مع تصاعد وتيرة الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، لا يقتصر الجدل داخل المجتمع الأمريكي على الحسابات العسكرية والإستراتيجية، بل يمتد إلى تأويلات دينية ترى في الحرب إشارات للنبوءات التوراتية لنهاية الزمان و"الخطة الإلهية".
مثل هذا التحول لا يقتصر أثره على الداخل الأمريكي فحسب، بل قد ينعكس على صورة الحرب في منطقة الشرق الأوسط، ويغذي روايات مضادة ترى فيها صداما دينيا يتجاوز الحسابات الإستراتيجية التقليدية.
في هذا السياق، تتقاطع تقارير صحفية وتحليلات دينية لتكشف كيف يمكن للقراءات العقائدية أن تؤثر في الخطاب العام، وربما في السياسات.
في دلالة على تداخل الأيديولوجيا الدينية بالقرار العسكري، كشفت صحيفة غارديان البريطانية عبر مراسلتها في نيويورك، سارة براون، عن تقارير صادمة تفيد بتوظيف قادة في الجيش الأمريكي لخطاب مسيحي متطرف لتبرير الحرب الدائرة ضد إيران.
وورد في تقرير الصحيفة أن مؤسسة الحرية الدينية العسكرية -وهي منظمة غير ربحية مقرها في ولاية نيو مكسيكو- تلقت أكثر من 200 شكوى من جنود وضباط قالوا إن قادتهم استخدموا خطابا مسيحيا متطرفا لتبرير الحرب ضد إيران، مستشهدين بنبوءات نهاية الزمان وسفر الرؤيا في العهد الجديد، الكتاب المقدس لدى المسيحيين.
ووفقا لإحدى الشكاوى التي اطلعت عليها صحيفة غارديان، أبلغ قائد عسكري أفراد وحدته أن الحرب "جزء من خطة الرب الإلهية"، مشيرا إلى معركة هرمجدون والعودة الوشيكة للمسيح.
كما نُقل عنه قوله إن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب "ممسوح من يسوع المسيح" لإشعال شرارة الحرب في إيران. وقد قُدمت الشكوى نيابة عن 15 جنديا من خلفيات دينية مختلفة.
وصرح "ميكي وينشتاين"، رئيس المؤسسة والمحارب القديم في القوات الجوية، للصحيفة قائلا: "في كل مرة تتدخل فيها إسرائيل أو الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، تظهر لنا هذه الأمور المتعلقة بالقوميين المسيحيين الذين سيطروا على حكومتنا، وبالتأكيد على جيشنا".
وأشار إلى أن العسكريين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم لأن القائد العسكري ليس مجرد مدير نوبة عمل.
واعتبر وينشتاين أن هذه التقارير تشير إلى تصاعد التطرف المسيحي في الجيش، مشيرا إلى "نشوة غير مقيدة" لدى القادة الذين يرون حربا "مباركة توراتيا" وعلامة على اقتراب "نهاية العالم". وأكد أن هذه الممارسات تنتهك بوضوح مبدأ الفصل بين الكنيسة والدولة.
هذه التقارير تشير إلى تصاعد التطرف المسيحي في الجيش الأمريكي وإلى "نشوة غير مقيدة" لدى القادة الذين يرون حربا "مباركة توراتيا" وعلامة على اقتراب "نهاية العالم"
هذا التصعيد في الخطاب الديني الذي يتبنى "القومية المسيحية" داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية يجد صداه -بحسب غارديان- في توجهات وزير الحرب " بيت هيغسيث المعروف بصلاته بالتيارات الإنجيلية المتطرفة التي تنادي بصبغ الدولة والمؤسسات بالهوية المسيحية الصرفة.
وبينما يلتزم البنتاغون الصمت حيال هذه التجاوزات الدستورية، تزداد المخاوف من تحول العقيدة العسكرية الأمريكية من حماية المصالح القومية إلى خوض "حرب مقدسة" عابرة للحدود، مما يرفع من وتيرة التصعيد مع إيران ويجعل من الصعب إيجاد مخارج سياسية لصراع يُنظر إليه من منظور "نهاية العالم".
من ناحية أخرى، يضع تقرير نشره موقع (ذا كراديل)، وهو منصة إعلامية أمريكية، هذه الاتهامات الموجهة العسكرية الأمريكية في سياق أوسع من تصريحات لشخصيات أمريكية بارزة استخدمت سرديات دينية في توصيف السياسات الجيوسياسية.
ففي مقابلة أجراها معه الإعلامي الأمريكي المحافظ تاكر كارلسون وبُثت الجمعة 20 فبراير/شباط، قال سفير الولايات المتحدة في القدس المحتلة، مايك هاكابي، إن لإسرائيل "حقا توراتيا" في أرض تمتد من النيل إلى الفرات، مضيفا ردا على سؤال حول "صك الملكية الأصلي" في سِفْر التكوين بالعهد القديم: "لا بأس لو أخذوا كل ذلك".
كما أشار تقرير (ذا كراديل) إلى مواقف وزير الحرب هيغسيث، الذي استخدم في كتابه "الحملة الصليبية الأمريكية" لغة "صليبية" في وصف ما اعتبره صراعا حضاريا مع "الإسلاميين".
وكتب أن "صليبيي اليوم سيحتاجون إلى الشجاعة نفسها"، في إشارة إلى الحروب الصليبية التاريخية. وفي خطاب ألقاه عام 2025 أمام نحو 800 جنرال وأدميرال، دعا إلى التخلي عن "قواعد اشتباك غبية" لصالح "أقصى درجات الفتك"، طالبا ممن لا يروق لهم هذا التوجه أن يستقيلوا.
في موازاة ذلك، نشرت منصة (سابستاك) الإعلامية الإلكترونية ومقرها في مدينة سان فرانسيسكو بكاليفورنيا، في الأول من مارس/آذار الجاري، مقالا للقس بنجامين كريمر تساءل فيه عن الأسباب التي تدعو بعض المسيحيين إلى إبداء حماسة لاحتمال اندلاع حرب مع إيران.
ويرى كريمر أن جزءا من هذه الحماسة مرتبط بتأويلات أخروية رائجة في بعض الأوساط الإنجيلية، حيث يُنظر إلى الحروب في الشرق الأوسط باعتبارها "نبوءات" تسبق "الاختطاف" أو عودة المسيح.
ويستحضر كريمر تأثير سلسلة الروايات الشهيرة "المتروكون"، (Left Behind)، التي بيع منها أكثر من 65 مليون نسخة، في تشكيل المخيال الإنجيلي الأمريكي حول إسرائيل والحرب ونهاية العالم.
ويقول إن هذا الإطار اللاهوتي "لم يعلّمني أن أنظر أولا إلى المعاناة بعين الرحمة، بل أن أتعامل مع عناوين الحرب والمجاعة كما لو كانت شفرات نبوئية".
ويستشهد القس في مقاله باستطلاع أجراه مركز (بيو) للأبحاث في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، الذي أظهر أن 39% من البالغين الأمريكيين يعتقدون أن البشرية "تعيش في نهاية الزمان"، وترتفع النسبة إلى 63% بين البروتستانت الإنجيليين البيض.
لكنه يؤكد أن المشكلة "ليست في الإيمان ذاته، بل في ما يُنتجه"، متسائلًا: "عندما تندلع الحرب ويسارع مسيحيون إلى التكهن بنهاية الزمان بدلا من الالتفات إلى الجرحى، فهناك خلل مأساوي".
ويحذر كريمر من أن أي دولة تقدم دعما غير مشروط على أسس لاهوتية، فإنها تختزل الإيمان في ولاء قومي، مشددا على أن الأنبياء في العهد القديم -من عاموس إلى إشعياء- وجّهوا نقدهم أولًا إلى إسرائيل نفسها حين انحرفت عن العدالة.
وتناول مراسل الجزيرة نت في فلسطين، محمد وتد، في مقال سابق بالموقع دلالات تغيير إسرائيل اسم عمليتها العسكرية الحالية ضد إيران من "درع يهودا" إلى " زئير الأسد".
وقال إن الاسم ودلالاته يعني الشيء الكثير للإسرائيليين، ويتجاوز بمضمونه المعاني اللغوية إلى الرمزية الدينية التوراتية، وما يحمله من أبعاد تتعدى بطبيعتها حدود الحسابات العسكرية التقليدية.
وأضاف أن الحكومة الإسرائيلية أسقطت واقعيا هذا الاسم الجديد وكأنها تعيد صياغة الحدث بما يتلاقى ومصالحها مع متطلبات المرحلة وحيثيات الزمان والمكان.
وعلى موقع قناة "يورونيوز" الإلكتروني باللغة العربية، أفادت المحررة المستقلة إقبال زين بأن الخطاب الإعلامي في كل من إسرائيل وإيران يشي بأنهما تخوضان صراعا يُوصف أحيانا بأنه "وجودي".
ويبرز في هذا السياق تأثير المعتقدات الدينية التي تسهم في تشكيل الروايات المتعلقة بـ"معارك آخر الزمان"، والتي يعتقد البعض أنهما يخوضانها.
وقالت إقبال زين إن التيارين الديني اليهودي في إسرائيل والإسلامي الشيعي في إيران يلعبان دورا في تعزيز هذه الإسقاطات، مما يطرح تساؤلات حول مدى تأثيرها على طبيعة الصراع بين الجانبين.
ورأت أن بعض الروايات الدينية اليهودية في إسرائيل تعزز سردية الصراع كجزء من "معارك نهاية الزمان". وإحدى هذه الروايات ترتبط بما يُعرف بـ"لعنة العقد الثامن"، التي تشير إلى أن الدولة "اليهودية" على مر التاريخ لم يتجاوز عمرها 80 عاما قبل أن تنهار.
في تقدير دكتور محمد إبراهيم المدهون، رئيس أكاديمية الإدارة والسياسة للدراسات العليا، أن في قلب الصراع الدائر حاليا تتجلى "الصهيونية المسيحية" كإحدى أخطر المنظومات المؤثرة في صياغة السياسات الأمريكية تجاه المنطقة.
وأشار إلى أن تيارات اليمين الإنجيلي التي تضم شخصيات نافذة داخل الولايات المتحدة، تؤمن بأن قيام إسرائيل ومعاركها ضد فارس (إيران) ما هي إلا مقدمات ضرورية لنهاية الزمان وعودة المسيح.
وأضاف المدهون أن في إيران، على الجانب الآخر، ترتبط المواجهة، وتُؤطّر الحروب في سياق نبوءات دينية. وبرأيه أن التصعيد، في هذه القراءة، ليس خيارا سياسيا فحسب، بقدر ما هي إرهاصات نهاية، وشرارة "الفرج"، مما يجعل التضحية "مقبولة" ما دامت تصبّ في مثل هذا السيناريو.
وهكذا -بحسب المدهون- يتم تجريد الصراع من مسؤولياته الواقعية، وتُلبَس "الكارثة" قداسة ترفعها فوق النقد والمحاسبة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة