في ظل ملفات إقليمية متعددة ومعقدة، تتعامل الإدارة الأميركية مع كل أزمة على حدة، من الملف النووي الإيراني إلى التوترات في العراق وسوريا ولبنان وغزة.
وبينما تلوح الضربة العسكرية على إيران في الأفق، تنتهج واشنطن مقاربات دبلوماسية أقل حدة في ملفات إقليمية أخرى.
هذا التوازن الدقيق بين القوة والدبلوماسية يضع المنطقة أمام سيناريوهات متعددة، في وقت تتزايد المخاوف من أي تصعيد محتمل.
الباحث الأول في مجلس السياسات الخارجية الأميركية، لورانس هاس، يوضح في حديثه إلى "غرفة الأخبار" على سكاي نيوز عربية، الرؤية الأميركية والخطوط الحمراء التي تحدد مواقف واشنطن.
مقاربة أولية لاحتمالات الضربة
في حديثه إلى "غرفة الأخبار" على سكاي نيوز عربية، قدّم قراءة حذرة لمشهد التوتر بين الولايات المتحدة و إيران، مؤكداً أنه غير متيقن من حصول ضربات عسكرية وشيكة.
ولفت إلى أن تحريك الأساطيل وحاملات الطائرات الأميركية في المنطقة يندرج في إطار إرسال رسالة سياسية أكثر منه تمهيداً لعمل عسكري مباشر، معتبراً أن تلك الرسائل ترتبط بدرجة أكبر بردود فعل النظام الإيراني على الاحتجاجات الداخلية، وليس حصراً بالبرنامج النووي.
تحريك الأساطيل ورسائل الردع
ويقول هاس إنه غير متأكد من اتجاه الولايات المتحدة إلى تنفيذ ضربات عسكرية، مشيراً إلى أن واشنطن "تُظهر قوتها من خلال تحريك أسطولها وتحريك حاملات الطائرات في المنطقة"، في خطوة وصفها بأنها رسالة مباشرة إلى إيران.
وأوضح أن هذا التحرك لا يرتبط، في تقديره، بالبرنامج النووي بقدر ما يتصل بطريقة تعامل النظام مع الاحتجاجات الداخلية، قائلاً: "لا أعتقد أن هذا تباهي بالقوة يتعلق بالبرنامج النووي بل هو بالأحرى يتعلق باستجابة ورد النظام على الاحتجاجات".
وأضاف أن الرئيس الأميركي سبق أن هدّد باتخاذ خطوات عسكرية في حال قَتل المحتجين، لكنه أشار إلى أن النظام قام بذلك ولم تستجب الولايات المتحدة ولم ترد، معتبراً أن هذا السياق يعزز قناعته بأن واشنطن لا تزال بعيدة نوعاً ما عن ضربة عسكرية، وأنه لا يعتقد أن مثل هذه الخطوة ستقع في نهاية المطاف.
حدود القوة الأميركية ودور الحلفاء
ويوضح الباحث الأميركي أن الرئيس لا يستطيع فرض قراراته منفرداً، وأنه يسعى إلى العمل مع الحلفاء الأوروبيين والمجتمع الدولي، سواء في ما يتعلق بالاحتجاجات في إيران أو بالبرنامج النووي أو بالصواريخ الباليستية.
وأكد أن الولايات المتحدة "قوية جداً ولكن ليست قوية بمفردها"، مشيراً إلى أن إيران أظهرت سابقاً أنها لا تتراجع بسهولة أمام الضغوط.
وانطلاقاً من ذلك، اعتبر هاس أن أي تحرك أميركي سيبقى مشروطاً بتعاون الحلفاء في أوروبا والمنطقة، لافتاً إلى أن الإدارة الأميركية تحتاج إلى هذا الدعم لتحقيق أي اختراق سياسي أو استراتيجي، وأن الرئيس سيحتاج قطعا إلى مساعدة خارجية إذا أراد المضي قدماً في أي مسار ضاغط تجاه طهران.
تحفظات إقليمية وضغوط داخلية
في تقييمه لمواقف دول المنطقة، قال هاس إن الولايات المتحدة تأخذ المسألة على محمل الجد، في ظل إشارات سعودية إلى عدم السماح باستخدام مجالها الجوي في أي هجوم على إيران، ومواقف مماثلة من الإمارات.
كما أشار إلى أن إسرائيل تطرح تساؤلات على واشنطن بشأن خيار الضربة، في وقت تتعدد فيه الضغوط الداعية إلى التراجع، سواء من أطراف إقليمية أو من مستشارين في البيت الأبيض والكونغرس.
وأكد أن صانعي القرار الأميركيين يدرسون عدداً من المسائل قبل الوصول إلى القرار النهائي، ما يعكس، في تقديره، إدراكاً واسعاً لحساسية المرحلة وخطورة تداعيات أي تحرك عسكري واسع النطاق.
مخاوف من حرب شاملة
شدد هاس على أن المنطقة ليست مهيأة لمواجهة عسكرية جديدة، معتبراً أن العواصم الإقليمية قلقة من انعكاسات أي استخدام للقوة الأميركية، ليس على إيران وحدها بل على المنطقة بأسرها، بما قد يفتح الباب أمام حرب شاملة.
وأشار إلى وجود مخاوف واضحة في الرياض وتل أبيب وعدد من العواصم الأخرى.
وربط هذا القلق بالإرهاق الإقليمي من دوامة الصراعات، بعد ما شهدته السنوات الماضية من مواجهات بين إسرائيل وإيران، والحرب في غزة مع حماس، والتوتر مع حزب الله في لبنان.
وبرأيه، فإن تراكم هذه الأزمات جعل المنطقة تئن من الحروب ولا ترغب في رؤية سيناريو تصعيدي جديد، ولا سيما في ما يتعلق باحتمال هجوم أميركي على إيران.
تقييم الأزمات الأخرى وحماية المصالح
انتقل هاس إلى مقاربة واشنطن للأزمات الإقليمية المتعددة، مؤكداً أن كل خلاف يُقيَّم على حدة، وأن الولايات المتحدة تزن كل تصعيد بشكل مستقل.
واستبعد أن تنخرط عسكرياً في أزمات مثل اليمن أو السودان، مشيراً إلى أن واشنطن تُظهر قلقاً من عدم الاستقرار، لكنها في المقابل تسعى إلى حماية مصالحها وشبكة تحالفاتها في المنطقة، التي تشمل إسرائيل والسعودية وتركيا والأردن ومصر.
وفيما يخص اليمن، أشار إلى أن الملف يرتبط بتدخل السعودية وبقضية الحوثيين وتعطيلهم للممرات البحرية ومواجهتهم مع إسرائيل، موضحاً أن الولايات المتحدة ستتعامل مع هذه القضايا وفق قرارات منفصلة، مع التأكيد مجدداً على أنه لا يتوقع رؤية تدخل عسكري أميركي واسع، مع ترجيح استمرار الاعتماد على المسارات الدبلوماسية لمعالجة النزاعات.
غزة ومستقبل مساعي السلام
في ملف غزة، قال هاس إن برنامج الرئيس الأميركي للمستقبل يقوم على افتراض أن حركة حماس ستسلم سلاحها ولن تلعب دوراً في مستقبل القطاع، لكنه عبّر عن قناعته بأن الحركة لن توافق على ذلك.
وأضاف أنه لا يرى دولة، بما في ذلك الولايات المتحدة، راغبة في استخدام القوة لاستئصال حماس من غزة، معتبراً أن غياب هذا الشرط يجعل فرص تحقيق مساعٍ سلمية في المنطقة ضعيفة في المرحلة الراهنة، في ظل المعاناة التي مر بها السكان ودور حماس المستمر في القطاع.
المصدر:
سكاي نيوز