في الوقت الذي ما تزال فيه غزة تعاني من دمار واسع النطاق وانهيار شبه كامل للبنية التحتية، تكشف تقارير إسرائيلية عن مقاربة جديدة تتجاوز الإغاثة الإنسانية، وتتجه نحو استثمار اقتصادي مباشر في عملية إعادة إعمار القطاع.
فبحسب صحيفة "هآرتس"، يدرس مسؤولون رفيعو المستوى في الدولة العبرية فرص استفادة تل أبيب اقتصاديًا من مشاريع إعادة إعمار القطاع، من خلال ربط غزة ببنى تحتية إسرائيلية في مجالات الطرق والطاقة، وبتمويل محتمل من الدول المانحة.
لا تبدو هذه الطروحات منفصلة عن السياق السياسي والأمني الأوسع. فإعادة الإعمار، كما تُطرح في التصورات الإسرائيلية، لا تقوم على تمكين الفلسطينيين من إدارة مواردهم، بل على تعميق اعتماد غزة على تل أبيب في الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الطاقة والمواصلات.
وتشير التقارير إلى دراسة خيار تزويد غزة بالكهرباء مباشرة من الأراضي الإسرائيلية، عبر توسيع محطة عسقلان، بدل بناء محطة مستقلة داخل القطاع. ويعني ذلك عمليًا إحكام السيطرة على أحد أهم مفاصل الحياة اليومية، وتحويل الطاقة إلى أداة ضغط دائمة تحت غطاء “الاستقرار”.
تلعب الدول المانحة دورًا محوريًا في هذه المعادلة. فبدل أن تُوجَّه الأموال لبناء اقتصاد فلسطيني مستقل، قد تتحوّل، وفق هذه المقاربة ، إلى استثمارات غير مباشرة في البنية التحتية الإسرائيلية، من طرق ومحطات طاقة، بحجة تسهيل الوصول إلى غزة أو ضمان الأمن.
وبحسب التقرير الذي نشرته هآرتس، تناقش الدول المانحة المشاركة في مشروع إعادة إعمار غزة حاليًا خيارين: بناء محطة كهرباء في مصر، أو إنشاء محطة داخل قطاع غزة نفسه.
وذكرت هآرتس أن الخيار الثاني قد يمنح حركة حماس مصدرًا مستقلًا للطاقة داخل غزة، ما دفع الدولة العبرية إلى دراسة خيار ثالث يتمثل في تزويد القطاع بالكهرباء من داخل الأراضي الإسرائيلية.
وفي هذا السياق، يُتوقع أن تدعم الدول المانحة تل أبيب في توسيع محطة الكهرباء في عسقلان، القريبة من حدود غزة، الأمر الذي سيعزز بدوره إمدادات الكهرباء لجميع الإسرائيليين.
وأضاف التقرير أنه تم إنشاء ما لا يقل عن ست مجموعات عمل لإعادة إعمار غزة في مركز دولي للتنسيق المدني-العسكري في كريات غات جنوب إسرائيل.
ويضم المركز مقارّ لممثلين عمّا لا يقل عن 28 دولة، وتشمل فرق العمل مجالات الاستقرار والأمن والاستخبارات والمساعدات الإنسانية والهندسة، مع وجود ممثل إسرائيلي في كل فريق.
كانت الأمم المتحدة قد أعلنت أن إعادة إعمار قطاع غزة ستكلّف نحو 70 مليار دولار على مدى العقود المقبلة، محذّرة من انهيار اقتصادي وشيك في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وأشار تقرير صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) إلى أن القصف الإسرائيلي للقطاع خلق "هوّة من صنع الإنسان" في غزة، حيث انكمش الاقتصاد بنسبة 87% خلال عامي 2023 و2024.
وخلّف التدمير المنهجي والحصار الاقتصادي الإسرائيلي ناتجًا محليًا إجماليًا للفرد لا يتجاوز 161 دولارًا، وهو من بين الأدنى عالميًا.
ووفق المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، دمَّرت إسرائيل 300 ألف وحدة سكنية بشكل كلّي و200 ألف جزئيا، وأخرجت 25 مستشفى عن الخدمة من أصل 38 مؤسسة علاجية، إضافة لتدمير 103 مراكز للرعاية الصحية الأولية، كما تضرّرت 95% من مدارس القطاع، فضلا عن خروج 85% من مرافق المياه والصرف الصحي عن الخدمة.
وقال المسؤول في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، جاكو سيلييرس، إن التقديرات تشير إلى أن العدوان الإسرائيلي خلَّف وراءه ما لا يقل عن 55 مليون طن من الأنقاض في القطاع تم إزالة 81 ألف طن منها.
وأضاف سيلييرس، خلال مؤتمر صحفي عقد في جنيف في اليوم التالي لقمة شرم الشيخ لإعلان وقف إطلاق النار في غزة، أن هناك دولا، بينها أميركا وكندا، أعطت إشارات واعدة على استعدادها للمساهمة في تكلفة إعادة إعمار غزة المقدرة بنحو 70 مليار دولار، متوقعا أن يستغرق الإعمار عقدا أو عقودا من الزمن.
وفي فبراير/شباط من العام الماضي، توقع تقرير مشترك بين الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي والأمم المتحدة أن تستلزم الاحتياجات قصيرة الأجل لعملية الإعمار في السنوات الثلاث الأولى مبلغا يُقدر نحو 20 مليار دولار، بينما يتطلب 53.2 مليار دولار خلال السنوات العشر المقبلة، ويضاف إليها 19.1 مليار دولار أخرى لتعويض الخسائر الاجتماعية والاقتصادية.
وفي الشهر الماضي، كشف جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومبعوثه الخاص للشرق الأوسط، عن خطة مثيرة للجدل لتحويل غزة إلى ملاذ للسوق الحرة، تضم ناطحات سحاب ساحلية ومناطق أعمال.
وتقدر قيمة الخطة الشاملة لإعادة إعمار وتحويل القطاع إلى مركز اقتصادي إقليمي بقيمة حوالي 25 مليار دولار بحلول عام 2035.
وتهدف المبادرة لرفع الناتج المحلي الإجمالي للقطاع إلى أكثر من 10 مليارات دولار وزيادة متوسط الدخل السنوي للأسر إلى أكثر من 13 ألف دولار خلال العقد المقبل.
وكان كوشنر قد أكد أن سكان قطاع غزة بحاجة إلى فرص عمل، مشيرًا إلى أن المبادرة ستتيح لهم تحسين حياتهم. وأضاف أن الإدارة الأمريكية حققت "نتائج كبيرة خلال الـ100 يوم الماضية بشأن السلام في غزة"، مشيرًا إلى أن "اختيار أعضاء لجنة التكنوقراط الفلسطينية الخاصة بإدارة قطاع غزة تم بعناية لضمان الكفاءة".
ووصف محللون الخطة بأنها محاولة متعمّدة لطمس التراث والثقافة الفلسطينية في غزة، ومثال على سعي شركات وأفراد إلى الربح من الإبادة الجماعية.
وقال كوشنر إن مؤتمرًا سيُعقد في واشنطن خلال الأسابيع المقبلة لبحث الاستثمار في غزة.
وبحسب مسؤولين في الجيش الإسرائيلي نقلت عنهم هآرتس، وافقت الدولة العبرية على تشييد حيّ سكني جديد في رفح جنوب غزة، بتمويل من دولة الإمارات، ومن المقرر أن يستقبل نحو 25 ألف شخص.
ويحذّر خبراء اقتصاد من أن هذا النموذج قد يكرّس ما يُعرف بـ "اقتصاد التبعية"، حيث تبقى غزة عاجزة عن الفكاك من منظومة السيطرة، رغم تدفّق مليارات الدولارات باسم الإعمار.
المصدر:
يورو نيوز