اتجهت الأنظار إلى العاصمة الصينية بكين، حيث يجري رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر زيارة دعا خلالها إلى شراكة إستراتيجية شاملة مع الصين خلال "الأوقات الصعبة التي يمر بها العالم".
وأشادت لندن وبكين بإعادة ضبط العلاقات بينهما، بعدما تعهّد رئيس الوزراء البريطاني والرئيس الصيني شي جين بينغ بتعزيز التعاون في مجالات التجارة والاستثمار والتكنولوجيا بما يحقق منفعة متبادلة للبلدين.
فما ملامح هذه الشراكة الإستراتيجية بين الصين وبريطانيا؟ وما الخلافات التي قد تعوق التعاون بين الصين وبريطانيا؟ وهل يريد ستارمر إرسال رسالة لترمب مفادها أن التوجه شرقا بات مطلبا أوروبيا؟
في اليوم الثاني من زيارته التي تستمر 3 أيام، عقد ستارمر قمة استمرت 80 دقيقة مع الرئيس الصيني في قاعة الشعب الكبرى قبل أن يتناولا الغداء معا. وقال ستارمر إنهما تحدثا عن كرة القدم وشكسبير إلى جانب المسائل التجارية.
وجعل ستارمر -الذي تكافح حكومته ( حزب العمال) من أجل تحقيق النمو الذي تعهدت به- تحسين العلاقات مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم أولوية.
وأكد عند وصوله -برفقة وفد يضم رؤساء نحو 50 شركة تعمل في مجال الأدوية والسيارات والمالية- أن "من مصلحتنا الوطنية التحاور مع الصين؛ إنها ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وإذا ما أخذنا هونغ كونغ بالاعتبار، فهي شريكنا التجاري الثالث".
وأشار إلى خطة لشركة أسترازينيكا لقيادة تطوير أدوية جديدة عبر استثمار مكثّف في عملياتها في الصين، باعتبار أن ذلك دليل على الفوائد التي يمكن أن تعود على كلا البلدين.
وأكد ستارمر لاحقا تحقيق "تقدم جيد"، مع الإعلان عن خفض الرسوم الجمركية على صادرات الويسكي البريطانية إلى الصين من 10 إلى 5%، إضافة إلى إعفاء من التأشيرة الصينية للإقامات التي تقل عن 30 يوما، وهو امتياز تستفيد منه بالفعل نحو 50 دولة، من بينها فرنسا وألمانيا وأستراليا.
وأثارت مساعي ستارمر للتقارب مع الصين انتقادات لاذعة من بعض السياسيين البريطانيين والأمريكيين الذين يتهمون الصين بشنّ عمليات تجسس على نطاقٍ صناعي، وفي الوقت نفسه بانتهاك حقوق الإنسان.
ولطالما عبرت بريطانيا عن مخاوف بشأن سجل الصين في مجال حقوق الإنسان، لكن علاقتها ببكين اتخذت منحى نحو الأسوأ في أعقاب الاحتجاجات الحاشدة المناهضة للحكومة التي اجتاحت هونغ كونغ عام 2019.
كذلك أدّت مزاعم التجسّس الصيني في المملكة المتحدة ودعم الصين لروسيا في حرب أوكرانيا إلى توتر العلاقات بين البلدين.
لكن ستارمر قال في مستهل اجتماعه مع الرئيس الصيني إن "الصين لاعب حيوي على الساحة العالمية، ومن الضروري أن نبني علاقة أكثر تطورا تتيح لنا استكشاف مجالات التعاون، ولكن بالطبع، تسمح أيضا بحوار هادف حول المجالات التي نختلف فيها".
من جهته، قال الرئيس الصيني إن العلاقات مع بريطانيا مرت "بتقلبات" لم تخدم مصالح أي من البلدين، وإن الصين مستعدة لتطوير شراكة طويلة الأمد.
وأضاف أن "على الصين والمملكة المتحدة، بصفتهما عضوين دائمين في مجلس الأمن وقوتين اقتصاديتين عالميتين كبريين، تعزيز حوارهما وتعاونهما" سواء بشأن الأمن الدولي أو الاقتصاد.
كما انتهز الرئيس الصيني الفرصة لتقديم بلاده بوصفها شريكا موثوقا به ومدافعا عن النظام الدولي والتجارة الحرة، على عكس "النزعة الأحادية والحمائية المتفشية" في الوقت الراهن.
تعد زيارة ستارمر للصين الأحدث ضمن سلسلة زيارات لزعماء غربيين انخرطوا في أنشطة دبلوماسية مع الصين، في وقت تسعى فيه الدول للتحوط في ظل عدم القدرة على التنبؤ بسياسات الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترمب.
وتأتي رحلته إلى الصين على خطى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي، والرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، ورئيس الوزراء الفنلندي بيتري أوربو.
كما تأتي مباشرة بعد زيارة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، الذي وقع اتفاقا اقتصاديا مع بكين لإزالة الحواجز التجارية، مما أثار غضب ترمب.
ومن المتوقع كذلك أن يسافر المستشار الألماني فريدريش ميرتس قريبا إلى الصين.
وشدّد رئيس الوزراء البريطاني -في الطائرة التي كانت تقله إلى الصين- على أن "علاقتنا مع الولايات المتحدة من أوثق العلاقات التي نقيمها، لا سيما على صعيد الدفاع والأمن والاستخبارات، وكذلك التجارة ومجالات عديدة أخرى".
لكنه اعتبر أن "لا جدوى" لبريطانيا من تجاهل بكين، رغم الانتقادات الداخلية التي تأخذ عليه إستراتيجية التقارب هذه مع الصين.
لم تكن بريطانيا بمنأى من حرب الرسوم الجمركية التي شنّها ترمب، رغم "العلاقة الخاصة" التي تجمعها بالولايات المتحدة منذ عقود. وبصفتها عضوا في حلف شمال الأطلسي ( الناتو)، تابعت المملكة المتحدة أيضا بقلق بالغ تهديد ترمب مؤخرا بضمّ غرينلاند وفرض رسوم جمركية قد تصل إلى 25% على أي دولة تعارضه.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة