آخر الأخبار

شهادات صحفيين محررين عن التعذيب والإهمال في سجون الاحتلال

شارك

نابلس- لم يهنأ الصحفي والأسير المحرر مجاهد بني مفلح (35 عاما)، من بلدة بيتا شرقي نابلس، بحريته سوى يوم واحد، إذ تعرض لنزيف دماغي حاد أفقده الوعي، مما استدعى نقله إلى المستشفى وإخضاعه لعملية جراحية عاجلة، وسط ذهول العائلة.

فمجاهد الذي اعتقل قبل 6 أشهر، وهو يتمتع بصحة ممتازة، عاد فاقدا نحو 25 كيلوغراما من وزنه، ومثقلا بحالة صحية ونفسية متدهورة.

وفي مشهد يختزل قسوة اللحظات الأولى للحرية، وصف عبد الله، شقيق مجاهد، حالة أخيه لحظة الإفراج عنه، حيث كانت أسنانه تصطك من شدة البرد، قائلا "كان يرتجف بشدة لدرجة أنه لم يتمكن من نطق جملة كاملة ومترابطة إلا بعد مرور ربع ساعة من تدفئته وإدخاله السيارة".

ظروف اعتقال قاتلة

ويعزو عبد الله هذه الحالة إلى تعمد الاحتلال ترك مجاهد في العراء وسط البرد القارس مدة 5 ساعات، ليفرج عنه في ساعة متأخرة من الليل بملابس خفيفة (بنطال وبلوزة) وحذاء بلا جوارب.

ويربط عبد الله، في حديثه للجزيرة نت، ما حل بشقيقه بظروف السجن القاسية، لافتا إلى أنه تعرض لضرب مبرح تركز على منطقة الصدر في الأيام الـ17 الأولى من اعتقاله، وهو ما سبب له حينها آلاما واختناقا نقل على إثرهما إلى المستشفى.

وأضاف أن "الأطباء في المستشفى الاستشاري رجحوا أن السبب هو وجود "تشوه خلقي" في أحد شرايين الدماغ، ومع ارتفاع ضغط الدم الشديد نتيجة ظروف السجن، حدث تسرب ونزيف في المنطقة الضعيفة".

وبعد أن كان الأسير المحرر مجاهد يعاني سابقا من السكري (النوع الثاني) ويتناول أدويته بانتظام دون أي مشاكل في ضغط الدم، بين شقيقه أن المشكلة الصحية الطارئة والقاتلة التي ظهرت بعد الإفراج عنه هي الارتفاع المفاجئ في ضغط الدم، وهو ما استدعى التدخل الطبي الفوري.

وأكد أنه "رغم أن معدل السكر التراكمي لديه كان مرتفعا نوعا ما، فإنه لم يكن يعاني مطلقا من مرض الضغط، وكان يمارس حياته الطبيعية بشكل اعتيادي قبل الاعتقال".

إعلان

ولفت إلى أن الأثر الأعمق الذي حمله مجاهد معه في الأسر، تمثل في المشاهد المروعة التي رواها لشقيقه قبل دخوله في الغيبوبة، وتحديدا قصة استشهاد الأسير أحمد طزازعة (20 عاما) من بلدة قباطية، التي مثلت ذروة الإهمال الطبي.

مصدر الصورة الصحفي الفلسطيني المحرر مجاهد بني مفلح مع أطفاله (الجزيرة)

قمع ممنهج

وينقل عبد الله عن شقيقه أن القصة بدأت عقب حملة تفتيش عن "ممنوعات"، وجد خلالها الاحتلال "قشاطة" (ممسحة أرضيات)، وكان ذلك كافيا لشن "القمعة"، وهي مصطلح يختزل مشهدا مرعبا تقتحم فيه وحدات القمع الخاصة الأقسام، لضرب الأسرى بالهري وأعقاب البنادق، مستعينين بالكلاب البوليسية لإرهاب الأسرى وإصابتهم.

ويضيف عبد الله واصفا ما حدث للشهيد على لسان مجاهد "هاجم أحد الكلاب الشهيد وجرحه بجانب فمه"، ورغم خطورة الإصابة، ترك الجرح ليتعفن بلا مضادات حيوية رغم توسلات الأسير اليومية لزملائه لأن يعطوه حبة دواء، "حتى تفاقم الالتهاب ووصل لحلقه وفقد القدرة على الكلام".

وصلت القصة إلى نهايتها المأساوية عندما فقد وعيه أثناء العدد، (التجمع الصباحي للسجناء للتسجيل)، وعوضا عن تقديم الإسعافات له، قام السجانون بسحبه وإخراجه، حيث توفي، وحاولت الإدارة التهرب من المسؤولية باتهام الأسرى بالتسبب في وفاته.

وفي السياق نفسه، تحدث الصحفي سامر خويرة الذي أفرج عنه مؤخرا بتفصيل مؤلم عن إصابته بمرض "السكابيوس" ( الجرب) حيث أصيب بالمرض في منتصف شهر سبتمبر/أيلول، لكنه لم يعرض على العيادة إلا في ديسمبر/كانون الأول (بعد حوالي 90 يوما من المعاناة).

ويشير سامر في حديثه للجزيرة نت إلى أن العلاج الذي قدم له كان شحيحا جدا (عبوة دهون واحدة و14 حبة مضاد حيوي)، وهو ما لا يكفي لعلاج حالته التي كانت تتطلب 5 أضعاف هذه الكمية، وأكد أن هذا المرض منتشر بشكل هائل بسبب قلة النظافة وانعدام الرعاية، وأن "هناك سياسة طبية مقصودة لعدم العلاج الفوري أو الفعال".

مصدر الصورة الصحفي سامر خويرة أثناء خضوعه للفحوص الطبية بعد الإفراج عنه (الجزيرة)

إهمال طبي ممنهج

بالإضافة إلى السكابيوس والدمامل، أشار خويرة إلى انتشار الأمراض الموسمية كالرشح والإنفلونزا والإسهال بسبب البرد وسوء التغذية، حيث يوجد في كل غرفة 2 أو 3 أسرى يعانون من الإسهال المستمر دون علاج.

ويضيف "يعاني الأسرى من آلام الأسنان الشديدة، والوصول لعيادة الأسنان شبه مستحيل ويتطلب إجراءات معقدة ومذلة، مما يدفع الأسرى لتحمل الألم بدلا من طلب العلاج".

وبين خويرة أن الغرف تعاني من رطوبة عالية نظرا لوجود الحمامات داخلها وتسرب المياه إلى أرضياتها، مما يحولها إلى بيئة خصبة للأوبئة، ويضاف إلى ذلك الاكتظاظ الشديد، واضطرار الأسرى لتداول الفرشات والأغطية والملابس دون معرفة مستخدمها السابق، مما يسهل تفشي العدوى.

وختم سامر حديثه بأن معاناة الأسير لا تنتهي بمجرد خروجه من الأسر، فالأسرى في الداخل هم "أموات يتنفسون"، والخروج هو عودة للحياة تحتاج إلى وقت وعلاج طويل، ويضيف "رغم مرور 10 أيام على حريتي، ما زلت أزور الأطباء وأستخدم أكثر من 20 نوعا من الأدوية لعلاج السكابيوس والدمامل، وأعاني من آلام شديدة تمنعني من الجلوس أو النوم براحة، وأخشى نقل العدوى لعائلتي".

إعلان

وتحذر مؤسسات حقوقية من بـ"سياسة القتل البطيء" عبر الإهمال الطبي المتعمد، التي حولت السجون إلى "مقابر للأحياء".

وحسب معطيات هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير الفلسطيني، فقد ارتفع عدد شهداء الحركة الأسيرة منذ عام 1967 إلى 324 شهيدا، منهم 87 أسيرا بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 جراء التعذيب، والإهمال الطبي، والتجويع.

بالإضافة إلى العشرات من معتقلي غزة الذين استشهدوا في المعسكرات ولم يفصح الاحتلال عن هوياتهم حتى اللحظة، مما يشي بأن الكارثة الإنسانية خلف القضبان أكبر بكثير مما ترصده لغة الأرقام.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا