحٌ يئن تحت وطأة الزمن والحرب، تحتضن في طوابقها الأربعة عائلة مقداد الفلسطينية، التي لا تملك سوى صبرٍ متواصلٍ وأملٍ قليل.
في الطابق الرابع، حيث الهواء أخف، والهوامش أخطر، يعيش جهاد مقداد (أبو محمد) مع زوجته فاطمة وأطفاله، في عزلةٍ تمتد بين سكونِ الأطلال وخشيةِ الانهيار في أي لحظة.
خلال حرب الإبادة تلقّى أبو محمد تهديدًا بالإخلاء من جيش الاحتلال؛ خرج مع عائلته إلى الشارع بلا أمتعة، بلا طعام، بلا أمان، عادوا بعد نصف ساعة ليجدوا جيرانهم قد فقدوا بيتهم بالكامل.
أما منزل مقداد، فقد ظل قائما، لكنه كالكائن التائه بين الحياة والموت. هيكلٌ خرسانيٌ منهكٌ، بلا درج، بلا إنارة، ومصعد محطم، وتهديد دائم بانهيار كلّي.
في هذا المكان، كل درجةٍ تصعد عليها العائلة قد تُكلفهم حياتهم، والماء الذي يأتون به من صهاريج الشارع يتحول نقله ورفعه إلى رحلةٍ شاقةٍ محفوفة بالمخاطر. فوق هذا الركام الذي يكتسي بظلال الخطر والألم، ينشغل أطفال العائلة بالصمت أكثر من اللعب، وتعلو في الأفق أسئلة بلا أجوبة عن غدٍ أكثر أمانا.
في حديثه للجزيرة نت، تبدو كلمات أبو محمد معلّقة بين الواقع والخيال: "لقد عانينا مرارة لا تُوصف خلال حرب الإبادة… بين صعود وهبوط وتشريد متواصل، انتهى بنا المطاف للنوم في الطرقات. قبل وقف إطلاق النار بشهر، طلبوا منا إخلاء المنزل فورا، فخرجنا وبقينا في الشارع. وبعد نصف ساعة فقط عدنا لنجد منزل جيراننا قد انهار تماما، أما منزلنا فكما ترون، أضحى متهالكا ومنهكا للغاية".
يصف حالة منزله كما لو كان إنسانا بين الحياة والموت: لا سلم يُصعدون به، ولا إنارة تُضيء لياليهم. وأضاف "نخشى على الأطفال من السقوط ليلاً، وحتى الكبار معرضون للانزلاق والسقوط في أي وقت… لقد أوشكت زوجتي على السقوط من الشرفة مرات عدة أثناء محاولتها نشر الغسيل أو القيام ببعض الأعمال".
ومع كل هذا، يكرر أبو محمد بسكينةٍ ثقيلة: "أعلم أن المنزل غير آمن، ولكن ما البديل؟ هل ننام فوق الركام في العراء؟ هذا الحطام قد يكون أفضل قليلا من الشارع… نتمنى من الله أن يفرّجها علينا وعلى أمة محمد أجمعين".
تتذكر فاطمة مقداد، اللحظات التي كادت تُفقدها الحياة بكلماتٍ يهزّها الوجع قائلة للجزيرة نت: "كنت أحاول تركيب حبال الغسيل على شرفة شقتنا، حين انزلقت قدمي، وكنتُ على وشك أن أسقط في الفراغ… شعرت في تلك اللحظة أن كل شيء قد انتهى، وأن حياتي قد تلاشت في هواءٍ رقيقٍ تحتفظ به شرفةٌ تهدد بالسقوط في أي لحظة".
تتوقف لحظة، وفوق شفتيها كلماتٍ تتأرجح بين الحزن والرغبة في الحياة: "لا نطلب الكثير… فقط كرفانا (غرفة متنقلة) نعيش فيه، بعيدا عن هذا الخطر، ولكن الاحتلال يمنع دخولها، وهي تظل عالقة عند أبواب المعابر… نفقد الأمل يومًا بعد يوم، إلا أن الرغبة في البقاء على قيد الحياة تُبقينا ثابتين هنا".
وتختم: "أطفالي لا يعرفون معنى الأمان… لقد تحوّل العيش إلى اختبارٍ يومي للصبر. نتحمّل الخوف، الجوع، العطش… وكل ذلك في بناءٍ يكاد ينهار في أي لحظة".
المنزل الذي يأوي عائلة مقداد ليس مبنى، بل هو هيكلٌ خرسانيٌ منهكٌ يتألف من 4 طوابق تعرض لضررٍ جزئيٍ هائل؛ لقد اختفى الدَرَج بالكامل، وتحول التنقّل بين الطوابق إلى مغامرةٍ خطرةٍ. الجدران متصدعة، الشرفات معلّقة بلا حماية، وتفتقر الشقق لأبسط مقومات الحياة من إضاءةٍ أو وصلات مياه. فوق ذلك كله يلتصق حطام مصعد الجيران بالطابق الرابع؛ كظلٍ قاتلٍ يهدد بالانهيار الكلّي في لحظةٍ غير متوقعة.
هنا في غزة، لم تعد البيوت حصونًا آمنة، بل أطلالًا يسكنها الصبر. غياب السلالم في هذا المنزل يختزل حكاية شعبٍ صعد سلم المعاناة إلى منتهاه؛ حيث تتحوّل شربة الماء إلى رحلةٍ شاقة تُحمل على الأكتاف لترتقي 4 طوابق من المخاطر والرهبة.
يقول أبو محمد: "نصعد على سُلم خشبي حاملين غالون المياه الثقيل بعد أن نأتي به من صهريج مياه البلدية الذي يزورنا بين الحين والآخر.. الموضوع متعب جدًا، المنزل يقف على أعمدة صامدة، متحديًا الجاذبية والظلم معا، مكانٌ تنام فيه العائلة وعيونها معلّقة بالسماء، ليس طلبا للنجوم، بل خشية سقفٍ قد يطبق عليهم في أي لحظة".
يتابع المواطن الغزّي "موتور (مولّد) المصعد المدمر ينام بثقله فوق سقفنا.. قد يسقط السقف ونموت في أي لحظة".
حتى مطلع 2026، تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 92% من منازل قطاع غزة، أي حوالي 436 ألف وحدة سكنية، قد دُمّرت أو تضررت بشدة جراء الحرب، مما ترك معظم السكان بلا مأوى، ولا تزال الحاجة إلى السكن الطارئ ملحّةً وسط الشتاء القارس والحصار المستمر.
رغم ما نصّ عليه اتفاق وقف إطلاق النار بين حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وإسرائيل، والذي دخلت أولى مراحله التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، من تسهيل دخول المساعدات الإنسانية والإيوائية العاجلة إلى قطاع غزة، لا تزال سلطات الاحتلال تفرض قيودًا مشددة ومعقّدة على المعابر.
وتطال القيود على وجه الخصوص إدخال الكرفانات والمساكن المؤقتة المخصّصة لإيواء آلاف العائلات التي فقدت منازلها كليًا أو جزئيًا. فبحسب إفادات مؤسسات إغاثية عاملة في القطاع، تُحتجز عشرات الشاحنات المحمّلة بالكرفانات ومواد الإيواء لساعاتٍ وأيام، وأحيانًا تُمنع من العبور كليًا بذريعة "الدواعي الأمنية" أو "عدم المطابقة"، في مخالفة صريحة لبنود التهدئة التي أكدت على أولوية توفير المأوى الآمن للمدنيين.
هذا التعطيل المتعمّد حوّل الاتفاق من نصٍّ مكتوب إلى وعدٍ منقوص، وأبقى آلاف الأسر، مثل عائلة مقداد، عالقةً بين بيوتٍ آيلة للسقوط وسماءٍ مفتوحة لا تقي برد الشتاء ولا خطر الانهيار، ليغدو الكرفان الممنوع عبوره حلمًا مؤجلاً، لا يقل قسوة عن الركام نفسه.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة