تُبيِّن هذه القراءة في كتاب عباس عراقجي «قوة التفاوض» من منظورٍ مقارن، أن التفاوض ليس مجرد تقنية إجرائية، بل ممارسة سيادية تتقاطع فيها المدارس الواقعية والبنيوية والتاريخية مع الخصوصيات الثقافية والوطنية. ويقدِّم عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، في كتابه، التفاوضَ على أنه فن صبر وإدارة للتوازنات.
وبناء عليه تحاول هذه الدراسة أن تُبيِّن خصوصية النموذج الإيراني في التفاوض الذي يمزج بين الواقعية والإستراتيجيات الثقافية المعروفة بـ«أسلوب البازار»؛ مما يمنحه قيمة مميزة في الحوار النقدي مع الأدبيات الغربية عن الدبلوماسية. كما تؤكد الدراسة أهمية تعددية المقاربات لفهم ممارسات التفاوض الدولي بشكلٍ كامل.
يُعدّ التفاوض في حقل العلاقات الدولية أداةً جوهرية لإدارة التفاعلات بين الدول، وجسرًا يربط بين المصالح المتعارضة في بيئة دولية تتسم عادة بعدم الاستقرار والتنافسية. غير أن التفاوض لا يقتصر على كونه وسيلة تقنية لحل النزاعات، بل يتجاوز ذلك ليغدو ممارسة سيادية تعكس القوة الوطنية، وتترجم مكانة الدولة وفاعليتها على الساحة العالمية.
فالتفاوض، كما يؤكد عباس عراقجي في كتابه «قوة التفاوض»، يمثل امتدادًا للسيادة الوطنية وفنًّا إستراتيجيًّا يتطلب ذكاءً ثقافيًّا، وصبرًا استنزافيًّا، وقدرةً على تحويل عناصر القوة الوطنية إلى خطاب تفاوضي يحافظ على الكرامة والاستقلال.
وتبرز هذه الرؤية بوضوح عند مقارنتها مع تجربة وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف في «صمود الدبلوماسية»، حيث تلتقي النظرية بالممارسة من خلال تجارب المفاوضات النووية الإيرانية.
فالنموذج الإيراني الذي يستلهم تقاليد «مساومة البازار»، القائم على المراوغة والصبر والانطلاق بمطالب مرتفعة، يُظهر كيف يمكن للثقافة أن تتحول إلى أداة عملية للصمود أمام القوى الكبرى. وهنا تتجلى إشكالية المقال الأساسية: كيف يمكن للدول الصاعدة أن تحافظ على سيادتها وهويتها الثقافية في مفاوضات دولية غير متكافئة تهيمن عليها القوى العظمى؟
وانطلاقًا من هذه الإشكالية، تقوم الدراسة على فرضيات ثلاث:
1ـ أن التفاوض يمثل امتدادًا للسيادة الوطنية وأداة لترجمة القوة المعنوية والصلبة معًا.
2 – أن الخصوصية الثقافية، كما في نموذج «مساومة البازار»، يمكن أن توفر للدول الصاعدة أدوات تفاوضية بديلة عن المناهج الغربية التقليدية.
3- أن فاعلية هذا النموذج تبقى مرهونة بقدرة الدولة على التوفيق بين الهوية الثقافية والمصالح الإستراتيجية في بيئة دولية تتجه نحو تعدد الأقطاب.
ومن خلال محاولة التحقق من هذه الفرضيات، تهدف هذه الدراسة إلى:
أما من الناحية المنهجية، فتعتمد الدراسة على مقاربة تحليلية-مقارنة تجمع بين البعد النظري والبعد التطبيقي؛ إذ يتم أولًا تفكيك المفاهيم التي يتضمنها كتاب عراقجي وربطها بالتجربة التفاوضية لظريف، ثم مقارنتها بالمقاربات الغربية للتفاوض، قبل الانتقال إلى استلهام الدروس التاريخية لتقدير مدى فاعلية هذه الإستراتيجيات في مواجهة التحديات الراهنة.
وبذلك، تسعى هذه الدراسة إلى المساهمة في النقاش الأكاديمي والسياسي عن دور الثقافة والسيادة في التفاوض الدولي، من خلال تقديم قراءة للتجربة الإيرانية بوصفها نموذجًا غير غربي يقدم بدائل فكرية وعملية لإدارة المفاوضات في عالم متسارع التحولات ومنجذب أكثر فأكثر نحو تعدد الأقطاب.
يمثل كتاب «قوة التفاوض» لعباس عراقجي رؤية شاملة توضِّح كيف يتحول التفاوض إلى أداة سيادية قادرة على إبراز هوية الأمة وحماية مصالحها.
ومن خلال ستة فصول متكاملة، يعرض المؤلف مفاهيم التفاوض وأنواعه وصلته بالقوة الوطنية، فضلًا عن المهارات العملية اللازمة، والسمات الشخصية للمفاوض، وصولًا إلى بلورة نظرية «مساومة البازار» التي تستند إلى موروث ثقافي وتجربة تاريخية متجذرة. غير أن قيمة هذا الإطار النظري تتضح أكثر عند مقارنته بالتجربة العملية التي قدمها محمد جواد ظريف في مذكراته «صمود الدبلوماسية».
فبينما صاغ عراقجي المرجع الفكري والثقافي للتفاوض الإيراني، جسَّد ظريف هذه الرؤية في الممارسة الميدانية، ولا سيما خلال المفاوضات النووية؛ حيث تحولت مبادئ مثل المساومة التدريجية والاستنزاف الزمني إلى أدوات فعلية لتحقيق مكاسب تفاوضية. إن هذا التلاقي بين النظرية والتطبيق يكشف أن الدبلوماسية الإيرانية ليست مجرد استجابات ظرفية، بل عملية إستراتيجية متوازنة تجمع بين التمسك بالثوابت الوطنية والمرونة التكتيكية لتفادي العزلة الدولية.
في عودة إلى مفهوم الحوار ومستعينًا بالسردية الدينية «الحوار كجوهر خلق الإنسان» والفلسفية «الإنسان في الأصل كائن اجتماعي»، يفتتح عراقجي كتابه بتأسيس مفاهيمي دقيق لمصطلح «التفاوض السياسي»، مؤكدًا أنه ليس عملية تقنية لإدارة الخلافات فحسب، بل أداة كذلك لتنفيذ السياسة الخارجية لتحقيق الأهداف الوطنية .
ويرى أن التفاوض يتضمن عناصر رئيسية: اعترافًا متبادلًا، تناقضَ مصالح، أهدافًا واضحة، أدوات ضغط، وقنوات اتصال. كما يشدِّد على أن التفاوض لا يُعدّ نقيضًا للحرب، بل هو ساحتها ، وهو أيضًا امتدادٌ لها بأساليب سلمية .
في هذا السياق، يمكن استحضار مقولة كلاوزفيتز: «الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى» . وهو ما يوازي رؤية عراقجي التي تضع التفاوض امتدادًا للحرب ولكن بوسائل دبلوماسية.
ولتعزيز هذا الإطار، يقدم عراقجي في هذا الباب تحديدًا أكثر تفصيلًا لماهية التفاوض، فيؤكد أنه فعل اجتماعي يقوم على تفاعل مباشر بين الأطراف، وأن غايته تحقيق أفضل صفقة ممكنة ترضي الجميع وتكشف هذه النقاط أن التفاوض ليس مجرد أداة صراع، بل عملية تواصلية مشروطة بالبحث عن تسوية متوازنة، حتى في ظل التناقضات.
وهذا ما يُعرف في أدبيات نظرية الألعاب بتوازن ناش؛ حيث لا يجد أي طرف فائدة من تغيير موقفه إذا بقي الطرف الآخر على موقفه.
ينتقل عراقجي في الباب الثاني إلى تصنيف المفاوضات السياسية عبر مجموعة من المعايير التي تكشف عن تعدد وظائفها وأبعادها.
فهو يميز، من حيث الأهداف، بين التفاوض من أجل التعاون، والتفاوض المخصص لتسوية الخلافات، والتفاوض لمواجهة الضغوط الداخلية أو الخارجية، إضافةً إلى التفاوض الوقائي، والتفاوض القائم على الوساطة لتقريب المواقف بين الأطراف. كما يلفت الانتباه إلى «التفاوض من أجل التفاوض»، الذي يُستدعى في بعض الحالات ليكون أداة بحد ذاتها لشراء الوقت، أو امتصاص الضغوط، أو تبادل الاتهامات، أو الحصول على المعلومات، أو تأكيد المكانة والاعتبار الدولي لطرف معين
ومن زاوية أخرى، يصنِّف الكاتب المفاوضات وفق الشكل والتركيب أو البنية والإجراءات، فيتحدث عن المفاوضات الثنائية والمتعددة الأطراف، الرسمية وشبه الرسمية وغير الرسمية، المباشرة وغير المباشرة، إلى جانب السرية وشبه السرية والمعلنة، جامعًا هذه الأشكال تحت مسمى «المفاوضات المركبة» لما تنطوي عليه من تداخل في المستويات والأدوات ويتوسع في ذلك ليشمل أمثلة حسب طبيعة الموضوع، والعلاقة بين الأطراف (عدائية، تعاونية، غير متكافئة).
ويعود دائمًا إلى القضية النووية الإيرانية؛ وهي أحد الملفات المعقدة التي تتطلب الجمع بين عدة أنماط في آن واحد، نظرًا لتداخل عناصر الأمن والطاقة والتجارة والشرعية الدولية فيها.
ويشدِّد عراقجي على أن التعامل مع أطراف غير متكافئة يستدعي تبني إستراتيجيات تفاوضية مرنة مثل تأجيل القبول إلى اللحظة الحرجة، أو تجزئة الملفات، أو إشراك أطراف ثالثة للضغط غير المباشر.
ومن أبرز الأمثلة التي يستعرضها مفاوضات إيران مع الولايات المتحدة عبر وساطات عمانية (نموذج للمفاوضات السرية بين 2011 و2013) وسويسرية (مفاوضات شبه سرية في الملف النووي بين إيران ومجموعة 5+1)، والتي أظهرت كيف يمكن للقنوات غير المباشرة أن توفر هامشًا أوسع للمناورة السياسية.
بهذا المعنى، يكشف عراقجي أن التفاوض ليس عملية جامدة تخضع لنموذج واحد، بل هو ممارسة ديناميكية قابلة للتكيف المستمر مع تحولات الزمن والسياق الدولي.
ويتقاطع هذا الطرح مع ما يبرزه فيشر وأوري وباتون من أن التفاوض عملية إبداعية تستلزم البحث عن حلول مبتكرة تتجاوز الجمود التقليدي وتستجيب لتعقّد الأطراف وتعدد القضايا. وتتجلى هذه الرؤية النظرية بوضوح في التجربة العملية لمحمد جواد ظريف، الذي جسَّد من خلال قيادته لمفاوضات 5+1 قدرة الدبلوماسية الإيرانية على الانتقال المرن بين أنماط تفاوض متعددة، وبناء تحالفات ديناميكية وفق مقتضيات الموقف. فقد نسَّق مع روسيا والصين لمواجهة الضغوط الغربية، رغم إدراكه لمساعي موسكو لإفشال أي تقارب إيراني-غربي، واضعًا صمود الأمة والكرامة الوطنية في قلب العملية التفاوضية
يشكِّل هذا الفصل ربما العمود الفقري للفكر التفاوضي عند عراقجي. فهو يرفض الفصل بين التفاوض والقوة، لكنه يعيد تعريفها معتبرًا أنها تتجاوز بعدها العسكري لتشمل كذلك القوة الناعمة والقوة المعنوية: الثقافة والهوية والدين والتاريخ، والقوة الذكية والتنمية الاقتصادية، وقوة الشرعية الداخلية من خلال التلاحم الوطني الذي يشكِّل دعمًا شعبيًّا للمفاوض.
ويحذر الكاتب من أن الدخول في التفاوض دون رصيد من هذه القوى يعرِّض الدولة للضعف أمام خصومها. كما يشرح كيف استخدمت إيران قوتها الوطنية -من خلال أدواتها المحدودة- في وجه قوى كبرى عبر توسيع هامش التفاوض: التلويح بالرد غير المتماثل، واستثمار الدعم الشعبي لردِّ الضغوط . يعزز هذا الطرح تصورًا واقعيًّا عن العلاقات الدولية؛ إذ لا يكفي «الحق» دون «القدرة»، ولا معنى للكرامة إن لم تتجسد في خطاب تفاوضي قائم على الثقة بالنفس. وفي هذا الصدد، يتقاطع تصور عراقجي مع ما أكده جوزيف ناي؛ إذ يوضح أن مصادر القوة الحديثة لم تعد حكرًا على البعد العسكري، بل تشمل عناصر رمزية وثقافية واقتصادية تتيح للدول الصغيرة والمتوسطة توسيع نطاق تأثيرها عبر أدوات تفاوضية أكثر ذكاءً.
ينتقل عراقجي إلى الجانب العملي من التفاوض، فيعرض مراحله الكلاسيكية: مرحلة ما قبل التفاوض الخاصة بتعزيز القوة المتعددة الأبعاد، وذلك لخدمة المساومة خلال المفاوضات . ثم تأتي مرحلة إجراء التفاوض عبر استعراض القوة، وتستوجب هذه المرحلة نقاطًا عدة: تفادي الغموض في تقديم المفاهيم، واحترام قيم الآخر والامتناع عن الاقتراحات المتطرفة .
وأخيرًا تأتي مرحلة نهاية اللعبة التي تفضي إلى اتفاق معين بين الأطراف أو إلى مأزق عند فشل المفاوضات، وهو ما تحاول الأطراف تفاديه وتفضِّل ترك الباب مفتوحًا أملًا في مفاوضات مستقبلية لإيجاد حل يرضي الجميع
لكن هذا الفصل لا يكتفي بهذا العرض الهيكلي، بل يغوص في المهارات الناعمة مثل إدارة الصمت والاستفزاز أو التهديد، واستخدام المفاجأة والاستنزاف الزمني، وقراءة لغة الجسد، أو استخدام التضحية التكتيكية لبناء الثقة .
كما يورد أمثلة دقيقة من تجربة الإيرانيين في التفاوض النووي، بما في ذلك إشادات أميركية بالأسلوب الإيراني المتمثل في الصبر ورباطة الجأش لإرباك الخصم .
ويرى عراقجي أن كل مرحلة تفاوضية هي اختبار نفسي بقدر ما هي اختبار عقلي، وأن النجاح فيها يتطلب مزيجًا من ضبط الأعصاب والدقة اللغوية والإلمام بالتفاصيل.
هذا الطرح ينسجم مع ما يبرزه ريتشارد شيل؛ إذ يؤكد أن نجاح التفاوض لا يعتمد على البنية الهيكلية للمراحل فحسب، بل على مهارات ناعمة كذلك مثل التحكم في الإيقاع النفسي للمقابلة، واستثمار الصمت، والموازنة بين الحزم والمرونة. ومن هنا تبرز أهمية النظر إلى التجربة العملية؛ حيث يُظهر مسار محمد جواد ظريف كيف تتحول هذه المبادئ النظرية إلى ممارسة ملموسة في سياق التفاوض النووي (2013-2015).
فقد استطاع أن يحوِّل القوة الرمزية الوطنية غير الصلبة إلى رافعة تفاوضية عبر خطابات دولية مؤثرة، موظفًا «الاستنزاف الزمني» تكتيكًا لتحقيق تنازلات غربية.
كما تجسَّدت «مساومة البازار» في إدارته للملف النووي بدءًا بمطالب قصوى (رفع العقوبات فورًا)، ثم المناورة عبر تنازلات مرحلية (تخفيض التخصيب مقابل رفع جزئي للعقوبات).
في هذا الفصل، ينتقل التحليل إلى المستوى الفردي، فيُركِّز على خصائص المفاوض الناجح.
ووفقًا لعراقجي فإن المفاوض ليس مجرد موظف عادي ينقل أوامر، بل هو ذات سياسية تمتلك ذكاءً إستراتيجيًّا، ووعيًا قوميًّا وثقافيًّا، ومرونة تكتيكية، وصبرًا استنزافيًّا على المناورة والمحاورة بلغة التفاوض تجنبًا لأي سوء فهم قد ينتج عن الترجمة المتاحة في مثل هذه المفاوضات. كما عليه ترك أدنى انفعال، إلا إذا كان ذلك ضمن خطة تفاوض تكتيكية.
كما يروي عراقجي كيف تعلَّم أبجديات التفاوض في صغره من والدته التي «كانت تساوم باستمرار وصبر» أثناء تسوُّقها؛ مما منحه فهمًا مبكرًا لفن الكتمان، والصبر، واللعب على التفاصيل. ويشدد على أهمية المظهر الشخصي، ونبرة الصوت، وترتيب الأولويات، وكيفية التفاعل مع اللحظة التفاوضية.
وهذا الطرح يجد صداه في ما عرضه ريموند كوهن؛ إذ يؤكد أن شخصية المفاوض وحمولتها الثقافية واستعدادها النفسي تشكِّل عاملًا حاسمًا في تفسير سلوكياته وتحديد فرص نجاحه. ويزداد هذا البعد وضوحًا عند النظر في تجربة محمد جواد ظريف، الذي جسَّد عمليًّا رؤية عراقجي حول المفاوض بوصفه ذاتًا سياسية؛ إذ جمع بين الاعتزاز بالنفس في تعامله مع نظرائه الغربيين بهدف «كسر غطرستهم»، وبين المرونة النفسية كما ظهر في إدارته لأزمة الطائرة الأوكرانية (2020)؛ إذ احتوى الانتقادات الداخلية بينما حافظ على الملف التفاوضي
هذا الفصل هو الأكثر ثقافية في الكتاب، ويُعد تجسيدًا للهوية الإيرانية في عملية التفاوض. يقدم عراقجي «مساومة البازار» على أنها نظرية تفاوضية قائمة على المساومة المتواصلة دون كلل، مع استخدام عامل الوقت تكتيكًا، وتكرار المطالب نفسها بشتى الطرق والأشكال المنطقية لإرهاق الخصم، كما يفعل أصحاب سوق السجاد الإيراني مع الزبون .
يشرح الكاتب كيف أن الثقافة التفاوضية الإيرانية ليست نسخة من الغربية، بل تستند إلى تجربة تجارية-اجتماعية متجذرة في البازارات؛ حيث لا يُعرض السعر الحقيقي أبدًا في البداية، بل يُخاض التفاوض طقسًا رمزيًّا يعكس الاحترام المتبادل والمكانة.
ويرى أن هذا الأسلوب مكَّن إيران من الثبات في مفاوضات طويلة رغم العقوبات؛ لأنها لم تدخل المفاوضات بهدف الحل السريع، بل على أنها معركة إرادات طويلة النفس. ويُظهر الفصل كيف تُترجم الثقافة الشعبية إلى إستراتيجية تفاوض، ويعيد الاعتبار لما يسمى بالذكاء الشعبي في السياسة الخارجية.
ما يقدمه عراقجي يجد ما يوازيه في دراسات مقارنة مثل عمل لوسيان باي، الذي يُبرز أن التفاوض التجاري-الثقافي ليس مجرد ممارسة اقتصادية، بل انعكاس لهوية جماعية وقيم اجتماعية متجذرة، تُترجم إلى تكتيكات سياسية ودبلوماسية من خلال دمج العناصر العاطفية واستخدام الطقوس الرمزية جزءًا من الأسلوب التفاوضي.
وهذا النهج، الذي يعكس الذكاء الشعبي في مواجهة التحديات الدبلوماسية، يبقى قريبًا من الثبات الإيراني في المفاوضات الطويلة؛ إذ يُفضِّل -وفق هذا المنظور- اختبار صبر الطرف الآخر، وهو ما يتماشى مع إستراتيجية إيران في تجنب منطق الحلول السريعة.
سوق طهران الكبير، عندما تصبح مساوامات البازار نظرية تفاوضية قائمة على المساومة الطويلة (غيتي)تفتح الفصول الآتية نافذة على التفاوض من خلال مقارنات نظرية وتاريخية، مركِّزة على رؤية عباس عراقجي في مواجهة ويندي شيرمان، وكيسنجر، وأرود. وتستكشف أيضًا كيف تتشابك القوة والثقافة والتاريخ في صياغة إستراتيجيات تفاوضية، مقدمة تحليلًا أوسع للدبلوماسية المعاصرة.
1- عراقجي وشيرمان: تشابك الإرادة
يستعرض هذا الفصل ثنائية فكرية وعملية في فن التفاوض، من خلال مقاربة الدبلوماسي الإيراني عباس عراقجي ونائبة وزير الخارجية الأمريكية ويندي شيرمان. فبينما يستند عراقجي إلى قوة الدولة وهويتها الثقافية باعتبارها مصدرًا للشرعية التفاوضية، تُعلي شيرمان من شأن الأصالة الفردية والمرونة العاطفية.
ويُجسِّد الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015 نقطة التقاء بين المنهجين؛ إذ نجح في دمج صبر «مساومة البازار» الإيرانية مع البراغماتية والعفوية الأمريكية ، ليُبرِز أن الدبلوماسية الفعّالة تقوم على الجمع بين الإستراتيجية المُحْكَمة والذكاء العاطفي.
ينطلق عراقجي من رؤية أن التفاوض الناجح يستند إلى رصيد متعدد الأبعاد من القوة الوطنية، يشمل القوة الرمزية (الكرامة والهوية)، والناعمة (الثقافة والتاريخ)، والاقتصادية، والشرعية الداخلية. ويوضح كيف وظَّفت إيران هذه العناصر في مفاوضاتها النووية مع مجموعة 5+1 عبر التخصيب، والرد غير المتماثل، وحشد التأييد الشعبي، محذرًا من أن التفاوض من موقع الضعف يعرِّض الدولة للابتزاز.
في المقابل، تقدِّم شيرمان رؤيةً مختلفةً لمصدر القوة، فترى أنها تكمن في الأصالة الشخصية والجرأة الفردية، خاصةً في بيئة دبلوماسية يهيمن عليها الذكور.
وتستشهد بلحظة انفعالها خلال مفاوضات فيينا (يوليو/تموز 2015) التي أسفرت -بحسب سردها- عن كسر الجمود وتليين مواقف.
وهي ترفض تفسير هذه العاطفة على أنها ضعف، بل تعدها مصدر قوة وتواصل إنساني، حتى في سياق ثقافي مختلف قد لا يُتقبَّل ذلك بسهولة. وبينما يربط عراقجي القوة بالدولة ومؤسساتها، ترى شيرمان أنها تُبنى خلال العملية التفاوضية ذاتها عبر الصدق العاطفي. إلا أن كلا المنهجين يتقاطعان في اعتبار القوة -سواء أكانت جماعية أم فردية- أساسًا للتأثير والنفوذ على طاولة المفاوضات.
يصف عراقجي النمط التفاوضي الإيراني بـ«مساومة البازار»، المستمد من تقاليد الأسواق المحلية، والذي يعتمد على المطالب العالية، والصبر الإستراتيجي، والمرونة التكتيكية.
ويرى في هذا النهج أداة ثقافية لتعزيز الموقف التفاوضي والحفاظ على الكرامة الوطنية في مواجهة الضغوط الدولية.
أما شيرمان فتنطلق من خلفية أميركية تُقدِّر الفردية والتعبير الشخصي، وقد استخدمت هذه الخلفية في تبني أسلوب قائم على الصراحة والعفوية. وهكذا، يظل الإطار الثقافي حاسمًا في تشكيل الأسلوب التفاوضي: فبينما يستخدم عراقجي الثقافة درعًا جماعية، تستخدمها شيرمان جسرًا فرديًّا نحو التواصل.
ويندي شيرمان (الجزيرة)
يؤكد عراقجي أهمية الإعداد المسبق والمراحل المنظمة للتفاوض، بدءًا من التحضير وصولًا إلى مرحلة ما بعد الاتفاق.
ويركز على مهارات مثل إدارة الصمت، والاستنزاف الزمني، وقراءة لغة الجسد، بما يعكس نهجًا منهجيًّا يهدف إلى السيطرة على إيقاع المفاوضات.
وفي مقابل هذا النهج المحسوب، تُبرز شيرمان قيمة المرونة والاستجابة اللحظية للظروف.
ويظهر الاتفاق النووي كيف يمكن للتخطيط الإستراتيجي والمرونة العاطفية أن يتكاملا في تحقيق نتائج دبلوماسية معقَّدة.
ينظر عراقجي إلى المفاوض بوصفه ممثلًا للدولة وهويتها، ويرى أن صفاته الشخصية يجب أن تخدم الأهداف الوطنية وتعزز السيادة.
بالمقابل، ترى شيرمان أن المفاوض هو -قبل كل شيء- إنسان يستند إلى تجاربه وقناعاته الخاصة، وأن صدقه العاطفي قد يكون عاملًا حاسمًا في تحقيق الاختراقات.
ويبقى القاسم المشترك بينهما هو الإيمان بأهمية البعد الإنساني في التفاوض، وإن اختلفت طريقة توظيفه.
يسعى عراقجي إلى تقديم نموذج تفاوضي إيراني يدمج الواقعية السياسية بالخصوصية الثقافية، بهدف تعزيز أداء الدبلوماسية الوطنية وتقوية موقفها في المحافل الدولية.
أما شيرمان، فتهدف من خلال سرد تجربتها إلى إلهام القرَّاء -خاصة النساء- وتعزيز ثقتهم بأنفسهم وقدراتهم التفاوضية، وترى أن النجاح لا يعتمد على الإعداد الجيد فحسب، بل على الشجاعة العاطفية كذلك.
يستكشف هذا الفصل التباينات والتكاملات بين مدارس التفاوض المختلفة، من خلال مقارنة منظور عباس عراقجي في «قوة التفاوض» مع رؤى دبلوماسيين غربيين بارزين مثل هنري كيسنجر وجيرار أرود.
يركز النقاش على كيفية تفاعل الهوية الثقافية مع المصالح السياسية في عملية التفاوض؛ إذ يدمج عراقجي الثقافة الإيرانية أداة إستراتيجية للصمود، بينما يؤكد كيسنجر الواقعية الكلاسيكية المبنية على توازن القوى، ويضيف أرود بُعدًا تاريخيًّا يحذر من مخاطر الغطرسة في إدارة الصراعات.
ومن خلال هذه المقارنات، يبرز الفصل كيف يمكن للدبلوماسية المعاصرة أن تتجاوز الإطار الغربي التقليدي لتشمل أبعادًا ثقافية وتاريخية؛ مما يثري فهم التفاوض باعتباره عملية متعددة الأبعاد في عالم متعدد الأقطاب.
التفاوض بين الشرق والغرب: عراقجي وكيسنجر بين الواقعية الثقافية والواقعية الكلاسيكية
لإثراء التحليل، نورد مقارنة بين منظور عباس عراقجي في «قوة التفاوض» ومنظور هنري كيسنجر في كتابه الشهير «الدبلوماسية» الذي يقدم تاريخًا شاملًا للدبلوماسية من عصر صلح ويستفاليا إلى نهاية الحرب الباردة، مع التركيز على الواقعية أساسًا للعلاقات الدولية.
كلا الكاتبين ينطلقان من منظور واقعي يرى التفاوض امتدادًا للقوة، لكنهما يختلفان في زاوية الإسهام: عراقجي يدمج الثقافة والسيادة الوطنية باعتبارهما عناصر مركزية، بينما يركز كيسنجر على توازن القوى العالمي والدور الأميركي بصفته محورًا للنظام الدولي.
يعرف كيسنجر التفاوض على أنه أداة لإدارة التوازن بين الدول، مستلهمًا نماذج أوروبية كلاسيكية، حيث تشكل القوة المادية (العسكرية والاقتصادية) الأساس لأي اتفاق. كما ينتقد النزعة المثالية التي تفصل الدبلوماسية عن مفهومي القوة والمصلحة الوطنية، ويعدّ ذلك غير فعّال بل خطرًا.
وهذا يتقاطع مع معادلة عراقجي التي تفيد بأنه لا يوجد تفاوض ناجح دون قاعدة قوة وطنية. ومع ذلك، يوسع عراقجي تعريف القوة ليشمل الأبعاد الرمزية والناعمة مثل الهوية والثقافة، كما في «مساومة البازار» الإيرانية التي تعتمد على الصبر والمراوغة بوصفهما طقسًا ثقافيًّا. أما كيسنجر فيتناول التوازن بمنطق أكثر “ميكانيكية”، دون تركيز على الخصوصيات الثقافية بوصفها موردًا تفاوضيًّا.
ومن جهة أخرى في شخصية المفاوض، يؤكد عراقجي الوعي الثقافي والصبر الاستنزافي، أما كيسنجر فيراها ذاتًا سياسية براغماتية تجسِّد المصلحة الوطنية دون الغوص في الأبعاد الثقافية والرمزية.
كيسنجر (يمين) مع الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين (الأناضول)
يمكن كذلك مقارنة منظور عراقجي مع رؤية الدبلوماسي الفرنسي جيرارد أرود في كتابه «حكايات دبلوماسية: دروس الأمس لعالم اليوم»، الذي يستمد دروسًا من التاريخ لفهم الدبلوماسية في عالم متعدد الأقطاب. يحذر أرود من أوهام الاطمئنان إلى “سلامٍ دائم”، ويرى أن عودة لعبة القوى الكبرى تجعل التفاوض امتدادًا للصراع لا بديلًا عنه.
وهو يتقاطع مع عراقجي في رفض فصل التفاوض عن القوة، لكنه يضيف بُعدًا تاريخيًّا يضيء مخاطر الغطرسة في إدارة الحروب وشروط التسوية.
وتكشف هذه المقارنة كيف يمكن للدرس التاريخي عند أرود أن يثري واقعية عراقجي، خاصة في زمن عودة المنافسات الكبرى؛ إذ يجب دمج الثقافة مع التوازن لتجنب الفشل.
وفي الأخير، تجدر الإشارة إلى أن هذه القراءة المقارنة تشير إلى شبكة من التكاملات والتقاطعات التي تكشف عن تنوع مدارس التفاوض وثرائها.
فحين يقدِّم عباس عراقجي تصورًا يجعل من التفاوض أداة سيادية متجذرة في الخصوصية الثقافية، يأتي محمد جواد ظريف في «صمود الدبلوماسية» ليؤكد هذا التصور عبر شهادات عملية من قلب المفاوضات النووية؛ حيث تتحول النظرية إلى ممارسة حية تعكس توازنًا بين الهوية الوطنية ومتطلبات البراغماتية السياسية.
وعلى الجانب الآخر، تبرز ويندي شيرمان مقاربة مختلفة تُبرز البعد النفسي والإنساني للتفاوض، بينما يرسِّخ كيسنجر المقاربة الواقعية التقليدية، ويضيف أرود بعدًا سرديًّا-تاريخيًّا يضيء آليات التفاوض وتحوّلاته. ومن خلال هذا التداخل، يتضح أن التفاوض ليس أداة تقنية فحسب، بل فضاء تتقاطع فيه القوة والثقافة والتجربة الشخصية والتاريخ.
يشكِّل كتاب «قوة التفاوض» أكثر من شهادة دبلوماسي على مرحلة معقَّدة من السياسة الإيرانية؛ إنه تأريخ ثقافي-سياسي لطريقة تفكير دولة في العالم المعاصر.
فمن خلال دمجه بين المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية (القوة، المصلحة، الردع) والمدرسة الثقافية (القيم، الرموز، اللغة)، يقدم عراقجي تصورًا متماسكًا عن التفاوض باعتباره أداة سيادية وهوية وطنية.
وهذا المزج يرسِّخ نموذجًا تفاوضيًّا إيرانيًّا متمايزًا، إسهامًا غير غربي في أدبيات التفاوض الدولي. غير أن قيمة الكتاب لا تتوقف عند حدود التجربة الإيرانية، بل تفتح آفاقًا للمقارنة مع تجارب أخرى، كما عند ويندي شيرمان، أو في أطروحات كيسنجر وأرود. فجميعها تكشف أن التفاوض عملية متعددة الأبعاد، تجمع بين القوة المادية، والثقافة السياسية، والتجربة الفردية.
لكنها في الوقت نفسه تثير تساؤلات جديدة: كيف يمكن للدول ذات الموارد المحدودة أن توظف ثقافتها لموازنة ضغوط القوى الكبرى؟ وهل تكفي الأصالة الفردية والعاطفة لتعويض نقص القوة الصلبة؟ ومع عودة لعبة القوى الكبرى، كيف يمكن صياغة مقاربة تفاوضية تدمج بين الدروس التاريخية والخصوصيات الثقافية غير الغربية؟
وزير الخارجية الإيراني السابق محمد جواد ظريف (الجزيرة)في عالم يتسم بتسارع التحولات الجيوسياسية، تصبح الحاجة ملحَّة إلى نماذج تفاوضية مرنة تراعي الهويات الثقافية دون التفريط بالمصالح الإستراتيجية.
يقدِّم عراقجي نموذجًا يعتمد على الصمود والذكاء الشعبي، لكنه يثير في الوقت ذاته سؤالًا عن كيفية تكييف هذا النموذج مع تحديات المستقبل، مثل التفاوض في عصر الذكاء الاصطناعي أو النزاعات السيبرانية.
كما يذكِّرنا بأن التفاوض ليس مجرد تقنية إجرائية، بل فنًّا سياديًّا يجمع بين العقل والعاطفة والتاريخ. وهنا تتجلى قيمة الكتاب: دعوة لإعادة التفكير في التفاوض باعتباره عملية تتجاوز منطق القوة المادية وحدها، نحو دبلوماسية مبتكرة قادرة على التعامل مع عالم متعدد الأقطاب يتطلب أدوات غير تقليدية وإبداعًا دبلوماسيًّا غير مسبوق.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة