آخر الأخبار

ترمب وجها لوجه مع القارة الخطيرة

شارك

كيف تنظر الولايات المتحدة إلى ما عرف اصطلاحا بالحديقة الخلفية وهي أمريكا اللاتينية؟، النظرة تبدأ لها كمجال حيوي من منطلق أنها الجار الجنوبي، وكونها مصدرا للثروات الطبيعية، وخطرا يهدد استقرارها في ظل تهريب المخدرات منها إلى الولايات المتحدة، فضلا عن صعود سياسات مضادة لمصالح الولايات المتحدة، من كل من كوبا، والبرازيل بصورة أساسية.

لطالما كانت كوبا هدفا لإدارة الرئيس دونالد ترمب، وخاصة وزير الخارجية ماركو روبيو، وهو أمريكي من أصل كوبي، وسيناتور سابق من ولاية فلوريدا.

في أواخر التسعينيات، اعتقدت الجالية الكوبية في الولايات المتحدة المناهضة لفيدل كاسترو، أن النظام الكوبي المعضد من الاتحاد السوفياتي، سينهار مع انهياره، لكن جاء انتخاب هوغو شافيز رئيسا لفنزويلا ليكون شريان حياة لإنقاذ الاقتصاد الكوبي: فقد أمده بـ 100 ألف برميل من النفط يوميا بأسعار منخفضة.

ولكن هذا الدعم تراجع لاحقا إلى 35 ألف برميل، ولذا يعتقد في واشنطن على نطاق واسع أن طريق التغيير في كوبا يمر عبر كاراكاس، فقطع الإمدادات النفطية سيعجل بانهيار حكم الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل.

لكن المراقبين يرون أن الحالة الكوبية أكثر تعقيدا مما يظنه ترمب، فالنظام الكوبي ليس متشرذما وهو أكثر انضباطا وتماسكا من النظام في فنزويلا، وهذا يعني أن أي محاولة لاختطاف قيادة سياسية في كوبا، في ظل نظام قوي وأكثر يقظة، ستكون على الأرجح لها توابعها.

بيد أن الترجيحات تقود إلى استهداف مواقع البنية التحتية كالمنشآت العسكرية أو الموانئ، ومن الصعب تحديد ما سينتج عن هذه الضربات، لكن قطع النفط الفنزويلي وفرض عقوبات على شخصيات بارزة في النظام الكوبي، أمر أكثر نجاعة قد يؤدي إلى اضطرابات شعبية، عند ذلك يمكن أن توجّه الولايات المتحدة ضربات محددة للوحدات الكوبية الأمنية التي تقمع المظاهرات.

إعلان

لكن ما ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار شيئان: أنه لا توجد معارضة حقيقية في كوبا في ظل قبضة السلطة المحكمة منذ 1959، فضلا عن أن النظام الكوبي لديه قاعدة شعبية نسبية يركن إليها في الأزمات.

على الجانب الآخر، تمثل كولومبيا حالة أخرى، في ظل حرب كلامية بين دونالد ترمب والرئيس الكولومبي غوستاف بيترو، هذه الحرب مبنية على إنتاج الكوكايين وانعدام الأمن في كولومبيا، الحرب الكلامية التي أعقبتها مكالمة هاتفية بين ترمب والرئيس الكولومبي ثم لقاؤه به، ذهبت إلى هدوء نسبي، خاصة أن الرئيس الأمريكي لا يستطيع أن يشكك في شرعية الرئيس الكولومبي المنتخب ديمقراطيا.

يواجه الرئيس الكولومبي غريما ليبراليا مواليا لترمب هو ليبردو دي إسبريلا، الذي يواجه المرشح المفضل للرئيس الكولومبي المنتهية ولايته، وهو أيفان سيبيدا، في انتخابات ستُجرى العام الجاري، هذا ما يجعل أي ضربات عسكرية لكولومبيا تصب في خانة المرشح المفضل للرئيس الكولومبي.

إن ما لا يدركه الساسة الأمريكيون أن أمريكا اللاتينية تغيرت، وفي طريقها إلى التعافي الاقتصادي والنمو، مع وجود شريك يمكن الاعتماد عليه هو الصين

المكسيك.. شريك تجاري

تعد المكسيك شريكا تجاريا رئيسيا للولايات المتحدة ورئيستها كلوديا شينباوم منتخبة ديمقراطيا، في الوقت الذي تعد فيه المكسيك شريكا أساسيا في سياسة مكافحة الهجرة، حيث تحتجز المهاجرين وتقبل ترحيلهم، وتؤوي طالبي اللجوء لحين البت في طلباتهم.

لكن الرئيس ترمب يرغب في ضرب أماكن تصنيع الهيروين والمخدرات وتهريبها للولايات المتحدة، وهذا أكبر تحدٍ يهدد العلاقة بين البلدين، إذ إن ضرب المكسيك سيثير مشاكل داخل الولايات المتحدة، فضلا عن التأثير السلبي على بطولة كأس العالم التي تشارك الدولتان في تنظيمها، لذا فإن أي إجراء سلبي من ترمب تجاه المكسيك ستكون عواقبه وخيمة على الطرفين.

إن ما لا يدركه الساسة الأمريكيون أن أمريكا اللاتينية تغيرت، وفي طريقها إلى التعافي الاقتصادي والنمو، مع وجود شريك يمكن الاعتماد عليه هو الصين.

ومن هنا يمكن وضع البرازيل كقوة صاعدة تعبر عن آمال القارة، وهذا ما يدركه الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا في مواجهته سياسات ترمب.

تعتمد سياسة ترمب على مبدأ "مونرو"، وهي إستراتيجية أقرت في عام 1823 من قبل الولايات المتحدة، تنص على ضرورة سيطرة الولايات المتحدة على نصف الكرة الغربي سياسيا، واقتصاديا، وتجاريا، وعسكريا، ومنع أي قوة أخرى من التدخل في هذه المنطقة.

ترى هذه الإستراتيجية أن تلك الهيمنة ضرورية لأمن وازدهار أمريكا، ومن هنا فإن الساسة الأمريكيين يرون أن الهجرة حرب ثقافة، وأن المخدرات حرب سيطرة، وهذا يوازي الخطر الصيني على الولايات المتحدة.

لكن على الجانب الآخر، فإن قادة أمريكا اللاتينية حتى الموالين منهم لأمريكا بالرغم من السماح من قبلهم للولايات المتحدة بالوصول لأهدافها، خاصة الموارد الطبيعية، فإنهم يسعون لإقامة علاقات وشراكات مع الصين وشركاء آخرين.

إن سعي ترمب لتصعيد ومساندة حكام مستبدين شعبويين في أمريكا اللاتينية من اليمين، يضع مستقبل القارة على المحك، وستكون موجة "الترمبيين" في الأمريكتين مختلفة.

فمن جهة، ثمة مسار متوازٍ مشترك بشكل غير مباشر، يتجاوز أي انتماءات شخصية أو أيديولوجية. سواء كان الأمر يتعلق بالرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، أو السلفادوري نجيب أبو وكيلة، فقد كانت بداياتهما على الساحة السياسية متشابهة بشكل ملحوظ.

إعلان

على غرار ترمب، جاء الرجلان من خارج النخبة السياسية التقليدية، مستغلين موجة السخط الشعبي ومساهمين في تشكيلها. ومثل ترمب، ينتقدان بشدة ما يُفترض أنه انتشار للفكر اليساري ووسائل الإعلام السائدة. وقد استلهما براعة ترمب في استخدام وسائل الإعلام، التقليدية منها والحديثة، لعرض شخصيتيهما وتأكيد مكانتهما أمام جمهور محبط.

إن هذين يمثلان مشكلة، فالرئيس السلفادوري اعتقل 81 ألف مواطن وأجبر كونغرس بلاده على تمرير قوانين قمعية، وفاز حزبه " الأفكار الجديدة " بأغلبية مقاعد الكونغرس، وضيق حرية الإعلام حتى فر القائمون على موقع "فارو" الاستقصائي من السلفادور؛ خوفا من القمع.

بالرغم من تحقيق الرئيس ميلي نجاحا في كبح جماح التضخم في بلاده، فإن سياساته الترمبية تقوم على مهاجمة الإعلام والمعارضين السياسيين، وتهديده بقمع المحتجين، كل هذا يضع الأرجنتين على المحك. على أرض الواقع ذهب ميلي إلى مهادنة الصين بدلا من خطابه العدائي لها في أثناء حملته الانتخابية.

الخلاصة لكل ما سبق ستؤدي سنوات ترمب في البيت الأبيض إلى تعميق الانقسام الداخلي في أمريكا اللاتينية، بين قاد اليمين المتطرف الشعبويين وقادة الوسط واليسار، لكن هذه الحقبة لن تسهم في استقرار القارة أو في تعزيز أي قوة كبرى، في ظل رؤية ترمب غير المتبلورة النفعية والانتهازية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا