في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
دمشق- القدس المحتلة- أكدت مصادر سورية رسمية أن أيّ تقدم في المحادثات مع إسرائيل، يبقى مشروطا بوقف التوغلات العسكرية الإسرائيلية، وتحديد جدول زمني ملزم للانسحاب الكامل، والعودة إلى اتفاق فضّ الاشتباك الموقع عام 1974.
ويأتي هذا الموقف في ظل ضغوط تمارسها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على كل من تل أبيب و دمشق، بهدف تثبيت الوضع الأمني على الحدود، في خطوة قد تمهّد، بحسب تقديرات إسرائيلية، لمسار تطبيع مستقبلي بين الطرفين، وفق ما أفادت به صحيفة هآرتس العبرية.
وكانت الإدارة الأميركية قد أعلنت، مساء الثلاثاء، التوصل إلى تفاهمات أولية بين إسرائيل وسورية أفضت إلى الاتفاق على إنشاء آلية تنسيق مشتركة بإشراف أميركي، تسعى إلى خفض التوتر، ولا سيما في المناطق الحدودية التي استباحتها قوات الاحتلال الإسرائيلي.
وجاء الإعلان عقب اختتام الجولة الخامسة من المحادثات بين إسرائيل وسوريا، التي عُقدت في باريس برعاية الإدارة الأميركية، حيث تحدثت الأطراف عن "أجواء إيجابية" وتوافق على تسريع وتيرة المفاوضات، في مسعى للتوصل إلى اتفاق أمني.
وذكر بيان مشترك صادر عن وزارة الخارجية الأميركية أن "قيادة الرئيس الأميركي في الشرق الأوسط أتاحت إجراء مناقشات مثمرة" شارك فيها مسؤولون كبار من إسرائيل وسوريا التقوا في باريس برعاية أميركية.
وأضاف البيان أن المحادثات ركزت على "احترام سيادة سوريا واستقرارها، وضمان أمن إسرائيل، وتحقيق الازدهار لكلا البلدين".
ويرى الباحث في الشأن الإسرائيلي، أنطوان شلحت، أن ما يتم تداوله من تفاهمات أمنية بين سوريا وإسرائيل لا يندرج في إطار مسار سلام أو تطبيع، بل يأتي أساسا نتيجة ضغوط مباشرة مارستها الإدارة الأميركية على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في سياق رؤية ترامب للمرحلة المقبلة في المنطقة.
ويقول شلحت -للجزيرة نت- إن تل أبيب رضخت لهذه الضغوط، انطلاقا من إدراكها لطبيعة العلاقة الخاصة التي تجمعها ب واشنطن، ولحساسية موقفها تجاه ترامب تحديدا. ويؤكد أن مستقبل هذه التفاهمات الأمنية يبقى مرهونا بمزاج ترامب وحساباته السياسية، لا سيما في ظل اندفاعه لدعم النظام السوري الجديد، رغم المعارضة الإسرائيلية الواضحة للرئيس أحمد الشرع.
ويوضح أن ما ينسجم مع المصالح الأميركية، ويلاقي قبول ترامب، تجد إسرائيل نفسها مضطرة للتكيُّف معه، حتى وإن عارضته علنا، مستشهدا بالعلاقة الوثيقة بين ترامب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وبإصرار واشنطن على إشراك قوات تركية ضمن قوة الاستقرار الدولية في غزة، رغم الرفض الإسرائيلي.
وفيما يتعلق بسوريا، يُشدد شلحت على أن التفاهمات المطروحة ذات طابع أمني بحت، ولا يوجد أي حديث عن اتفاق سلام أو تطبيع للعلاقات بين دمشق وتل أبيب. ويستبعد أن تفضي هذه التفاهمات، في المدى المنظور، إلى علاقات دبلوماسية أو اعتراف متبادل، مؤكدا أن إسرائيل غير معنية أصلا بالسلام مع سوريا، وتتعامل مع محيطها الإقليمي من زاوية أمنية صرفة.
ويشرح الباحث أن الأولوية الإسرائيلية في الساحة السورية تتمثل في ضمان عدم وجود فصائل مقاومة أو بنى عسكرية معادية على طول خط وقف إطلاق النار، ومنع وصول أي أسلحة قد تستخدم ضدها.
كما تولي تل أبيب أهمية خاصة لضبط الحدود السورية اللبنانية، التي تعتبرها شريانا أساسيا لتهريب السلاح إلى حزب الله من إيران، مما يفسر سعيها للتوصل إلى تفاهمات أمنية تضمن رقابة مشددة على هذه الحدود بالتنسيق مع النظام السوري الجديد.
وفي المقابل، يشير شلحت إلى أن إسرائيل تحاول استثمار هذه التفاهمات لتكريس واقع ضم هضبة الجولان، مستفيدة من الاعتراف الأميركي السابق بالسيادة الإسرائيلية عليها.
ورغم قبول إسرائيل بهذه التفاهمات الأمنية، يرى شلحت أنها لا تثق بها ولا تراهن عليها إستراتيجيا. فالتجربة الإسرائيلية، وفق توصيفه، تؤكد أن تل أبيب تعتمد في قضايا الأمن القومي حصريا على قوتها الذاتية وأذرعها العسكرية والاستخبارية، وليس على الاتفاقات أو التفاهمات.
كما أن هناك تفاهمات ضمنية مع واشنطن تمنح إسرائيل حق الاعتراض أو النقض لأي ترتيبات ترى أنها تمس أمنها القومي.
وبحسب قراءة شلحت، فإن مكاسب سوريا من هذه التفاهمات تتركز في الحد الأدنى من الاستقرار الأمني، وتخفيف احتمالات التصعيد الإسرائيلي في هذه المرحلة الحساسة.
فالنظام السوري الجديد، يضيف شلحت، معني أولا بإعادة ترتيب الداخل، وترسيخ الاستقرار، ووقف الاستنزاف الأمني والعسكري، مما يجعل التفاهمات الأمنية أداة لشراء الوقت وتهدئة الجبهات، وليس بوابة لتغيير إستراتيجي في العلاقة مع إسرائيل.
كما أن أولويات دمشق في المرحلة الراهنة، تتمثل في تثبيت الحكم، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحسين موقعها الإقليمي والدولي، خصوصا في ظل الرعاية الأميركية غير المباشرة لهذه التفاهمات. ومن هذا المنطلق، تبدو سوريا مستفيدة من تقليص الضغوط الخارجية، دون أن تقدم تنازلات سياسية كبرى أو تنخرط في مسار تطبيع لا يحظى بقبول داخلي أو إقليمي.
ويخلص شلحت إلى أن تفاهمات باريس لا تشكل مقدمة لسلام أو تطبيع بين سوريا وإسرائيل، بل تعكس توازنات ضاغطة فرضتها واشنطن، وتخدم في جوهرها اعتبارات أمنية مؤقتة، في انتظار ما ستؤول إليه موازين القوى والسياسات الأميركية في المرحلة المقبلة.
ويتفق الباحث السياسي والمحاضر في كلية الإعلام بجامعة دمشق، أحمد الكناني، مع الكاتب شلحت حول أن تفاهمات باريس بين سوريا وإسرائيل، التي أفضت إلى آلية عمل مشتركة، قد لا تقود مباشرة إلى مسار التطبيع بين الجانبين، مشددا على أهمية توافر بيئة سياسية مواتية لذلك.
وحول ما إذا كانت هذه التفاهمات، سواء كانت أمنية أو اقتصادية، كإنشاء منطقة صناعية مشتركة، ستؤدي إلى التطبيع، أوضح الكناني للجزيرة نت أن مثل هذه الآليات تندرج تحت مسمى "التفاهمات" وقد تكون خطوة أولى نحو إنشاء بيئة مواتية، لكنها غير كافية بمفردها، إذ إن تنفيذ أي اتفاق أمني لا يُعد خطوة رئيسية نحو التطبيع.
وأكد الكناني أن التطبيع يتطلب مناخا سياسيا يرتبط بالتزام إسرائيل بحقوق سوريا، وعدم التحكم في الأوراق الداخلية السورية، كما يحدث حاليا بالسويداء، وكذلك ضرورة عدم تدخل إسرائيل في الشؤون السورية.
وبشأن ما إذا كانت سوريا هي المستفيد الأكبر من هذه التفاهمات حتى الآن، أشار الكناني إلى أنه لم يصدر أي إجراء أو تصريح رسمي يدل على ذلك، وأن العناوين التي تطرحها إسرائيل تبقى كبيرة دون انعكاس حقيقي على الأرض.
وأوضح أن النقاط الرئيسية التي جرى تداولها إعلاميا لم تؤدِ إلى إعلان رسمي، مضيفا أنه لا يعتقد أن سوريا ستكون المستفيد الأكبر من هذه الصيغة إلا إذا:
من جهته، يقول الباحث السياسي عبد الله الخير إن دمشق تشترط لأي اتفاق أمني مع إسرائيل إعادة تفعيل اتفاقية فضّ الاشتباك لعام 1974، وضمان انسحاب القوات الإسرائيلية لما قبل 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، والحفاظ على السيادة السورية الكاملة، ومنع أي تدخل إسرائيلي في الشؤون الداخلية السورية، بما في ذلك رفض أي مطالب إسرائيلية بممرات إنسانية في مناطق مثل السويداء، التي تُعد شأنا داخليا بحتا.
وأوضح الخير، في حديث للجزيرة نت، أن ذلك يعكس التزام دمشق باستعادة حقوقها الوطنية غير القابلة للتفاوض، مع التركيز على خفض التصعيد ومشاركة الاستخبارات تحت إشراف أميركي لضمان الاستقرار.
وعن طرح هذه الشروط على الجانب الأميركي، يؤكد الخير أنها "قُدمت فعلا خلال المفاوضات في باريس ونيويورك، بوساطة مبعوث واشنطن توم براك، حيث أكدت سوريا ضرورة احترام سيادتها مقابل أي ضمانات أمنية".
وختم قائلا "يأتي هذا النهج في ظل ضغوط أميركية لتسريع الاتفاق، لكن دمشق ترفض أي تنازلات عن أراضيها المحتلة، وهو ما يمثل خطوة نحو توازن إقليمي، شريطة أن تكون أميركا ضامنا محايدا، وإلا فإن التوترات قد تستمر، بما يهدد الاستقرار في الشرق الأوسط ككل".
من جانبه، يرى أستاذ الدراسات الإستراتيجية البروفيسور حسن عبد الله الدعجه أن أي اتفاق يشمل انسحابا متبادلا مقابل إنشاء منطقة عازلة قد يحقق لإسرائيل مكاسب أمنية، إذ تقلل المنطقة العازلة من احتمالات الاحتكاك المباشر، وتمنح إسرائيل وقتا أطول للإنذار والرصد والاستجابة، بدل مواجهة تهديدات فورية تدعي وجودها على الحدود.
كما تحدّ هذه المنطقة من قدرة إيران أو "حلفائها" على الاقتراب من خطوط المواجهة أو بناء بنية عسكرية في جنوب سوريا، خاصة إذا اقترنت بترتيبات رقابة دولية تزيد الكلفة السياسية والعسكرية لأي خرق.
وبشأن السويداء، يؤكد الدعجه أنها عقدة أمنية وسياسية حساسة، إذ لا تنظر إليها إسرائيل كقضية داخلية سورية بحتة، بل كجزء من أمن جنوب سورية، مع تركيزها على منع الفراغ الأمني أو التمدد الإيراني.
وعليه، فإن التسوية المقبولة تقوم على إعادة ترسيخ السيادة السورية الاسمية فيها مقابل ضمانات للاستقرار، بما يجعل السويداء مقياسا لنجاح أي تسوية شاملة في الجنوب السوري.
وكان مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي قد أعلن في بيان رسمي أن تل أبيب شددت خلال المحادثات على أهمية ضمان أمن مواطنيها ومنع أي تهديدات على حدودها، مدعيا التزامها بدفع الاستقرار والأمن الإقليميين، وتعزيز التعاون الاقتصادي بما يعود بالفائدة على الطرفين، إضافة إلى ما وصفه بـ"ضمان أمن الأقلية الدرزية في سورية".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة