آخر الأخبار

القصر الكبير.. تاريخ من الفيضانات يوازيه “أزمة تخطيط وتنسيق”

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

القصر الكبير- تستعيد مدينة القصر الكبير شمالي المغرب ذاكرتها "الفيضية" مع ما تعيشه الآن من حالة تأهب قصوى جرّاء كارثة الفيضان، وكأن المدينة تُبعث من جديد في قلب مجراها الطبيعي القديم.

ولم يعد المشهد المائي مجرد هطول أمطار، بل أصبح صدمة تعصف بالنسيج العمراني للمدينة، وتُجبر السكان على مواجهة حتمية جغرافية جرى تجاهلها طويلا.

وبين ضغط فيضان وادي اللوكوس على المدينة وحسابات الاستفادة القصوى من ملء سد "وادي المخازن" بسبب توالي سنوات الجفاف، تطفو على السطح هشاشة التخطيط الحضري وفجوة السياسات الوقائية، محوّلة السكن اللائق من حق إنساني إلى مغامرة محفوفة بالغرق.

مدينة الفيضانات

ويبدأ فهم فاجعة مدينة القصر الكبير من تاريخها الفيضي، إذ ظلت الأودية والمجالات المنخفضة شاهدة على موجات متكررة من غمر المياه، وإن لم تسبب كارثة مثل ما حدث في الأيام الأخيرة.

ومنذ بناء سد "وادي المخازن" عام 1979، قلَّ الخوف من الفيضانات، إذ لم يشهد السد الملء الكامل منذ تأسيسه إلا في حالات معدودة.

وقال مدير المركز الدولي للدراسات الإستراتيجية والتنموية مصطفى العيسات إن المدينة تقع في قلب مجرى وادي اللوكوس، وتتأثر مباشرة بمساره وتجاورها الطبيعي للسهول الفيضية، مما يجعلها أكثر هشاشة عند ارتفاع منسوب المياه.

كما تضم المدينة -حسب العيسات- أحياء منخفضة تقع تحت منسوب مجرى الوادي، مما يجعلها عرضة للغرق السريع عند ارتفاع منسوب المياه، إضافة إلى التأثير التراكمي الحالي لسد "وادي المخازن" الذي أدى إلى فتح السدود الأخرى، وزاد من تدفق المياه نحو المدينة.

ويذكر الباحث المغربي في الجغرافيا والماء مصطفى عيشان فيضانات يناير/كانون الثاني 1963 التي عرفها سهل الغرب بحوض "سبو" (شمال غرب القصر الكبير) والتي أُلغيت بسببها شعائر عيد الأضحى، وبذلت الدولة جهودا بتجفيف المنطقة لتفادي انتشار الأمراض.

مصدر الصورة الفيضانات في القصر الكبير تسببت في نزوح المواطنين من منازلهم (الجزيرة)

غياب التخطيط

ويكشف التوسع العمراني غير المنظم داخل المناطق المعرَّضة للغرق فجوة عميقة بين الترسانة القانونية التي تحيط بعمل السدود وإدارة الموارد المائية، وما يجري تطبيقه فعليا على الأرض، إذ لا تزال الرقابة غير كافية لضمان تطبيق النصوص الزجرية (القوانين الرادعة) في المناطق التي تشكّل مجاري طبيعية للمياه.

إعلان

وقال خبير البيئة والتخطيط العمراني أحمد الطلحي إنه ينبغي التذكير بأن أغلب الفيضانات التي نشهدها الآن، خصوصا تلك المرتبطة بالسدود، تعود إلى كون عدد من هذه المنشآت أُنجز في فترات لم تكن فيها قوانين تُلزم بإعداد دراسات التأثير في البيئة، التي تفرض استحضار جميع الأخطار المحتملة، سواء أكانت طبيعية أم بشرية.

وأضاف الطلحي للجزيرة نت أنه على مستوى التخطيط العمراني والحضري، ومنذ فيضانات "سطات" و"المحمدية" في بداية الألفية، أصبح إعداد وثائق التعمير اليوم ملزما بالاعتماد على خرائط مجال المياه، ومنها الخرائط الهيدروغرافية (خرائط بحرية وملاحية) إذ تُصنَّف المناطق التي تشكل مجاري للمياه -وفق المصطلح التعميري- بأنها مُحرَّم البناء فيها.

وشرح الخبير البيئي مصطفى بنرامل العجز في التنسيق القطاعي، مبرزا أن "التخطيط البيئي المندمج يفترض تنسيقا فعليا بين مختلف القطاعات المتدخلة، لكن ما يحدث هو اشتغال مجزَّأ يجعل كل قطاع يعالج جزءا من المشكلة دون معالجة جذورها".

ونتيجة لذلك، يقول بنرامل "تتحول التدخلات الطارئة -كإفراغ السدود أو إقامة حواجز مؤقتة- إلى حلول متكررة لا تقلل الخطر، بل قد تعيد إنتاجه في مواقع أخرى".

الأسباب والمطلوب

واجهت القصر الكبير في الأيام الأخيرة تحديات مناخية غير مسبوقة، بفعل تساقطات قصيرة المدى وعالية الكثافة، تجاوزت قدرة شبكات الصرف والمجاري المائية.

ويقول خبير البيئة بنرامل إن هذا الضغط المناخي "وضع إدارة السدود أمام اختبار دقيق، كما أن غياب إعادة تهيئة الأودية والمجاري الطبيعية ومناطق التوسع الحضري الهش فاقم قابلية المناطق الحضرية للغرق، فبدل إعادة فتح المجاري الطبيعية أو خلق مناطق تمدد للفيضانات، يجري غالبا تطويق الأودية أو تغطيتها، وهو ما يرفع منسوب الخطر عند أول تساقط استثنائي".

في حين أوضح الباحث الطلحي أنه "عندما تبلغ السدود الكبرى نسبة ملء تقارب 70%، يجري الشروع في عملية التفريغ، حتى وإن كانت نسبة الملء أقل في حال وجود توقعات بأمطار طوفانية، ويبقى قرار التفريغ خاضعا لتقدير إدارة السد بناء على المعطيات التقنية والمناخية المتوفرة لديها".

ويجعل غياب التنسيق بين القطاعات التدخلات -غالبا- مجرد رد فعل طارئ، في حين أن المطلوب دمج التخطيط العمراني مع إدارة الموارد المائية لتقليل الخطر المستقبلي، خاصة بالنسبة للفئات الهشة التي تتحمل العبء الأكبر.

وفي السياق، أكد الخبير العيسات أن التوسع العمراني في المناطق المعرَّضة للخطر هو نتيجة عجز الفئات الهشة عن النفاذ إلى سكن لائق في مناطق آمنة، وهذه الفئات تُجبَر على الاستقرار في الأراضي المنخفضة الرخيصة، التي تُعَد أراضي ميتة تجاريا لكنها معرَّضة للفيضانات.

ويختم الباحث الأكاديمي عيشان بأن "التخطيط الحضري يجب بالضرورة أن يأخذ بعين الاعتبار الظروف الطبيعية، أي كل الأخطار الممكنة، لذا يجب إنجاز خرائط الأخطار وخرائط الأماكن القابلة للفيضان، وبناء عليها تُمنح التراخيص للبناء السكني".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا