في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تفتح الحرب في إيران بابا لقراءة أوسع في موازين القوى الدولية، فبينما تنشغل الولايات المتحدة وحلفاؤها في مواجهة مباشرة في الشرق الأوسط، تبدو روسيا مستفيدة بصمت من تداعيات الصراع، في حين تتحرك الصين بهدوء لحماية مصالحها الحيوية في الطاقة والممرات البحرية.
وهكذا تكشف الأزمة أن بعض القوى الكبرى قد لا تكون في قلب المعركة، لكنها قد تكون الأكثر قدرة على جني مكاسبها.
في هذا السياق، تناولت أربع صحف ناطقة بالفرنسية هذه التحولات من زوايا مختلفة، لكنها تلتقي في إبراز موقع موسكو وبكين في ظل الحرب.
فقد نشرت صحيفة لوتان السويسرية، الناطقة بالفرنسية، تقريرا بعنوان "النفط والعقوبات والدبلوماسية: فلاديمير بوتين هو الفائز الأكبر في الحرب في إيران"، بينما رأت لوفيغارو الفرنسية في مقال بعنوان "هكذا تحاول الصين التفاوض مع إيران للحصول على حق المرور عبر مضيق هرمز" أن بكين تتحرك دبلوماسيا لحماية خطوط إمداداتها النفطية.
أما صحيفة ليبيراسيون فيمكن ترجمة ما ذهبت إليه بأنه ينطبق عليه معنى شطر البيت الشعري الشهير: "مصائب قوم عند قوم فوائد"، إذ ترى في تحليل لها أن موسكو تربح حتى من خسارة حليفها الإيراني.
وفي الاتجاه ذاته، تناولت لاكروا في مقال بعنوان "روسيا، الشريك التاريخي الذي يخذل نظام الملالي" حدود الدعم الروسي لطهران رغم الخطاب السياسي المتضامن.
وتشير لاكروا هنا إلى مفارقة لافتة: فروسيا التي تربطها بإيران شراكة إستراتيجية اكتفت حتى الآن بإدانة الضربات الأمريكية والإسرائيلية، من دون تقديم دعم عسكري مباشر.
فعلى الرغم من الرسائل السياسية التي أكد فيها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين "دعمه الثابت" لطهران بعد مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، لم تظهر مؤشرات على تدخل عسكري روسي فعلي.
ويعكس هذا الموقف، بحسب تحليل الصحيفة، حسابات دقيقة في الكرملين، فموسكو لا تريد الانجرار إلى مواجهة جديدة في الشرق الأوسط بينما تخوض حربا طويلة في أوكرانيا تستنزف قدراتها العسكرية والاقتصادية.
ليبراسيون: انشغال الولايات المتحدة عسكريا في الشرق الأوسط قد يخفف الضغط عن الجبهة الأوكرانية، سواء من حيث الاهتمام السياسي أو من حيث الموارد العسكرية مثل أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ التي تحتاج إليها كييف
ومع ذلك، لا يعني هذا الحذر أن روسيا خارج دائرة المكاسب، وفقا للصحيفة، فالحرب في إيران رفعت أسعار النفط والغاز بشكل حاد، وهو ما يمنح الاقتصاد الروسي دفعة مالية في ظل العقوبات الغربية المفروضة عليه منذ حرب أوكرانيا.
وترى ليبيراسيون أن الكرملين يلعب هنا لعبة "من يخسر يفوز"، إذ إن انشغال الولايات المتحدة عسكريا في الشرق الأوسط قد يخفف الضغط عن الجبهة الأوكرانية، سواء من حيث الاهتمام السياسي أو من حيث الموارد العسكرية مثل أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ التي تحتاج إليها كييف.
وتضيف لوتان أن موسكو تحاول في الوقت نفسه استثمار الأزمة دبلوماسيا، إذ تسعى إلى تقديم نفسها بأنها وسيط محتمل بين الأطراف المتصارعة.
فقد أجرى بوتين اتصالات مع عدد من قادة دول الخليج وعرض دورا دبلوماسيا في تهدئة التوتر، في خطوة قد تفتح الباب أمام مقايضات سياسية أوسع، من بينها احتمال تخفيف العقوبات المفروضة على روسيا وإعادة تنشيط علاقاتها الاقتصادية مع الغرب.
وفي ظل هذه الظروف المواتية لموسكو -وفقا للوتان- يبدو أنه لا شيء يحدّ من مكاسب بوتين، الذي استغل ارتفاع أسعار الوقود، ليعزز موقفه بمدّ يد المصالحة للأوروبيين، عارضا التعاون معهم إن رغبوا في استئناف شراء الغاز الروسي بعيدا عن الحسابات السياسية.
لكن روسيا ليست اللاعب الوحيد الذي يتحرك بحذر في هذه الأزمة، فالصين، التي تعتمد بشكل كبير على واردات النفط من الشرق الأوسط، تواجه تحديا إستراتيجيا مع تصاعد التوتر في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم. وتوضح لوفيغارو أن نحو 45 في المئة من واردات الصين النفطية تمر عبر هذا المضيق، مما يجعل أي تهديد لإغلاقه خطرا مباشرا على أمنها الطاقي.
ولذلك تحاول بكين، وفقا للصحيفة، انتهاج سياسة براغماتية تقوم على التوازن بين جميع الأطراف، فمن جهة، تحافظ على شراكتها الإستراتيجية مع إيران التي تعد أحد أبرز موردي النفط إليها رغم العقوبات، ومن جهة أخرى، تحرص على إبقاء علاقاتها الاقتصادية المتنامية مع دول الخليج، التي أصبحت شريكا مهمًّا لها في التجارة والاستثمار والطاقة.
وفي هذا الإطار، تشير لوفيغارو إلى أن بكين أرسلت مبعوثين دبلوماسيين إلى المنطقة في محاولة لخفض التصعيد، بالتوازي مع مساعٍ غير معلنة للحصول على ضمانات تسمح للسفن الصينية بالمرور الآمن عبر مضيق هرمز، كما تراهن بكين على احتياطاتها الإستراتيجية من النفط وعلى تنويع مصادر الطاقة لتقليل تأثير أي اضطراب طويل الأمد في الإمدادات.
ومما سبق يمكن القول إن هذه الحرب تكشف عن مشهد دولي معقد تتداخل فيه الصراعات الإقليمية مع حسابات القوى الكبرى، ففي الوقت الذي تبدو طهران في قلب المواجهة العسكرية، تتحرك موسكو وبكين في الخلفية وفق منطق المصالح الإستراتيجية.
وهكذا فإن روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة وتشتيت الانتباه الغربي عن حرب أوكرانيا، في حين تسعى الصين إلى حماية أمنها الطاقي وتوسيع نفوذها الدبلوماسي في المنطقة، وعليه فإن المنتصر في الحروب قد لا يكون دائما من يقاتل على الجبهة، بل من يعرف كيف يستثمر نتائجها بهدوء.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة