آخر الأخبار

"إنهاء الأزمة أكثر كلفة من استمرارها".. لماذا تحوّل الانقسام في ليبيا إلى "بيزنس" يمنع السلام؟

شارك

قال الصحفي محمد شحات في حديثه مع يورونيوز إن "استمرار الانقسام خلق مصالح مستقرة لبعض الفاعلين في ليبيا، ما جعل إنهاء الأزمة أكثر كلفة من استمرارها".

بعد الثورة التي أطاحت بنظام معمر القذافي في 2011 ، شهدت ليبيا سلسلة من الحوارات السياسية والمبادرات الدولية والإقليمية الرامية إلى رأب الصدع داخل المؤسسات المنقسمة وتهدئة الصراع بين الفرقاء الليبيين. ومع ذلك، لا تزال البلاد منقسمة بين برلمانين وحكومتين: برلمان و حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دوليًا بقيادة رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة ومقرها طرابلس غرب ليبيا، وحكومة وبرلمان أخريان في الشرق تحت سيطرة المشير خليفة حفتر بقيادة رئيس البرلمان عقيلة صالح، كل ذلك فيما تتنافس الميليشيات المسلحة على النفوذ والسيطرة على الثروة والأرض.

وفي آخر التطورات**،** أعلنت القاهرةعن زيارة وزير خارجيتها بدر عبد العاطي إلى تونس للمشاركة في اجتماع آلية التشاور الثلاثي ضمّ نظيريه التونسي والجزائري حول ليبيا. لكن سرعان ما أعربت الخارجية في طرابلس عن تحفظها على عقد أي اجتماعات أو مشاورات تخص شؤون البلاد دون مشاركة أصحاب الشأن، مؤكدة ضرورة احترام سيادة ليبيا وأن تكون أي حوارات بشأنها بموافقتها المباشرة.

فلماذا فشلت كل هذه المسارات؟ وما الطريق الواقعي للخروج من هذا المأزق؟

أزمة بنيوية تتجاوز طاولات التفاوض

تعدّدت أسباب فشل الحوارات السياسية في ليبيا على مدى السنوات الماضية، ونتج ذلك عن تداخل معقّد بين عوامل سياسية وأمنية متجذرة. إذ أن ''غياب الإرادة السياسية الجادّة'' لدى عدد من الأطراف، وعدم استعدادها للتخلي عن مكاسب شخصية ومؤسسية تراكمت خلال سنوات الصراع، أسهم في جعل أي اتفاق محتمل هشًّا وقابلًا للانهيار. كما أدى انقسام المؤسسات إلى نشوء تحالفات مصلحية يصعب تفكيكها دون أن تتكبد النخب المهيمنة خسائر مباشرة.

وما زاد في تعقيد المشهد السياسي في ليبيا وجودُ عدة مسارات تفاوضية موازية، وتتنافس أحيانًا مع بعضها البعض، ما منح الأطراف هامش مناورة أكبر، والتراجع عن أي التزامات لا تتوافق مع مصالحها.

وفي هذا السياق، قال الصحفي الليبي محمد شحات لـ"يورونيوز" إن فشل الحوارات السياسية يعود أساسًا إلى أنها لم تُبنَ على معالجة جذور الأزمة، بل اقتصرت على إدارة مظاهرها فقط.

وأضاف أن معظم المبادرات تعاملت مع الانقسام بوصفه خلافًا بين أجسام سياسية، في حين أن الواقع هو أعمقُ بكثير، إذ يرتبط الانقسام بتشابك السلطة مع السلاح والمال والنفوذ المحلي، ما يجعل أي اتفاق عرضة للتأويل أو التنصّل، خاصة في ظل غياب جهة قادرة على فرض الالتزام أو محاسبة من ينتهك التفاهمات.

وأوضح شحات أن استمرار الانقسام خلق مصالح مستقرة لبعض الفاعلين، جعلت إنهاء الأزمة أكثر كلفة لهم من استمرارها، وهو ما يفسر جزئيًا فشل كل الحوارات السابقة وعدم قدرة أي مسار على تأسيس دولة موحدة وقوية.

الميليشيات تفرض قواعد اللعبة

لا يمكن فهم تعقيدات الأزمة الليبية بمعزل عن الدور الذي تلعبه الميليشيات والسلاح في إعادة تشكيل المشهد. فمنذ عام 2011، ومع انهيار المنظومة الأمنية وغياب سلطة مركزية قادرة على فرض نفوذها، تحوّلت ليبيا إلى ساحة مفتوحة ومرتع خصب لتكاثر الجماعات المسلحة، التي استغلّت الفراغ الأمني لبناء نفوذ يمتد من الجانب العسكري إلى المجالات الاقتصادية والسياسية.

ولم تنجح الحوارات المغلقة بين الساسة في تمثيل الواقع الحقيقي على الأرض، إذ أن القوة الفعلية لا تكمن في المؤسسات الرسمية بقدر ما هي مرتبطة بالجماعات المسلحة والقبائل والقوى التقليدية التي تملك تأثيرًا أكبر بكثير مما يظهر في المسارات السياسية الرسمية. لذلك، فإن أي اتفاق يتم التوصل إليه داخل هذه الاجتماعات يكون ضعيفًا وسريع الانهيار لأنه لا يعكس موازين القوى الحقيقية في ليبيا.

وفي حديثه مع "يورونيوز"، أوضح شحات" أن السلاح أصبح عنصرًا بنيويًا في العملية السياسية، بعدما تحولت الجماعات المسلحة إلى أطراف فاعلة قادرة على التأثير في القرار العام وتعطيل عمل المؤسسات ورسم حدود أي مسار لا يخدم مصالحهم. وأشار إلى أن غياب مؤسسة عسكرية وأمنية موحّدة أفقد الدولة قدرتها على احتكار القوة، وهو ما مكّن هذه الجماعات من فرض نفوذها دون الاستناد إلى شرعية انتخابية.

وبيّن أن هذا الواقع يجعل الاستحقاقات الانتخابية عرضة للتعطيل المستمر، باعتبار أنها تعيد توزيع الشرعية والنفوذ، وهو أمر يهدد مواقع القوى المسيطرة ميدانيًا. لذلك، يُوظَّف السلاح في كثير من الأحيان كوسيلة ضغط سياسي، سواء عبر تعطيل الانتخابات، أو ابتزاز الفاعلين السياسيين، أو خلق أزمات أمنية تتيح فرض شروط جديدة.

ليبيا في قلب التجاذبات الإقليمية والحروب بالوكالة

لم تقتصر الأزمة على الانقسامات المحلية، بل توسعت لتشمل شبكة معقدة من المصالح الخارجية التي تضيف طبقات إضافية من التعقيد لكل محاولة للحوار أو الإصلاح.

وقال شحات، إن التدخلات الإقليمية والدولية في ليبيا لعبت دورًا مزدوجًا ومعقدًا على حد سواء. فمن جهة، ساهمت هذه التدخلات أحيانًا في منع الانزلاق إلى حروب شاملة بين الأطراف المحلية، عبر ممارسة ضغوط دبلوماسية أو تقديم دعم محدود لمنع التصعيد العسكري المباشر. لكن من جهة أخرى، فإن الدعم السياسي والعسكري لأطراف محلية متنافسة عمّق الانقسام وأطال أمد الأزمة، إذ أوجد نوعًا من التوازن الهش الذي يحمي المكاسب القائمة لكل طرف ولكنه في الوقت نفسه يمنع الحسم السياسي ويحول دون الوصول إلى تسوية شاملة ومستدامة.

وأشار إلى أن "اختلاف أولويات الدول المتدخلة زاد الوضع تعقيدًا، فبينما تركز بعض القوى على الأمن والاستقرار، تهتم أخرى بمسائل الطاقة أو الهجرة أو النفوذ الجيوسياسي، ما جعل ليبيا ساحة لتقاطع مصالح متعددة ومتضاربة، أكثر منها مشروع دولة وطنية متوافق عليها".

وأكد شحات أن هذا التدخل الخارجي جعل الحلول الداخلية مرهونة بالتفاهمات الخارجية، وهو ما أضعف الشعور بأن العملية السياسية هي ملك لليبيين وجعل أي اتفاق عرضة للانكسار إذا تغيرت مواقف القوى الإقليمية أو الدولية.

وللإشارة، فقد تبرز كل من تركيا وقطر كداعميْن استراتيجييْن لحكومة طرابلس، حيث تلعب أنقرة دورًا عسكريًا واقتصاديًا يفسر طبيعة الزيارات الرسمية رفيعة المستوى، مثل الزيارة الأخيرة التي قام بها إلى تركيا الفريق أول محمد الحداد، رئيس أركان القوات في الغرب الليبي قبل أن يلقى حتفه في تحطم طائرته قرب أنقرة.

في المقابل، يشكل المحور المصري الإماراتي دعامة أساسية لمعسكر المشير خليفة حفتر في شرق ليبيا، حيث تتعامل كل من القاهرة وأبوظبي مع الملف الليبي من منظور أمني يركز على "تأمين الحدود" وضمان استقرار المناطق الشرقية والجنوبية.

في الوقت نفسه، تدور "حرب باردة" بين روسيا والغرب، إذ تسعى موسكو لترسيخ موطئ قدم دائم لها في منطقة المتوسط عبر دعم قوات الفيلق الأفريقي المرتبط بالجيش الوطني الليبي في الشرق والجنوب، لتعزيز نفوذها في شمال إفريقيا والبحر المتوسط. أما الولايات المتحدة والدول الأوروبية، فتركز على موازنة مصالحها عبر حماية تدفق موارد الطاقة ومنع موجات الهجرة ، في مسعى للحفاظ على استقرار المنطقة وأمنها الاقتصادي.

خلاف سياسي في ثوب قانوني

قال شحات إن الانتخابات التي كانت مقررة في ديسمبر 2021 أثارت آمالًا واسعة لدى الليبيين، لكنها تعثرت بسبب خلافات حول الشروط الدستورية والقانونية. وعلى السطح، قد يبدو الخلاف متعلقًا بالمرشحين، لكن الجوهر يكمن في صراع أوسع إذ أنه متعلّق بالشرعية والسلطة والسيطرة على المشهد السياسي، وهو ما جعل الاتفاق على إجراء الانتخابات في موعدها أمرًا معقدًا وصعب التنفيذ.

ورفضت القوى القائمة على الأرض إجراء انتخابات قد تُخرجها من المعادلة، خاصة في ظل وجود مرشّحين قد يحصلون على شرعية شعبية واسعة، الأمر الذي يهدد النفوذ الذي اكتسبته على مدى سنوات. في الوقت نفسه، استُخدم النقاش الدستوري والقانوني كذريعة لإعاقة العملية، إذ ركزت الأطراف على تفاصيل إجرائية صغيرة لإخفاء الخلافات السياسية العميقة والمصالح المتشابكة التي لا تقبل تسوية سريعة. كما ساهم غياب توافق على الآليات التي تضمن نتائج مقبولة للجميع في جعل العملية الانتخابية غير قابلة للتطبيق، خاصة في ظل غياب ثقافة سياسية تؤمن بالتداول السلمي للسلطة وتعزز الثقة بين الأطراف.

ومضى المتحدث في تحليله قائلا:" إن تعثّر الانتخابات ليس مسألة تقنية أو قانونية بحتة، بل هو صراع سياسي عميق، والخلافات حول القوانين والقاعدة الدستورية تخفي وراءها خوفًا متبادلًا من نتائج الانتخابات، خاصة مع غياب ضمانات حقيقية تحمي الأطراف الخاسرة".

ورأى شحات أن القوى المحلية تخشى أن تؤدي الانتخابات إلى إقصائها نهائيًا من المشهد أو إلى ملاحقتها سياسيًا وقانونيًا، لذلك فهي تُفضّل إبقاء الوضع معلقًا، مشددا على أن المشكلة لا تكمن في نقص النصوص القانونية، بل في غياب التوافق السياسي الذي يمنح هذه النصوص فرصة للتطبيق، وفي انعدام الثقة بما قد يحدث بعد الانتخابات، وهو ما يجعل العملية برمّتها محفوفة بالمخاطر ويزيد احتمالية تفاقم الأزمة بدلًا من حلّها.

هل ما زالت الفرص موجودة؟

حول فرص الخروج من الأزمة الليبية، أوضح الصحفي محمد شحات أن الطريق لا يمرّ عبر حلول شاملة وسريعة، بل عبر خطوات تدريجية تراعي الواقع المعقد على الأرض.

وأكد أن البداية تكمن في الاتفاق على قواعد اللعبة السياسية قبل الانجرار إلى صراعات حول الأشخاص، ووضع ترتيبات أمنية مرحلية تحدّ من قدرة السلاح على تعطيل العملية السياسية. كما اعتبر أن تحجيم المصالح الناتجة عن الانقسام في قطاع الاقتصاد والمؤسسات السيادية هو عنصر أساسي لتحقيق الاستقرار في البلاد.

لكن شحات لا زال يأمل في حدوث تغيير ما. فهو يرى أن فرص النجاح لا تزال موجودة، لكنها مشروطة بوجود "إرادة سياسية للتنازل واحترام نتائج المسار الديمقراطي، وإلا سيظل أي استقرار هشًا مهما تعددت المبادرات".

المواطن الليبي يدفع الثمن

قال شحات إن الانقسام السياسي في ليبيا قد انعكس بشكل مباشر على الحياة اليومية للمواطن، لأنه أصاب جوهر الدولة ووظائفها الأساسية.

وتابع أن تعدد الحكومات وتنازع الشرعية خلق ازدواجية في القرارات وتضاربًا في السياسات. ومع غياب تخطيط طويل المدى، فقد أصبحت الخدمات العامة رهينة للصراع السياسي. ونتيجة لذلك، لم يعد المواطن الليبي يواجه أزمة سياسية مجردة، بل يعيش تبعاتها اليومية في شحّ الكهرباء والمياه وتدني جودة الصحة والتعليم والبنية التحتية.

وأشار شحات إلى أن الإنفاق العام أصبح وسيلة لإدارة الولاءات وامتصاص الغضب الاجتماعي، دون تحسين فعلي في جودة الخدمات. فالمشاريع تتأخر أو تتوقف، والصيانة تتأجل باستمرار، والقطاعات الحيوية تعمل بالكاد نتيجة غياب الاستقرار الإداري والمالي. وفي الوقت نفسه، يستخدم كل طرف سياسي فشل الخدمات كورقة ضغط على الآخر بدل تحمّل المسؤولية.

وأوضح الصحفي أن الأثر الأعمق للانقسام يتمثل في فقدان الثقة بين المواطن والدولة، إذ يشعر كثير من الليبيين أن حياتهم اليومية منفصلة تمامًا عن الخطاب السياسي الدائر، وأن صراعات السلطة تُدار على حساب حقوقهم الأساسية. وأشار في ختام حديثه إلى أنه مع طول أمد الأزمة، فقد تكيّف المواطن مع ضعف الخدمات كأمر واقع، وهو أخطر ما أنتجته الأزمة، لأنه يرسّخ الإحباط ويقلّص أي أمل في تعافٍ سريع ما لم يُعالج أصل الانقسام السياسي.

يورو نيوز المصدر: يورو نيوز
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا دونالد ترامب إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا