آخر الأخبار

القصة الحقيقية لمصطلح "جمهوريات الموز".. كيف ومتى ظهر؟

شارك
جدارية دييغو ريفيرا ”Gloriosa Victoria“صورة من: Ulises Rodriguez/dpa/picture alliance

ديكتاتور يرتدي نظارات شمسية عاكسة وميداليات على صدره وبرلمان في حالة اضطراب وشعب يُسكت: هذا هي الصورة التي تتبادر إلى الذهن عند سماع مصطلح "جمهورية الموز".

وقد صاغ هذا المصطلح الكاتب الأمريكي أو. هنري (اسمه الحقيقي ويليام سيدني بورتر) الذي فر إلى هندوراس عام 1896 هربا من تهمة الاختلاس التي وجهتها إليه إحدى البنوك في تكساس.

في مدينة تروخيو الساحلية لاحظ كيف كانت شركة يونايتد فروت الأمريكية تسيطر على السكك الحديدية والموانئ في المدينة وتمارس نفوذا سياسيا كبيرا. ألهمه ذلك لكتابة روايته "الكرنب والملوك Cabbages and Kings“ عن جمهورية أنشوريا الخيالية، "جمهورية موز صغيرة ساحلية" خضعت حكومتها لمصالح شركة أجنبية قوية.

يقول كارلوس دادا، المؤسس المشارك ومدير بوابة الأخبار الإلكترونية السلفادورية ”El Faro“: "منذ ذلك الحين يُستخدم هذا المصطلح من قبل العلماء والصحفيين والسياسيين والكتاب الأمريكيين كمرادف لدولة فاسدة وفاشلة".

هندوراس 1954، مراقبة الموز بعد إضراب في شركة يونايتد فروتصورة من: AP Photo/picture alliance

أكثر من مجرد تجارة فواكه

يوضح دادا الذي كتب تقارير استقصائية عن السلطة والفساد والجريمة في أمريكا الوسطى أن "جمهوريات الموز" الأصلية كانت أربعة بلدان في أمريكا الوسطى وهي هندوراس وغواتيمالا ونيكاراغوا وكوستاريكا. هناك كانت شركات الموز الأمريكية يونايتد فروت كومباني وستاندرد فروت (المعروفة اليوم باسم تشيكيتا ودول على التوالي) تسيطر على جزء كبير من الأراضي والحياة السياسية.

بدعم من واشنطن ساعدت هذه الشركات في تنصيب حكومات موالية للولايات المتحدة والضغط على القادة السياسيين الذين عارضوا شروطها أو إزالتهم. "لم تقترب الولايات المتحدة من القوة الاستعمارية أكثر مما كانت عليه مع جمهوريات الموز دون الالتزامات التي كانت على المستعمرين في أماكن أخرى تجاه المستعمرين"، كتب دادا في مقال أرسله إلى DW.

ومن الأمثلة البارزة على ذلك حالة غواتيمالا حيث حاول الرئيس المنتخب ديمقراطيا جاكوبو أربينز إعادة توزيع الأراضي الزراعية غير المستغلة. وبذلك هدد ممتلكات شركة يونايتد فروت التي كانت تسيطر على أجزاء واسعة من الأراضي الزراعية في غواتيمالا.

كوستاريكا 1915 ، حصاد الموز في مزرعة في أمريكا الوسطىصورة من: GRANGER Historical Picture Archive/IMAGO

في انقلاب مدعوم من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لحماية أرباح شركة الفاكهة استُبدل بنظام وحشي مدعوم من الولايات المتحدة ارتكب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. وثق الرسام المكسيكي دييغو ريفيرا (زوج فريدا كاهلو) الانقلاب في لوحته " النصر المجيد" وصور شركة United Fruit Company ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية والمسؤولين الأمريكيين كأطراف فاعلة رئيسية.

العنف الاستعماري في الماضي والحاضر

تسبب نظام "جمهوريات الموز في خسائر في الأرواح غالبا ما انتهت النزاعات العمالية في مزارع الموز بالعنف. في عام 1928 وقعت ما يُعرف بـ "مذبحة الموز" في كولومبيا حيث أطلق الجيش النار على عمال شركة يونايتد فروت المضربين عن العمل لأنهم طالبوا بزيادة الأجور وتحسين ظروف العمل وكان من بين الضحايا نساء وأطفال. قام غابرييل غارسيا ماركيز، الحائز على جائزة نوبل للآداب بتناول هذه القصة في روايته "مائة عام من العزلة" عام 1967.

من وجهة نظر المؤرخة والكاتبة الأمريكية أفيفا تشومسكي فإن العنف الاستعماري لا يقتصر على الماضي، بل يمتد إلى الحاضر: فهي ترى أوجه تشابه بين الأحداث الأخيرة في قطاع غزة وفنزويلا ومينيابوليس. "يُتهم الضحايا بأنهم عنيفون وخطيرون، وأنهم يشكلون تهديدا للأمن القومي، وأنهم إرهابيون يجب السيطرة عليهم بيد عسكرية قاسية، هذا ما نقرأه في الأخبار يوميا، كما قالت لـ DW.

غواتيمالا، الرئيس جاكوبو أربينز غوزمانصورة من: picture-alliance/AP Photo

هل الولايات المتحدة الأمريكية جمهورية موز؟

بعد اقتحام مبنى الكابيتول في 6 يناير 2021 ظهر مصطلح "جمهورية الموز" في التعليقات السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية. ترى تشومسكي أن هذه الصورة "تنظر إلى النتائج وليس إلى الأسباب". بالنسبة لها الولايات المتحدة هي "بطبيعتها" جمهورية موز ، لأن نموذج شركات الموز الاستغلالية "هو مصدر أساسي لتاريخ الولايات المتحدة بقدر ما هو مصدر أساسي لتاريخ هندوراس".

إن الاستهلاك المفرط للولايات المتحدة هو "نتيجة لاستعمارنا لكل شيء من الأرض إلى الغلاف الجوي. وهذا يعني أن الموز أو الاستغلال الاستعماري جعل الولايات المتحدة ما هي عليه اليوم".

وتضيف أنه نادرا ما يُذكر أيضا هو كيف دعمت الولايات المتحدة الانقلابات في أمريكا اللاتينية وأجزاء أخرى من العالم. وتوضح ذلك بنكتة انتشرت في أمريكا اللاتينية بعد أحداث 6 يناير: "لماذا لا تحدث انقلابات في الولايات المتحدة أبدا؟ الجواب: لأنه لا توجد فيها سفارة أمريكية".

احتقاري أم وصفي؟

تلاحظ العالمة واللغوية الأمريكية آن كورزان أن مصطلح "جمهورية الموز" قد خضع لتغيير دلالي نموذجي للغات الحية. في حين أن المصطلح كان يشير في الأصل إلى القصة المذكورة أعلاه "أصبح مرتبطا بمرور الوقت بسمات أخرى لبعض هذه البلدان التي، كما يجب أن نضع في اعتبارنا غالبا ما كانت تُستغل من قبل هذه الشركات الأجنبية بما في ذلك عدم الاستقرار والحكم العسكري أو الديكتاتورية وأحيانا الفساد"، كما أوضحت لـ DW.

المكسيك، مكسيكو سيتي 2014 ، غابرييل غارسيا ماركيز يرحب بمعجبيه في عيد ميلاده الـ 87صورة من: Eduardo Verdugo/AP Photo/picture alliance

واليوم يُستخدم هذا المصطلح أيضا للدول التي ليس لها تاريخ من الشركات أو تصدير المواد الخام. وتضيف كورزان أن هذا الاستخدام الموسع أدى إلى إضفاء غموض على المصطلح. "عادة ما يكون مصطلحا ازدرائيا وهذا أقل غموضا". لكن يجب أن نفكر جيدا "في ما نريد نحن أو الآخرون انتقاده باستخدام مصطلح "جمهورية الموز" ، تضيف كورزان.

تتناول تشومسكي هذه النقطة قائلة: "إذا كان يشير إلى خصائص معينة للناس فإنه مصطلح عنصري وسلبي". "إذا كان يشير إلى علاقات تاريخية قوضت السيادة فإنه مصطلح مفيد".

وترى أن هذا التمييز مهم، لأن هناك ميلا إلى التعامل مع الفقر والعنف والفساد على أنه أمور طبيعية في أمريكا الوسطى. وهي تشير إلى أن الرئيس السابق جو بايدن حاول ذات مرة معالجة "الأسباب الجذرية" للهجرة والفقر والعنف والفساد. ولو كان قد سأل عن ماهية هذه الأسباب، كما تقول تشومسكي "لقد كان عليه أن يتعامل مع حقيقة أن "حلوله" بالذات، السيطرة العسكرية والمساعدات والاستثمارات الأمريكية هي التي تسببت في هذه المشاكل في المقام الأول".

لقد دخل مصطلح "جمهورية الموز" منذ فترة طويلة إلى لغات أخرى، منها الألمانية والفرنسية والإسبانية والعربية. تقول تشومسكي إنه يُستخدم أيضا في أمريكا اللاتينية في السياقات السياسية أو الأكاديمية.

هندوراس ، بويرتو كورتيس 1954 ، تحميل الموز في رصيف شركة يونايتد فروتصورة من: AP Photo/picture alliance

لا يهتم معظم الأمريكيين اللاتينيين بما إذا كان المصطلح صحيحا سياسيا أم لا، فهو يصرف الانتباه عن الحقائق القبيحة. تقول تشومسكي: "يجب أن نكون قادرين على التحدث عن العلاقات التاريخية التي قوضت السيادة، وألا نتظاهر بأن كل بلد هو كرة بليارد حرة تتدحرج على طاولة البليارد في ظل ظروف متساوية".

أعده للعربية: م.أ.م (ع.ج.م)

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا