في ظل تصاعد الاهتمام الدولي باحتجاجات إيران، سواء عبر التصريحات السياسية الصادرة عن مسؤولين أميركيين، أو بالتغطية المكثفة على منصات التواصل الاجتماعي، تشهد الساحة الرقمية موجة واسعة من المحتوى المتداول الذي يزعم توثيق تطورات الاحتجاجات في عدد من المدن الإيرانية.
غير أن تتبع مصادر كثير من هذه المواد وسياقات نشرها يكشف أن قسما كبيرا منها يندرج ضمن حملات تضليل رقمي، تُضخّم بعض الوقائع أو تخرجها من سياقها الزماني والمكاني، أو توظف مواد قديمة ومفبركة لإنتاج سردية سياسية محددة.
في هذا التقرير يرصد فريق "الجزيرة تحقق" أبرز هذه الادعاءات ويفحص مصادرها الأصلية وسياقاتها الفعلية.
تداولت حسابات عدة على منصة "إكس" ادعاء يفيد بأن السلطات الإيرانية اعتقلت 6 هنود و10 أفغان بتهمة العمل لصالح إسرائيل وإثارة الشغب في البلاد، وأرفقت هذه المنشورات بمقطع فيديو يظهر مجموعة من الأشخاص داخل أحد مقار الاحتجاز.
وأظهر الفحص أن الفيديو مقتطع من تقرير بثه التلفزيون الإيراني الرسمي قبل أيام، ويوثق عملية توقيف عدد من مثيري الشغب في محافظة عبدان، من دون أي إشارة إلى الجنسيات التي وردت في الادعاء المتداول.
كما نفى السفير الإيراني في الهند هذه الرواية المتداولة، داعيا إلى استقاء المعلومات من المصادر الإعلامية الرسمية والموثوقة، ونفى المزاعم بشأن توقيف مقيمين هنود على خلفية هذه الأحداث.
ومن بين المقاطع التي حظيت بانتشار واسع، فيديو قال ناشروه إنه يوثق مطاردة فتيات إيرانيات أحد رجال الدين الإيرانيين أثناء المظاهرات.
أثبت الفحص أن المقطع ليس تسجيلا لموقف حقيقي، بل صُنع باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وقد نُشر سابقا على منصات رقمية في سياق ترفيهي بصري، قبل أن يُعاد توظيفه سياسيا ضمن سياق الاحتجاجات.
باستخدام آليات التحقق تبيّن أن الفيديو يعود إلى احتفالات مهرجان "تشارشانبي سوري" (مهرجان النار الفارسي) في مارس/آذار 2025، وهو تقليد ثقافي سنوي يُقام قبل عيد النوروز، ولا علاقة له بالأحداث الجارية في إيران.
يُظهر تتبع هذه المواد المضللة نمطا واضحا من التضخيم والتلاعب بالسياق، بالتوازي مع تداول أرقام متباينة وغير موثقة حول حجم التظاهرات وأعداد القتلى، تنشرها حسابات أميركية وإسرائيلية من دون الاستناد إلى مصادر دولية مستقلة أو تقارير موثوقة.
ويعكس ذلك محاولة مستمرة لإعادة تشكيل المشهد الرقمي حول الاحتجاجات في إيران، بما يخدم سرديات سياسية بعينها، بعيدا عن الوقائع.
المصدر:
الجزيرة