آخر الأخبار

ماذا قال المهندس القسامي بعد 23 عاما في السجن؟

شارك

بدت الطاولة الصغيرة لوحةً فنيّة تُشكِّلها ألوان الأطباق الصغيرة الموزّعة عليها باحترافية؛ فالإفطار التركي يقوم على الاستعراض. من قائمة الطعام في مطعم إسطنبوليّ مشهور بوجبة الإفطار، طلبتُ إفطارا لشخصين، ولكنه حين جاء كان يكفي لإطعام فريق كرة قدم يمارس حمية خاصة.

صحون زيتون أسود وأخضر لامعة كأنها نجت للتو من معصرة، جبن أبيض يتكسّر على طرف الشوكة في صحن كبير يجمع أنواعًا أخرى من الأجبان، وشرائح خيار وطماطم مُبلّلة بزيت عفرين، و6 أنواع من المربّى موزعة في أطباق مجهريّة، لم أعرف منها سوى اثنين: مربى الفراولة والمشمش، وطبق عسلٍ إلى جانب قشطة طازجة كثيفة ينتظران شرطهما الوحيد: سِميطٌ ساخن.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 عصر الإمبراطورية الجديد.. ترمب يستخدم نهج أمريكا عام 1898
* list 2 of 2 ترمب يستعد لضرب إيران.. كيف ستبدو المواجهة؟ end of list

مددتُ يدي لأصبّ لمحمود شريتح الشاي، لنشرع في ممارسة طقس سلطانيّ خرج من قصور العثمانيين لكل بيوت الأتراك.

قال بهدوء: "لا، أنا ما بشربش شاي".

توقفتُ وتلفّت حولي خشية أن يسمعنا أحد من الأتراك، مَن هذا الشخص الذي يعيش في هذه المدينة ولا يدخلها من بوابة الشاي. ابتسمتُ، وقلتُ مازحا: "يعني الشاي التركي ما أقنعك؟".

هزّ رأسه، كمَن يعتذر للشاي لا لي: "تعوّدت على الشاي الفلسطيني!".

لم أستتم محاولة تسويق الشاي التركي لهذا المستخدم الجديد حتى قاطعتنا النادلة: "كيف تُفضِّلان البيض؟"، وبدأت تسرد قائمة من الخيارات التي ترجمتها بكل كفاءة لضيفي، فحصيلتي من اللغة التركية بعد سنوات من العيش في إسطنبول تكفيني لتدبير أموري في مطاعمها، ومشاتمة سائقي التاكسي النزقين إذا لزم الأمر، ليس أكثر.

أمام طوفان من الخيارات والإضافات، قال لي بكل أدب: "البيض البسيط أحسن عندي".. "اجعليه بيض عيون" قلتُ لها.

كان الطعام طيِّبا، أخذت يدي تقفز من طبق إلى طبق، وأنا أقول له: "لقد انتهت سنوات الحرمان، أصب من هذه الطيبات".

راقبتُ يده وهي تلتقط لقمةً صغيرة، ثم تعود إلى مكانها، بدون شراهة أو رغبة في ترف، زهدٌ خفيٌّ غير معلن.

إعلان

لم يأخذ من الطعام إلا ما يألفه السجين. كانت علاقته بالطعام لا تقوم على الذائقة، بل على سياسة للنجاة: لا تُكثر من الأشياء حولك كي لا تُكثر القيود.

قلت لنفسي -وأنا أتأمل سلوكه المقتصد، بفمٍ ملآن-: "هذا رجل يتعامل مع اللذائذ كما يتعامل مسافر مع حقيبته، كلما ملأها مستكثرا مما يظن أنه يوفر له رفاهية أكبر، أصبح الطريق أصعب وأكثر مشقة معها".

أخرجتُ جهاز التسجيل ووضعته على الطاولة بقرب طبق الزيتون: "آسف على التسجيل، لا أحب أن أذكّرك بالتحقيق، لكنه سيسهّل عليّ عملي لاحقا حين أعود إليه".

ابتسم وقال: "لا تقلق، تسجيل المحقّق ما بتشوفه".

كانت ورقة الأسئلة التي حضّرتها قبل اللقاء في مرمى نظري، لكني انصرفتُ عنها، وأردتُ أن أختبر الخلاصة التي انتهيت إليها قبل أن أبدأ الحوار بمجرد مراقبة سلوكه الاقتصادي في الخيارات على طاولة الطعام.

"لقد صحبتَ كثيرا من الاستشهاديين في الانتفاضة الثانية، كيف تصقل صحبة مَن يذهبون إلى موتهم بإرادتهم مفهوم الإنسان عن الحياة؟".

توقفت يده على الطبق، وقال: "بالتأكيد أن صحبة أولئك تصقل نظرتك عن الحياة. في المقاومة هناك أشخاص يعملون في التصنيع، وأشخاص يحترفون السياسة، وآخرون في التربية، وجميعهم قلما يعايشون هذه الخامة من البشر، أولئك الذين عقدوا الصفقة مع الله، وأشرفوا على شواطئ الغيب واستعدوا للآخرة".

ثم سكت لحظة، كأنه يفتش في ذاكرته عن صورةٍ بعينها لا عن فكرة.

وقال: "بتذكّر يوم كنت أمشي مع أحد الإخوة رحمه الله.. استشهادي.. كان وقتها عندي كاسيتين (=شريطيّ تسجيل) -أظن لمحمد حسان- في وصف الجنة. سمعتهما بالأمس. قلت له: أنا أمس كنت أسمع كذا وكذا… قال: حدّثني".

كانت نظراته تخترقني وهو يحكي، كأنه يرى الطريق الذي كان يمشيه.

"بدأت أحدثه ونحن نسير، حتى انتهى الطريق وصار بدنا نفترق.. سكتُّ لأودّعه.. قال لي: أكمل! قلت له: خلصت.. الطريق خلص.. بدنا نفترق. قال: احكي كمان، فاستأنفت الحديث".

توقّف قليلا، ثم قال الجملة التي ظلّت تطنّ في أذني مثل ملعقةٍ وقعت على أرض مطعم:

"حين نظرت إلى وجهه وأنا أبحث عن موقع كلامي منه، قلتُ: سبحان الله! أنا أتحدث عن الجنة، بس يبدو إنه كان هناك.. كان يعيشها".

"هؤلاء فعلا يتركون أثرًا في تفكيرك، وفي نظرتك لكثير من الأمور".

"لكن الناس أحيانا تتخيّل الاستشهادي وكأنه يعاني من عُقَد مع الحياة، ولذلك يختار إنهاءها، فكيف يصبح مصدرا للإلهام؟"، قلت له وأنا أظن أنه سيزعجه السؤال.

لم يغضب أو يرفع صوته، فقط أزاح الفكرة بيدٍ واحدة، كما يزيح الفتات عن طرف الصحن:

"لا، الاستشهادي لا يعاني من عقدة مع الحياة، بل هو الأكثر فهما لها ولحدودها. ولذلك يطلب حياة كاملة".

ثم ذكر اسما كأنه يعرف أن ذِكْره وحده يكسر الصورة النمطية: "خذ ساهر التمام من نابلس مثلا. كان من أوائل الاستشهاديين، إنسان ما ينقصه شيء. من عائلة ثرية، يملك سيارة، ويعيش في قصر، كان يقدر يعيش حياة ناعمة، وما يلتفت لكثير من اللي حوله.. لكنه بادر، واختار أن يتطوّع".

في 16 أبريل/نيسان 1993، نفّذت المقاومة عملية استشهادية استهدفت حافلتين عسكريتين إسرائيليتين في مستوطنة ميحولا الواقعة على بُعد نحو 15 كيلومترا من نهر الأردن. قاد ساهر حمد الله التمام سيارة مفخخة جُهِّزت بإشراف يحيى عياش، واتجه بها نحو حافلتين عسكريتين إسرائيليتين متوقفتين في الموقع.

إعلان

أسفر الانفجار عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجنود الإسرائيليين، في حادثة وُصفت حينها بأنها أول عملية من هذا النوع تحقق نتائج ميدانية مؤثرة، وشكّلت نقطة تحوّل في مسار العمليات الاستشهادية خلال تلك المرحلة من الصراع.

"عندما كنتُ أراجع تاريخ الانتفاضة في المصادر العبرية وجدت أن العمليات الاستشهادية تشكل الخطر الأول في عقلية المحتل!" قلتُ معلقًا.

"في الستينيات زار وفد من منظمة التحرير الصين، واجتمعوا ب ماو تسي تونغ، تخيل.. ماو الشيوعي!

فكان مما قاله لهم: أنتم جايين تاخذوا التجربة منا ونحن قد أفدنا من الخطابي وغيره.. وبعدين أنتم عندكم عنصر لو وُجد في ثقافتنا مثله لحسمنا الكون كله مش بس صراع.. عندكم عنصر اسمه الجنة".

وتابع وهو يحرك الشوكة فوق طبق الزيتون كأنه يرسم فكرةً: "فكرة العيش ما بعد الموت لما تسيطر على عقل إنسان تنقله من مكان إلى مكان آخر".

مهندسُ الأحزمة

يُعدّ محمود شريتح واحدا من أبرز الأسماء التي برزت في بنية العمل القسّامي خلال مطلع الألفية، جامعا بين النشاط الطلابي والتنظيمي. في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2002، اعتقلت وحدة من القوات الخاصة الإسرائيلية المستعربة محمود شريتح بالقرب من مسجد سيد قطب في مدينة رام الله، بعد فترة مطاردة طويلة. نُقل فورا إلى سجن المسكوبية، حيث خضع لتحقيق قاسٍ وعزلٍ انفرادي استمر خمسين يوما، قبل أن يُحوَّل إلى سجن هداريم ثم إلى سجن إيشل في بئر السبع.

ووفق لائحة الاتهام الصادرة عن محكمة الاحتلال في "بيت إيل"، وُجّهت لشريتح سلسلة من التهم المرتبطة بمقاومة الاحتلال، من بينها المسؤولية عن تشكيل خلايا عسكرية، والتدريب على السلاح، وتجهيز عبوات ناسفة، إضافة إلى الإعداد لعمليات استشهادية. ونسبت المحكمة إليه العمل ضمن الدائرة القيادية المرتبطة بقادة في كتائب القسام، أبرزهم الأسيران إبراهيم حامد و عبد الله البرغوثي، كما اتُّهم بالمسؤولية عن تجهيز منفذي عمليات داخل إسرائيل خلال انتفاضة الأقصى.

وتشير الرواية الإسرائيلية إلى أن اعتقاله جاء بعد العملية القسامية التي نفذها إياد رداد من نابلس ردًّا على اغتيال قائد كتائب القسام صلاح شحادة في غزة، وأنه كان يستعد لإرسال منفذ آخر لتنفيذ عملية عند مدخل أحد مقاهي شاطئ تل أبيب.

إلى جانب نشاطه التنظيمي، عُرف محمود شريتح بدوره الطلابي في جامعة بيرزيت، حيث شغل منصب أمير الكتلة الإسلامية ورئيس مجلس اتحاد الطلبة، وكان من الوجوه القيادية البارزة في العمل النقابي والسياسي داخل الجامعة. كما يُعرف بحفظه للقرآن الكريم، وإتقانه اللغتين الإنجليزية والعبرية، إلى جانب اهتمامه بالأدب العربي.

وعلى مدى ما يقارب عقدين من الأسر، راكم شريتح تجربة طويلة داخل المعتقلات الإسرائيلية، متنقلا بين عدد من السجون، في مسار بات يمثل نموذجا لجيل من كوادر العمل القسّامي الذين انتقلوا من ساحات التنظيم والجامعة إلى زنازين الاعتقال، حيث تحولت السجون إلى محطة مركزية في سيرتهم السياسية والتنظيمية.

آخر أيام الجحيم

منحتُهُ فاصلا من الصمت حتى يأكل قليلا، فقد أشغلته بأسئلتي وبقيت أستمع إليه وضرسي يطحن. عددتُ له ثلاث لُقيمات، ثم قلت له وأنا أقلب سؤالي في فمي قبل أن ألفظه: "كيف كان اليوم الأخير؟ يوم الإفراج.. كيف كان؟".

لم يجبني فورا.

مدّ يده إلى طبق الزيتون، اختار حبّة واحدة فقط، ثم قال كمَن يفتح بابا لا يحب دخوله لكنه مضطر:

"يوم الإفراج.. ما كان يوما، كان زمنًا ممتدًا في نحو اثنتين وسبعين ساعة متصلة".

تعالت في المطعم نغمة حزينة من الموسيقى التركية، أضافت بُعدا دراميا لحديث رجل يحكي عن آخر أيامه في الجحيم.

"جمعونا في سجن النقب.. كان البرد مزعجا جدا، برد صحراوي، يقرص العظم. أول ما وصلنا، صادَروا كل شيء كانوا سامحين فيه قبل، ما تركوا علينا إلا اللي يستر العورة.

إعلان

ثم وزّعونا على الزنازين، كانت الزنازين مكتظّة. زي اللي بدهم يخنقوك بالعدد إضافة للقيد".

كنتُ أستمع لحديثه باحثًا عن نبرة تشبه الشكوى؛ فلم أجدها، كان كانت نبرته محايدة، كأنه يسجّل الواقعة كما هي: هذا حدث، وهذه تفاصيله، وهذا أثره.

"بين فترة وأخرى يعودون إلى التحقيقات والأسئلة.. كانوا حريصين على جعل اللحظات الأخيرة امتدادا للعذاب.

وحين اقتربت لحظة التسريح، جمعونا في قفص حديدي كبير، ووضعوا أمامنا شاشة بث ضخمة".

"شاشة؟ ليش؟". سألته

قال وهو يحرك كفّه حركة صغيرة: "كانت الشاشة تعرض الدمار في غزة، وضربات جيش الاحتلال هنا وهناك، واغتيالات.. الشريط ربع ساعة بس يعيدوه، ويعيدوه، ويعيدوه".

كان يصف التكرار كأنه جزء من التعذيب. ليس المهم ما يُعرض، بل أن يُعرض عليك مرارا حتى تتعب من مقاومة أثره، ويصل إلى عقلك الباطن أن دولة الاحتلال لا حدود لقوتها.

"كانوا بدهم يزرعوا يأس أو هزيمة روحية في اللحظة الأخيرة.

ثم عادوا إلى الروتين الذي يقتل الإنسان بالانتظار: مقابلات جديدة.. استمرّينا طول الليل تقريبا لحد حوالي العاشرة صباحا".

في تلك اللحظة، جاءت النادلة وسألتنا إن كنا نريد شايًا آخر. التفتُّ إليه قبل أن أرد ظنًّا أنه سيغيّر رأيه ويختار التجربة. هزّ رأسه: "لا". ابتسمتُ للنادلة وقلت: "Sağ olun"(= ممتن لكِ)، نبهتني مقاطعة النادلة أن الناس خارج هذا الحديث يعيشون يوما عاديا.

انتظر حتى ابتعدت النادلة، ثم عاد ليواصل حديثه: "قبل أن ينقلونا للباصات، جاءنا ضباط الشاباك، وأخذوا في التهديد: "ما أغلقنا الحساب معك.. سنصل إليك أينما ذهبت. لن تنجو. أمثالك لازم يتعفنوا في السجون. أمثالك ما لازم يشوفوا الشمس"".

سكت لحظة، ثم قال بهدوءٍ: "كان اختبارا أخيرا لصبرك، لقوة روحك. بين العاشرة والواحدة وصل وفد الصليب الأحمر، دققوا الأسماء واحدا واحدا، وبعدين قالوا لنا: رح تُبعدوا خارج فلسطين".

"هل اعترضتم؟". سألتُ

رفع كتفيه: "كنا نعرف القرار مش بإيدنا.. الاعتراض ما بغير شيء". ثم قال جملة خرجت منه بحسرة ظاهرة: "طبعًا كنا نتمنى نرجع بيوتنا.. الأهل، الأحباب، بس ما باليد حيلة".

"لكن إذا خرجت إلى الضفة.. ما خفت إن السلطة تعتقلك ثاني يوم؟". قلتُ محاولًا أن أطرد غمامة حزن أخذت تخيّم عليه.

نظر إليّ باستغرابٍ، كأنني سألته سؤالًا خارج النص: "الصراحة.. لم يخطر ببالي هذا أصلا".

ثم قال وهو يضع أصابعه على حافة الطبق: "أنا على المستوى الشخصي كان أهم شيء عندي أكون بين أهلي وأقاربي وأحبتي.. قبل أي شيء.. ولأشياء أخرى". قال الكلمة الأخيرة بصوت خفيض، كأنه كان يخاطب نفسه.

أردتُ أن أخفف من جو الكآبة الذي غمر الجلسة، فسألته محاولا إحياء ذكرى مضيئة: "طيب.. أكيد كان عندك أمنيات.. بعد ثلاث وعشرين سنة، ما الذي كنت تتمنى فعله بعد أن تنال حريتك؟".

هنا تغيّر شيء في وجهه، لم يعد وجه "الرجل الذي يصف الوقائع"، بل صار وجه "الرجل الذي يحاول ألا ينكسر".

قال: "يمكن كنت أقدر أجاوبك لو كانت ظروف الإفراج غير، لو كان المشهد زي صفقة وفاء الأحرار.. الناس تستقبل، فرح، كرامة..".

ثم قطع الجملة ببطء، وقال: "بس اللي صار كان شيء ثاني".

مدّ يده إلى كوب الماء، شرب، ثم نظر إلى الطاولة دون أن يراها: "لما شفنا حجم الدمار في غزة، انسحبت من القلب الأمنيات الشخصية، لم تعد تليق بزمن التضحيات الذي خرجنا فيه"، اختنقت الكلمات في صوته وأخذ يبكي بشموخ.

سحبتُ المنديل الورقي وناولته إياه، أخذه، ومسح عينيه بعجل.

قال بصوت يختلط بالدموع: "ما عاد يعنيني كثير إنه أفرج عني، وجع غزة أكبر من إنه يترك مساحة لأحلام فردية".

ثم أضاف، وهو يحاول أن يستعيد نبرته التقريريّة حتى لا يُغرقه الشعور: "ما فكرت مين رح أقابل، ولا شو رح آكل، ولا شو رح ألبس، التفاصيل هاي صارت أقل من ثانوية".

محاولا إعادة المحاولة الفاشلة في تجاوز الكآبة، قلت له: "ولكن ألستَ قد قمت بواجبك، ودفعت قسطا من عمرك لا يبذله أكثر الناس، ألم يحن الوقت الآن للتقاعد من العمل الثوري والنضال؟ سيقول لك كثيرون لقد أديت ما عليك، ولن يلومك أحد".

ابتسم ابتسامة صغيرة، كأنه تعب من تكرار الحقيقة على قومٍ يسمعونها ولا يريدون فهمها: "الأمة كثير من شبابها ومثقفيها لا يميزون بين العمل كوظيفة والعمل كرسالة".

ثم نظر إلى عينيّ مباشرة وقال: "الثائر ليس موظفا، والمجاهد ليس موظفا. أبو أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- كان عمره تسعين سنة وطلع مع الجيش للقسطنطينية، لم ينظر إلى الجهاد كساعات عمل، ولم يبحث عن أجر نهاية الخدمة أو التقاعد.

إعلان

أبو أيوب كان فاهم إنه الإنسان ما دام فيه نفس فهو عامل لا يتوقف، الرسالة ما بتتعلق على باب مكتب، ولا تنتهي براتب آخر الشهر".

ثم سكت لحظة، وقال كمَن يحاضر في جماعة: "لا ينبغي للمجاهد أن يتوقف عن العمل إلا في حالتين: إما أن يصل إلى غايته، وإما أن يقضي دونها".

كان صعبا عليّ أن أستوعب أن هذه قناعة رجل قضى نحوا من ربع قرن في السجن ويتحدث بهذه الحماسة: "يعني بعد 23 سنة ما خطر ببالك تقول: خلص.. راحة؟"، سألته بحثًا عن اعتراف ببشريّته.

هزّ رأسه بالنفي على الفور وقال: "ما خطر". ثم قال وهو ينظر إلى خارج المطعم كأن غزة هناك وراء الزجاج: "كيف يخطر وقد رأينا ما رأينا؟".

فلسفة النصر

مددت يدي إلى جهاز التسجيل، وقرّبته منه، وأنا أقول له: "لقد رأينا أشياء كثيرة خلال حرب الإبادة، يبدو لي أن المقاومة قد استفرغت كل طاقاتها في الإعداد، أو لنقل ما أمكنها بذله للإعداد في بيئة محاصرة على مدى نحو عقدين من الزمان، ومع ذلك، كل ما كنت تقولونه لشبابكم عن النصر وقربه، يبدو اليوم بعيدا جدا".

كنت حريصًا أن أسمع جواب رجل يفيض إيمانا بفكرة المقاومة، ويُعدي مَن يجالسه بها.

"بعد كل هذا التضحية والثبات والإصرار، أين النصر؟" قلت.

قال: "الناس تتعامل معه كأنه ضربة قاضية. أول شيء لازم نحرر مفهوم النصر، لأن كثيرا مما يدور حولنا اليوم هو معركة تعريفات".

ثم سألني سؤالا يحمل جوابه داخله: "هل النصر هو النصر العسكري فقط؟".

أجبتُ: "هو مطلوب مَن يحمل السلاح!"، ظنًا أنه ينتظر الجواب، ولكنه أكمل دون أن يلتفت إلى جوابي:

"طيب.. ثلاث عشرة سنة في مكة اضطهاد وتعذيب، ومع ذلك كانت نصرا، نصر تأسيس وثبات وبناء إنسان".

كان يتكلم، وأنا أراقب انفعاله بحديثه، هل يولّده من عقله معتمدا على مهاراته الخطابية، أم يتحدث حديث مَن يؤمن بكل ما يقوله؟

شردتُ وأنا منغمس في مراقبته، ثم استفقت على عبارة: "بالمناسبة الطوفان لم ينتهِ بعد. هدأت المدافع، لكن تداعيات المعارك الكبرى تبدأ بعد صمت البنادق".

ثم أشار بيده -إشارة خفيفة- كمَن يرسم دوائر متتابعة: "تداعيات داخل الكيان، في المجتمع، في الجيش، في نظرة العالم، جيل جديد في الغرب يعيد تقييم شرعيته الأخلاقية.. هذه وجوه من النصر أيضا.

ثم هناك جانبٌ آخر بالغ الأهمية: قد يقع الحدث في فلسطين، لكن تداعياته تتوزّع في بقاع أخرى بعيدة عن ساحة الحدث، وأول الأمثلة سوريا.

ما جرى في سوريا من تغيّر سياسي وأمني هو نتيجة مباشرة للطوفان. ومَن يقول بغير ذلك فهو يغلق عينيه عن الحقيقة. كذلك تغيّرت نظرة العالم إلى الكيان الصهيوني؛ جيلٌ جديد في أميركا والغرب يعيد تقييم شرعيته الأخلاقية، وهذا -بحدّ ذاته- وجه من وجوه النصر.

للأسف، نحن أحيانا نفهم النصر كأنه ضربة قاضية على طريقة الملاكمة، بينما النصر في واقعنا قد يأتي بالتراكم، جولة بعد جولة. ورغم حجم الفقد والخسارة، لا يمكن إنكار أنّ نقاطا مهمة قد تحقّقت.

وثمّة معنى إيماني يغفل عنه كثيرون: قال الله تعالى عن بني إسرائيل إنهم يغلبون بحبلٍ من الله وحبلٍ من الناس.

وحبل الله انقطع عنهم تاريخيا بعد انحرافهم عن وحيه، فلم يبقَ لهم إلا حبل الناس. وها أنتَ اليوم ترى كيف بدأ يرتخي حبل الناس.

على كل حال، كما تعلم جيدا، فالذي حارب في غزة ليس إسرائيل وحدها؛ بل العالم كلّه تقريبا، بعربه وعجمه، ورغم ذلك صمدت غزة. وفي العلوم العسكرية، يُعدّ بقاء الضعيف نصرا وهزيمة للقوي".

"دعنا ننتقل إلى ملف آخر" قلتُ له.

"قبل أن ننتقل، أريد أن أقول لك التالي: بعد الهدنة، رأينا كيف استطاعت المقاومة الانتشار وضبط الأمور واستلام زمام الميدان بقوة، مما يدلّ على أنّها لا تزال حية، قادرة على إعادة الكرة في وقت لاحق.

لذلك، التركيز على أنّ "النصر العسكري لم يأتِ" أو أنّ "إسرائيل انتصرت" أو أنّ "غزة انتهت" هو كلام مبكر، لا يراعي الصورة الكاملة.

التداعيات لم تُكشف بعد، وعند ظهورها يمكن الحكم.

انظر مثلا إلى الأزمة الاقتصادية في الثمانينيات التي كادت تعصف بالكيان بسبب حرب 1973؛ مجرد زيادة في الإنفاق أدّت إلى تضخم خانق. فما بالك بما يجري اليوم؟

صحيح أن أميركا ستُنقذهم، لكن المجتمع الإسرائيلي غير مُهيّأ لتحمُّل حياة تقشفية، فقد اعتاد على رفاهية الغرب. هذه الملفات كلها مترابطة، وهي التي ستُجيب عن سؤال النصر في النهاية".

"أحيانا أظن أن انطباعاتنا عن إسرائيل رغبويّة." قلتُ معلقًا، ثم أضفت: "روّج الإعلام العربي، وبما فيه المقاوم، أن إسرائيل لا تصمد أمام الحروب الطويلة، ولكنها صمدت. وأنها لا تقاتل على عدة جبهات، ولكنها فعلت على مدى عامين. وأن المجتمع سيهرب عند أول حرب مفتوحة، ولكن الأمر لم يكن كذلك".

"الشجاعة ليست لها ديانة؛ في اليهود شجعان وجبناء، وفي المسلمين كذلك. التعميمات خطيرة ومضلّلة". قال معقِّبًا. وأضاف: "والتعامل وفق مقررات مسبقة في الأغلب يوقع في مغالطات منهجية قد توصل إلى نتائج غير مرغوبة ولا متوقعة، وما تطرحه هو نموذج لذلك، وهي في المقابل تشبه الفرضية المسبقة أن إسرائيل كيان لا يُهزم.

على كل حال المواجهة القادمة -في تقديري- ستكون في الضفّة. فغزة، رغم دورها التاريخي، تبقى ساحة محدودة. أمّا الضفة فهي ساحة الحسم. إسرائيل -لفقدان عمقها الإستراتيجي- تحاول نقل المعركة دائما إلى ساحات الخصم.
لكن ماذا لو أصبحت المعركة في قلبها هي، واشتعلت الضفة. كيف ستتصرف؟ هذا اختبار لم يحدث بعد.

ولذلك، لا يمكن أن نطلق الأحكام استنادا إلى التحليل النظري وحده. إذا أردنا اختبار العقيدة الأمنية الإسرائيلية، فلا يكون ذلك بالكلام، بل بالتجربة الواقعية".

"لنعُد إلى أيام الجامعة" قلتُ مستعيدًا الحديث عن شخصه. "كنتَ يوما أميرا للكتلة الإسلامية ورئيسا لاتحاد الطلبة في جامعة بيرزيت. هل ترى اليوم أي أفق للعمل النضالي الطلابي في ظل هذه الظروف؟".

قال بهدوء مَن يعرف الطريق: "الجامعات ليست مباني إسمنتية ولا قاعات محاضرات، هي الخزّان الحقيقي لأي نهضة، فيها يتكوّن الوعي، وتتشكّل الكوادر، ويُصنع الجيل الذي قال عنه النبي ﷺ: "نُصرت بالشباب". مَن يمتلك هذا الخزّان البشري ويُحسن توجيهه، يستطيع أن يصل إلى كل ما يريد تقريبا.

ارتشف رشفة صغيرة من قنينة الماء ثم تابع: "لهذا لم يكن الاستثمار في الجامعات يوما ترفا. كل الحركات التي فهمت هذه القاعدة -إسلامية كانت أم غيرها- بدأت من طلاب الثانوية والجامعات.

ربّتهم، وأعدّتهم، وصنعت في داخل الجامعات وعيا جديدا غيّر أنظمة حكم بأكملها في بعض البلدان. الشباب طاقته مختلفة.

نحن حين كنّا شبابا كنا نتقدّم قبل أن نحسب، أمّا اليوم فنحسب قبل أن نخطو خطوة واحدة.

الشاب لا يثقله سؤال الميزانية، ولا تربكه حسابات المسؤوليات".

لكن صوته تغيّر قليلا حين انتقل إلى الجيل الحالي: "جيل اليوم مُسيّس، نعم، لكنه ممزّق أيضا، ويحتاج إلى توجيه".

قبل أيام كنتُ مع صديق يعمل محاضرا في جامعتك القديمة (بيرزيت) وقال لي إنه سأل طلابه يوما عن فتحي الشقاقي، فلم يعرفه أحد في القاعة!" قلتُ معلقا.

قال بنبرة أسيفة: "هذا نتيجة اغتراب صُنِع بعناية: اغتراب عن القضية، عن الفكر، عن الدين، عن كل ما له معنى.

جاءت مرحلة سلام فياض باللعبة الأخطر: إغراق الناس في القروض والديون. أن يبقى الإنسان لاهثا خلف الراتب، مشغولا بلقمة العيش، لا يسأل عن وطن ولا عن مستقبل.

هذه السياسة ليست فلسطينية فقط، بل عربية بامتياز: إبقاء الناس فوق مستوى الغرق بقليل، منشغلين بالنجاة اليومية لا بالتحرر الكبير.

لكن فلسطين لا تصبر طويلا على هذا النمط. عند أول شرارة انتفاضة حقيقية، ينفجر القدر. ينسى الناس الخبز، ويتقدّمون نحو المواجهة، لأن القضية أكبر من الطعام والشراب؛ هي قضية كرامة وحرية ورفض لعبودية تُهان فيها الكرامة صباح مساء".

تنفّس بعمق ثم قال: "لهذا أقول لك: الاستثمار في العمل الطلابي ضرورة. ورغم كل الضغوط الأمنية، والمال السياسي، ومحاولات توجيه التصويت، لا تزال الحركة الإسلامية تتقدّم في انتخابات الجامعات. وهذا وحده دليل أن الوعي لم يمت.

الطالب الذي يدخل العمل الطلابي داخل فلسطين يعرف يقينا أنه لن يُنهي دراسته دون أن يُعتقل مرة أو مرتين. ورغم ذلك يدخل، ويُعتقل، ويخرج".

سألته عن دراسته، فابتسم كما لو يستعرض أرفف مكتبته: "درست في جامعة الأمة المفتوحة في غزة دراسة ذاتية، ثم حصلت على بكالوريوس إدارة أعمال، ثم ماجستير في الاقتصاد الإسلامي في كلية الدعوة في لبنان. وكنت على بُعد فصل واحد من إنهاء ماجستير الدراسات الإسرائيلية في جامعة القدس أبو ديس.

كنت أوزّع وقتي بين الكتب: فقه، وسياسة، وتفسير، وعقيدة، وفكر، وسيرة، وروايات، وكتب أجنبية"، قال هذا وهو ينظر إلى حركة الباب الآلي للمطعم يُفتح ويغلق مع مرور أي عابر أمامه.

"هل تعاني من الأبواب المغلقة؟"، سألته بحثا عما بقي لديه من عُقد السجن.

فهزّ رأسه مطمئنا: "لا مشكلة لديّ مع الأبواب المغلقة.

في السجن كنت أعيش معنى كلمة ابن تيمية: "ماذا يفعل أعدائي بي؟ أنا جنتي في صدري"

الخلوة كانت فرصة.

إن توفر مصحف، أقبلت على القرآن حفظًا وتدبرًا.

وإن توفر كتاب، وزّعت وقتي عليه.

وإن لم يتوفر ورق ولا قلم، خزّنت الأفكار في ذهني، رؤوس أقلام، حتى أعود إلى مكان يسمح بالكتابة فأُسقطها على الورق من جديد".

نظر إلى ساعته، فشعرتُ أن الوقت قد طال به، ويمنعه حياؤه من طلب إنهاء اللقاء. أغلقتُ جهاز التسجيل، وطلبتُ الفاتورة.

شيّعته إلى باب المطعم ووقفتُ أراقبه وهو يستقل سيارته، يضبط المرآة، ويتحرك ببطء وحذر.

خطرت لي خلاصة مجلسنا الطويل دفعة واحدة وأنا أرى سيارته تبتعد، هذا الرجل لم يصل بعد إلى الصفحة الأخيرة من كتاب حياته. بعض الحيوات، مثل بعض القصص الجيدة، ترفض أن تستلم لذوق القارئ فلا تنتهي نهاية متوقعة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا