جاءت استقالة مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة، جو كينت، لتضع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في مواجهة مباشرة مع قاعدتها اليمينية وأعضاء حركة "لنجعل أمريكا عظيمة من جديد" (ماغا).
وقد أعلن كينت في استقالته صراحة أن إسرائيل ولوبياتها في أمريكا نجحوا في "استدراج" أمريكا للحرب على إيران، لتسلط استقالته الضوء من جديد على القلق السائد بشأن هذه الحرب ومبرراتها وتداعياتها.
وأجمعت التقارير الصحفية الأمريكية على أن استقالة كينت فاجأت مسؤولي الاستخبارات في الولايات المتحدة، كونه أعلى وأول مسؤول في إدارة ترمب يعلن استقالته بسبب الحرب.
وكتب كينت -الذي له علاقات قوية بشخصيات من اليمين الأمريكي- عبر حسابه في منصة إكس "لا يمكنني بضمير حي أن أؤيد الحرب الجارية في إيران. إيران لا تشكل تهديدا وشيكا لأمتنا، ومن الواضح أننا بدأنا هذه الحرب بسبب ضغوط من إسرائيل وجماعتها الضاغطة القوية".
وأكد بعض الخبراء لوكالة رويترز ما جاء في استقالة كينت، حيث قالوا إن "وجود تهديد وشيك هو شرط لكي تشن الولايات المتحدة حربا بموجب القانون الحالي".
وقال المسؤول الأمني في رسالة استقالته موجها كلامه للرئيس ترمب: "لقد أطلق مسؤولون إسرائيليون رفيعو المستوى وأعضاء مؤثرون في وسائل الإعلام الأمريكية حملة تضليل قوّضت تماما برنامجك.. أمريكا أولا، وزرعوا مشاعر مؤيدة للحرب لتشجيع شن حرب على إيران. هذه نفس التكتيكات التي استخدمها الإسرائيليون لإقحامنا في حرب العراق الكارثية التي كلفت الأمة أرواح الآلاف من أفضل رجالنا ونسائنا".
وأضاف "لا يمكنني أن أؤيد إرسال الجيل القادم للقتال والموت في حرب لا تعود بأي فائدة على الشعب الأمريكي ولا تبرر تكلفة الأرواح الأمريكية".
ولم يكن هذا الانتقاد الوحيد الذي وجهه كينت لإسرائيل واللوبي الإسرائيلي في أمريكا، إذ قال في أعقاب الضربة الأمريكية للمنشآت النووية الإيرانية في يونيو/حزيران من العام الماضي، إن "الرئيس يدرك أن الحروب في الشرق الأوسط كانت فخا سلب أمريكا أرواح مواطنينا الغالية واستنزف ثروة وازدهار أمتنا".
وخدم كينت في الجيش الأمريكي، إذ شارك في 11 عملية انتشار بصفته أحد أفراد القوات الخاصة "القبعات الخضراء"، تلاها انضمامه إلى وكالة المخابرات المركزية، قبل أن يرشحه الرئيس الأمريكي ترمب العام الماضي لمنصب مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، ويوافق مجلس الشيوخ على تعيينه.
وينتمي كينت إلى الدائرة المقربة من مديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد، التي التزمت الصمت منذ بدء الحرب على إيران، حيث لم تصدر أي تصريحات علنية، ولم تظهر في الأماكن العامة إلا خلال مراسم نقل جثامين الجنود الأمريكيين الذين قُتلوا في وقت سابق من هذا الشهر خلال الحرب.
هذه الاستقالة أعادت إلى الواجهة من جديد التصدعات العميقة داخل تيار "أطياف اليمين" والقاعدة الشعبية للرئيس ترمب "ماغا" تجاه الحرب في إيران.
وربما كان المعلق السياسي والإعلامي، تاكر كارلسون، من أبرز الوجوه التي أعلنت انفصالها عن حركة "ماغا"، وهو الذي وصف قرار مهاجمة إيران بأنه "مثير للاشمئزاز وشرير تماما".
قال كارلسون في البودكاست الخاص به مطلع مارس/آذار الجاري، إن "هذه حرب إسرائيل. هذه ليست حرب الولايات المتحدة. هذه الحرب لا تُخاض من أجل أهداف الأمن القومي الأمريكي لجعل الولايات المتحدة أكثر أمانا أو ثراء".
وتوسّع الصدع داخل "ماغا" مع انفصال بعض نجومها السابقين عن ترمب بسبب الحرب في إيران بالإضافة إلى قضايا أخرى، ومن بينهم الصحفية والمعلقة السياسية ميغين كيلي، وستيف بانون المساعد السابق لترمب، والنائبة السابقة في الكونغرس مارجوري تايلور غرين.
وقالت غرين، في منشور سابق عبر صفحتها في إكس، إن "ترمب لم يعد يعرف حتى ما هو ماغا Maga (تقصد شعار ترمب الشهير لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى) وحوله إلى ميغا Miga، (في إشارة إلى عبارة لنجعل إسرائيل عظيمة من جديد)".
لم يقتصر الأمر على ماغا، فقد خرجت الانتقادات كذلك من داخل الحزب الجمهوري نفسه، حيث انتقد النائب الأمريكي توماس ماسي ترمب بسبب الهجوم على إيران، واصفا إياه بأنه عمل حربي لم يصرح به الكونغرس.
وأكد في سلسلة من المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي معارضته للحرب، قائلا إن هذا ليس مبدأ "أمريكا أولا".
وقد برزت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية " أيباك" (AIPAC) محورا أساسيا في النقاشات السياسية بواشنطن حول الحرب الحالية في إيران، وسط تساؤلات عن دورها في دفع الإدارة الأمريكية نحو هذا الصراع، وهي أبرز جماعات الضغط الإسرائيلية في الولايات المتحدة.
ونشرت مجلة جاكوبين الأمريكية تقريرا حول سعي الديمقراطيين إلى تمرير قرار يمنع ترمب من اتخاذ أي إجراءات عسكرية إضافية في إيران دون موافقة الكونغرس، مشيرة إلى أن هذه المحاولة تواجه معارضة من ثلاثة نواب من حزبهم نفسه، مدعومين من جماعات الضغط الإسرائيلية.
وقالت المجلة إن هؤلاء النواب يحصلون على تمويل من اللوبي الإسرائيلي الداعم القوي للحرب على إيران.
وبيّنت المجلة الأمريكية أن المشرعين في الكونغرس حاولوا العام الماضي دون جدوى المضي قدما بقرار بشأن صلاحيات الحرب، وذلك بعد الهجوم الأمريكي على المنشآت النووية الإيرانية في يونيو/حزيران 2025، في حرب الـ12 يوما التي بدأتها إسرائيل.
وقالت إنه في ذلك الوقت، أطلقت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية حملة ضغط مكثفة لحث الديمقراطيين على دعم إسرائيل، حيث كانت مجموعة الضغط هذه -التي أنفقت في دورة انتخابات 2024 عشرات الملايين من الدولارات لإدخال مرشحيها المفضلين إلى الكونغرس- من أشد المدافعين عن تدخل الولايات المتحدة في إيران.
وأضافت أنه تحت ضغط من اللوبي الإسرائيلي وبفضل اعتراضات الجمهوريين، لم يصل قرار صلاحيات الحرب في يونيو/حزيران الماضي أبدا إلى قاعة مجلس النواب للتصويت عليه. وفي مجلس الشيوخ، تم رفض القرار بأغلبية 53 صوتا مقابل 47.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة