آخر الأخبار

من البازار إلى الشارع.. كيف تفجرت احتجاجات إيران وإلى أين وصلت؟

شارك

دخلت الاحتجاجات على ارتفاع تكاليف المعيشة في إيران أسبوعها الثالث، بعد انخفاض الريال الإيراني إلى أدنى مستوى له على الإطلاق في أواخر ديسمبر/كانون الأول الماضي، رغم وعود الحكومة بتنفيذ إصلاحات اقتصادية وبذل المزيد من الجهود لمكافحة الفساد.

وعلى وقع تهديدات أميركية بالتدخل، وتهديدات إيرانية بالرد على أي هجوم، وسط محاولات أمنية لضبط الاحتجاجات التي أدت إلى سقوط قتلى بأحداث عنف، يستمر الإيرانيون في التظاهر في أنحاء البلاد. لكن كيف وصل الوضع إلى هذا الحدّ؟

1- كيف اشتعلت شرارة الاحتجاجات؟

في 28 ديسمبر/كانون الأول الماضي، انطلقت الاحتجاجات بإضراب نفّذه تجار في بازار طهران على خلفية تدهور سعر صرف العملة والقدرة الشرائية، قبل أن تتوسع ويرفع بعضها شعارات سياسية مناهضة لسلطات الجمهورية الإسلامية القائمة منذ عام 1979.

وأشعل الاحتجاجاتِ حينها انخفاضُ الريال الإيراني إلى 1.42 مليون مقابل الدولار الأميركي، أي بانخفاض قدره 56% خلال 6 أشهر فقط.

وقد أدى هذا التدهور الحاد في قيمة العملة إلى ارتفاع التضخم، حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 72% في المتوسط مقارنة بالعام الماضي.

ويعد أحد أسباب ذلك أن إيران من أكثر الدول خضوعا للعقوبات في العالم، إذ تؤدي مجموعة من القيود الدولية إلى صعوبة وصول طهران إلى الأسواق المالية العالمية وتجميد أصولها الأجنبية، وسط تصاعد الضغط الاقتصادي بعد أن أعادت الأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول الماضي فرض عقوبات على إيران بسبب برنامجها النووي.

كما يُفاقم اعتماد البلاد المتزايد على الواردات الوضع ويُؤجّج التضخم.

وبعد يومين من اندلاع الاحتجاجات في الأسواق، انضم طلاب الجامعات في العاصمة طهران إليها، وبدأت تنتشر في باقي المدن الإيرانية، وامتدت إلى 17 محافظة من أصل 31 بحلول رأس السنة.

مصدر الصورة تجار وأصحاب محال خلال احتجاج على الأوضاع الاقتصادية وتدهور العملة الإيرانية في طهران (الفرنسية)

2- أين تركزت الاحتجاجات؟

شكلت طهران نقطة البداية الأبرز، لا سيما في البازار ومناطق تجارية رئيسية، حيث أغلق تجار وأصحاب محال أبوابهم احتجاجا على تدهور سعر الصرف وركود السوق.

إعلان

وفي ذروة الأيام الأولى، قدّرت مصادر إعلامية أن أعداد المشاركين في طهران بلغت آلافا، موزعين على نقاط متعددة، مؤكدين امتداد المظاهرات إلى محافظات إيران الـ31 كافة لاحقا.

لكن الاحتجاجات امتدت إلى مدن كبرى مثل أصفهان ومشهد وشيراز، حيث سجلت تجمعات متفاوتة الحجم، تراوحت بين مئات وعدة آلاف بحسب اليوم والموقع.

كما شهدت مدن أخرى مثل كرمانشاه وتبريز وقم تحركات أصغر حجما، لكنها تكررت على أيام متتالية، مما عكس وصول الضغوط المعيشية إلى مناطق اجتماعية واقتصادية مختلفة، وليس إلى العاصمة فقط.

ولا توجد أرقام رسمية دقيقة لأعداد المتظاهرين على مستوى البلاد، إلا أن منظمات رصد حقوقية تشير إلى أن الاحتجاجات سُجّلت في عشرات المدن عبر معظم المحافظات.

3- كيف تعاملت السلطات؟

اتسم تعامل السلطات الإيرانية مع الاحتجاجات بمسار متدرّج جمع بين خطاب سياسي هادئ وتصعيد أمني متزايد، عكس تطور الأحداث على الأرض واتساع رقعتها الجغرافية.

ففي الأيام الأولى، أدلى رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان بتصريحات حاولت احتواء الغضب الشعبي، معترفا بوجود ضغوط اقتصادية حقيقية تواجه المواطنين، لا سيما ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.

وشدد حينها على أن الحكومة تتحمّل مسؤولية معالجة الأوضاع المعيشية، ودعا إلى التعبير السلمي عن المطالب، محذرا في الوقت نفسه من الفوضى أو تعطيل المرافق العامة.

لكن مع اتساع الاحتجاجات جغرافيا وخروجها من الأسواق التجارية في طهران إلى مدن أخرى، بدأت نبرة الدولة تتغير نحو التحذير من "مخربين" و"مثيري شغب"، وبرزت اتهامات بوجود أطراف تحاول استغلال التحركات الشعبية.

وبالتوازي، باشرت الأجهزة الأمنية تفريق التظاهرات في مؤشر على انتقال إدارة الملف من الطابع السياسي الاجتماعي إلى الطابع الأمني.

ومع دخول الاحتجاجات أسبوعها الثاني، صعدت السلطات إجراءاتها عبر تقييد الاتصالات وقطع الإنترنت على نطاق واسع، في إجراء تكرر في أزمات سابقة، استهدف الحد من تنسيق الاحتجاجات ومنع تداول مقاطع الفيديو والمعلومات من الشارع، لكنه فاقم الانتقادات الحقوقية وعمق حالة الاحتقان.

واليوم الاثنين، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن عودة الإنترنت إلى البلاد مرتبطة بالتقييمات الأمنية، مؤكدا "تسلل مجموعات إرهابية مسلحة" إلى صفوف المتظاهرين بهدف حرف المسيرات عن مسارها الأصلي، بحسب تعبيره.

كما دعت السلطات الإيرانية إلى خروج مظاهرات مضادة داعمة للدولة في أنحاء البلاد.

4- كم عدد القتلى؟

لا توجد حتى الآن حصيلة رسمية شاملة تعلنها السلطات في إيران لضحايا الاحتجاجات، لكن الرواية الحكومية تركز على سقوط قتلى في صفوف الشرطة وقوات الأمن، وتربط ذلك بما تصفه بأنه "تحوّل للاحتجاجات نحو العنف".

وأمس الأحد، أفادت وكالة تسنيم (شبه رسمية) بمقتل 109 من قوات الأمن والشرطة خلال الاحتجاجات في إيران في الأسبوعين الماضيين.

وكان التلفزيون الإيراني الرسمي قد قال إن 30 عنصرا من قوات الأمن والشرطة في محافظة أصفهان قُتلوا، في حين كشف قائد القوات الخاصة في الشرطة الإيرانية عن مقتل 8 عناصر خلال "أعمال الشغب يومي الخميس والجمعة الماضيين".

إعلان

وأضاف التلفزيون -نقلا عن شرطة لرستان- أن الشرطة "اعتقلت نحو 100 من مثيري الشغب في المحافظة".

في المقابل، أعلنت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان الإيرانية المستقلة (هرانا)، ومقرها الولايات المتحدة، مقتل 538 شخصا على الأقل في الاحتجاجات.

وأوضحت أن الاحتجاجات شهدت حتى الأحد، مقتل 490 متظاهرا، إضافة إلى 48 عنصرا من قوات الأمن.

وأشارت إلى توقيف ما يزيد على 10 آلاف و600 متظاهر في عموم البلاد، على خلفية الاحتجاجات.

وفي ظل انقطاع الإنترنت عن البلاد وعدم انتشار مقاطع فيديو، لم تتمكن جهات أخرى أو الأمم المتحدة من التأكد من تلك الأرقام، وسط دعوة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش السلطات الإيرانية إلى الامتناع عن استخدام القوة غير الضروري أو غير المتناسب ضد المتظاهرين.

5- ما أهمية هذه الاحتجاجات؟

ورغم أن إيران شهدت خلال السنوات السابقة احتجاجات عدة، أهمها التي اندلعت عام 2022 بعد مقتل مهسا أميني في مركز احتجاز بعد اعتقالها من قبل "شرطة الأخلاق" لعدم التزامها بقواعد الحجاب، فإن هذه الاحتجاجات لها أهمية خاصة.

وتكمن أهميتها في أن من أطلقها هم من يسمون بـ"رجال البازار"، وهم قوة مؤثرة في التغيير السياسي عبر التاريخ الإيراني، ويُنظر إليهم على أنهم موالون للنظام، ويعتبر أن الدعم الذي منحوه لرجال الدين قد ساهم في نجاح الثورة الإسلامية عام 1979.

مصدر الصورة صور متداولة على مواقع التواصل تظهر تفريق الأمن الإيراني للمتظاهرين في سوق بطهران (الفرنسية)

6- هل هي معارضة للحكومة؟

لا يُنظر إلى الاحتجاجات الجارية في إيران على أنها حركة معارضة سياسية للحكومة بالمعنى التقليدي، ولا أنها تحرك ذو برنامج سياسي واضح، إذ انطلقت الاحتجاجات بدوافع معيشية رغم رفع شعارات سياسية في بعضها مع مرور الوقت.

مع ذلك، يفتح المشهد المجال أمام أسئلة سياسية أوسع إذا طال أمد الاحتجاجات واتسع مداها.

7- ما دور الولايات المتحدة وإسرائيل؟

برز الدور الأميركي والإسرائيلي في الخطاب السياسي المرافق للاحتجاجات الإيرانية، مع تصريحات علنية للرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد أيام من اندلاع التحركات، متحدثا عن أن بلاده "تراقب ما يجري في إيران"، مهددا باستخدام القوة "إذا استخدمت طهران القوة ضد المتظاهرين"، كما عرض في تصريحات لاحقة "المساعدة" على الشعب الإيراني.

وشكلت التصريحات الأميركية نقطة تحول في الرواية الرسمية الإيرانية. فبعد أن ركّز الخطاب الحكومي في البداية على الطابع المعيشي للاحتجاجات، بدأت السلطات تربط بين تصعيد ترامب وبين ما اعتبرته "تحول الاحتجاجات نحو العنف"، مهددة واشنطن بدورها باستهداف قواعدها بالمنطقة في حال شنت أي هجوم.

وأفادت وسائل إعلام أميركية بأن مسؤولين بإدارة ترامب ناقشوا كيفية تنفيذ هجوم على إيران للوفاء بتهديدات الرئيس الأميركي، ومما ناقشوه توجيه ضربات لمواقع عسكرية إيرانية.

وفي تصريحاته اليوم، قال عراقجي إن لدى بلاده وثائق تثبت تدخل الولايات المتحدة وإسرائيل فيما وصفه بـ"الحركة الإرهابية" التي رافقت الاحتجاجات الأخيرة.

أما إسرائيل، فالتزمت خطابا داعما لما تصفه بـ"حق الإيرانيين في الاحتجاج"، من دون الإعلان عن أي خطوات عملية. لكن تسريبات صحفية أكدت أن تل أبيب رفعت حالة التأهب القصوى تحسبا لأي تدخل أميركي بإيران.

كما بحث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في اتصال هاتفي أول أمس السبت قضايا تتعلق بإيران، دون ورود تفاصيل حول تلك المكالمة، التي تلاها اجتماع أمني إسرائيلي لبحث الأوضاع في إيران.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا