في تصعيد يشهده الشرق الأوسط، حطّت مجموعة من المقاتلات الأمريكية المتطورة في قاعدة إسرائيلية، في خطوة لفتت أنظار العالم وسط توترات إقليمية متزايدة.
اللافت أن التحركات العسكرية الأمريكية تأتي في توقيت حساس، قبيل جولة مفاوضات نووية جديدة، مما يطرح أسئلة حول إستراتيجيات الردع وفي رسالة واضحة للضغط على طهران وردع أي تصعيد محتمل.
وبينما تراقب الدول والمنظمات الدولية هذه التحركات عن كثب، يعيش الإيرانيون حالة من القلق والترقب، إذ تتنامى المخاوف من أي مواجهة محتملة، فالمشهد الحالي يضع الدبلوماسية والأدوات العسكرية تحت المجهر، مع بقاء السيناريوهات مفتوحة على كل الاحتمالات الممكنة وراء هذه الخطوة الاستثنائية.
في إطار التعزيز العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، أرسلت الولايات المتحدة أمس الثلاثاء مجموعة من مقاتلات "إف-22 رابتور" (الشبحية) إلى إسرائيل، وفقا لمسؤول أمريكي.
وأظهرت بيانات تتبع الرحلات والفيديوهات أن هذه هي المرة الأولى التي يُرصد فيها نشر مقاتلات "إف-22" خارج الولايات المتحدة خلال تصاعد التوترات مع إيران، وهو أمر استثنائي بالنظر إلى أن هذه الطائرات لا تُباع للدول الأخرى ولا تُستخدم إلا في العمليات الأمريكية المباشرة.
الفيديوهات والصور الملتقطة رصدت 12 مقاتلة "إف-22" تقلع من مقرها المؤقت في بريطانيا، بعضها وصل بالفعل إلى إسرائيل، في حين وصف المسؤولون الأمريكيون هذه الخطوة بأنها مناورات وتحركات عسكرية حساسة، وهو السبب في تحفظهم على كشف هويتهم في أثناء الحديث عن العملية.
ومع أن مواقع تتبع الرحلات العامة لم تظهر الطائرات في أثناء توجهها للشرق الأوسط، فإن مسار طائرات الدعم المرافقة أثبت تحركها فعليا نحو المنطقة. ووفقا لبيانات راجعتها صحيفة نيويورك تايمز، عبرت الطائرات البحر الأبيض المتوسط بعد ظهر الثلاثاء.
وتعد المقاتلة "إف-22" من الطائرات الأكثر تقدما في العالم، إذ تقول القوات الجوية الأمريكية عنها: "لا يمكن أن تضاهيها أي طائرة مقاتلة معروفة أو متوقعة"، تتميز لقدرتها على التخفي ومهاجمة أهداف جوية وأرضية، مما يعكس فعاليتها العالية في العمليات العسكرية.
واستُعين بهذه المقاتلات خلال الضربات الأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية في يونيو/حزيران الماضي، إلى جانب القاذفات الأمريكية البعيدة المدى التي دخلت الأجواء الإيرانية.
ووفقا لبيانات تتبُّع الرحلات وصور الأقمار الصناعية، أكدت واشنطن بوست أن الجيش الأمريكي نقل أكثر من 150 طائرة إلى قواعد في أوروبا والشرق الأوسط منذ انتهاء الجولة الثانية من المحادثات النووية مع إيران، مشيرة إلى أن أكثر من نصف هذه الطائرات التي نُشرت حديثا هبطت في قواعد بأوروبا.
يشمل التعزيز العسكري الأمريكي الضخم في المنطقة حاليا مجموعتين من حاملات الطائرات وأكثر من 60 مقاتلة متمركزة في قاعدة في الأردن، في حين تشير البيانات إلى أن الوجود العسكري الأمريكي الحالي في المنطقة هو الأضخم منذ ما قبل غزو العراق عام 2003.
لم يكن هبوط المقاتلات "إف‑22" في إسرائيل خبرا عاديا، إذ أكدت مصادر إسرائيلية مطلعة -حسبما نقله موقع "واي نت" العبري- أن هذه التحركات تأتي ضمن تعزيز القوات الأمريكية استعدادا لاحتمال شن هجوم على إيران.
أما عن الهدف من نشرها في إسرائيل بالتحديد، فليس عملياتيا فقط، بل لإرسال رسالة ردع لإيران والضغط عليها لدخول المفاوضات، وفقا للصحيفة.
وليس من قبيل المصادفة أن يعلن الأمريكيون عن وصول الطائرات قبل يومين من المحادثات المقرر عقدها في جنيف، بحسب المصادر.
وأضافت أن الأمريكيين يمتلكون قواعد عسكرية في أنحاء الشرق الأوسط، وأن قرار إرسال الطائرات إلى إسرائيل يُعد رسالة تؤكد التنسيق القائم بين واشنطن وتل أبيب، وقد تتحركان معا عند الحاجة.
ويشير محللون عسكريون إلى أن وصول مقاتلات "إف-22" إلى إسرائيل يعد أمرا مهما، وقد يدل على احتمال وجود تعاون مع إسرائيل، كما يؤكد المحللون أن الولايات المتحدة جادة في الهجوم إذا لم توافق إيران على شروطها.
ويستبعد وقوع الهجوم حتى نهاية الأسبوع، وذلك لمؤشرين: أولهما بدء زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى إثيوبيا اليوم، وثانيهما، وصول رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي اليوم إلى إسرائيل في زيارة تستغرق يومين.
أما زيارة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى إسرائيل الاثنين المقبل فلا تشير بالضرورة إلى هجوم وشيك، فقد تكون للتغطية أو التمويه، لأن الأمريكيين قادرون على القدوم إلى إسرائيل حتى إذا شُن هجوم، وفقا للصحيفة.
تبدي إيران استعدادا لأي سيناريو محتمل، سواء كان عسكريا أو دبلوماسيا، في حين ينتظر الإيرانيون بحذر الجولة القادمة من المحادثات مع الولايات المتحدة في جنيف، التي تعد بالنسبة لكثيرين آخر فرصة للنظام الحاكم للتوصل إلى اتفاق مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
وأكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن إيران تتوجه إلى المحادثات "بعزم على التوصل إلى اتفاق عادل ومنصف في أقصر وقت ممكن"، مما يعكس رغبة طهران في محاولة إيجاد مخرج دبلوماسي وسط التوترات المتصاعدة.
ودائما ما يظهر المسؤولون الإيرانيون أن الخيار الدبلوماسي لا يزال قائما، إذ قال عراقجي إن "الاتفاق في متناول اليد، لكن فقط إذا أُعطيت الأولوية للدبلوماسية"، مضيفا أن إيران لن تطور سلاحا نوويا ولن تتخلى عن الحق في الاستفادة من التكنولوجيا النووية السلمية لشعبها.
وأشار نائب وزير الخارجية الإيراني إلى أن الاتفاق ممكن إذا توفرت الإرادة السياسية من جميع الأطراف، محذرا في الوقت نفسه من أن أي هجوم على إيران سيقابَل برد مدروس، وأن المنطقة برمتها ستعاني من عواقب أي عدوان.
وفي الوقت نفسه، تتجهز إيران عسكريا، إذ يواصل التلفزيون الإيراني الرسمي عرض تدريبات عسكرية وتهديدات بردود واسعة على أي هجوم محتمل، وشملت تدريبات الحرس الثوري الإيراني إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة وإطلاق النار على أهداف على طول السواحل، دون توضيح الوقت أو المكان بدقة، في إشارة إلى استعداد إيران للدفاع.
هذه التدريبات تؤكد أن إيران تراقب الحشد العسكري الأمريكي عن كثب وتستعد للرد العسكري إذا اقتضت الضرورة.
وكشفت وكالة رويترز عن اقتراب إيران من استكمال صفقة لشراء صواريخ "سي إم-302" المضادة للسفن، في حين لم يحسم بعد موعد التسليم بشكل نهائي.
وتعد هذه الصواريخ، المصنعة في الصين، من فئة الصواريخ الأسرع من الصوت، ويصل مداها إلى نحو 290 كيلومترا، مصممة للتحليق بسرعة عالية وعلى ارتفاع منخفض جدا فوق سطح البحر، بما يسمح لها بتقليص فرص رصدها واعتراضها من قبل أنظمة الدفاع البحري المتقدمة، وهو ما يراه خبراء عسكريون تطورا قد يعزز قدرات الردع الإيرانية في مواجهة القطع البحرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة.
ويتبادل المسؤولون الأمريكيون والإيرانيون التصريحات بشكل مباشر، إذ قال ستيف ويتكوف، صديق الرئيس ترمب والمبعوث الخاص للشرق الأوسط، إن الرئيس لم يفهم لماذا لم تستسلم إيران أمام حجم القوات الأمريكية المتمركزة في المنطقة وخارجها.
من جهته، رد المتحدث باسم وزير الخارجية الإيراني إسماعيل بقائي قائلا: "كلمة ‘استسلام’ غير موجودة في قاموس الإيرانيين"، في رسالة واضحة على تمسك إيران بموقفها رغم الضغوط العسكرية والسياسية.
ولم تخلُ الرسائل الأمريكية من أدوات الحرب النفسية إلى جانب الأبعاد السيبرانية والدبلوماسية للتحركات الأمريكية، إذ أقدمت على نشر تعليمات باللغة الفارسية عبر وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) لتعليم الإيرانيين كيفية الاتصال بالوكالة بأمان، في خطوة تظهر البعد السيبراني والدبلوماسي لهذه التحركات.
ومع تبادل التصريحات الصارمة والتحركات الإستراتيجية من الجانبين، تبقى المفاوضات القادمة في جنيف محط الأنظار، وتظل كل الاحتمالات مفتوحة سواء لمواجهة عسكرية أو التوصل لاتفاق دبلوماسي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة