آخر الأخبار

هل يلتهم النفوذ الأميركي الزاحف ما تبقى من مصالح روسية في القوقاز؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة عالميا وسعي القوى الكبرى للسيطرة على موارد الطاقة والمعادن والتحكم في الطرق التجارية الحيوية، تبرز منطقة القوقاز بوصفها محورا أساسيا للتنافس الإقليمي والدولي ونقطة تقاطع للمصالح المتشابكة، بعد اتفاق السلام بين أذربيجان وأرمينيا الذي أبرم بوساطة أميركية والذي ضمن حضورا مباشرا لواشنطن حتى 99 عاما.

واتفاق السلام بالموقع بين زعيمي البلدين برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب ، الذي نص على إنشاء "ممر ترامب" ( زنغزور سابقا) الواصل بين أذربيجان و إقليم نخجوان ذي الحكم الذاتي، عبر الأراضي الأرمينية، بإشراف وتشغيل شركات أميركية، شكل مدخلا لتوسيع مصالح واشنطن في القوقاز.

ويثير هذا الواقع الجديد قلقا وتحديات مباشرة أمام موسكو وطهران، فهل ستتمكن الولايات المتحدة من ترسيخ حضور دائم لها في منطقة القوقاز، وما هي السبل التي ستعتمدها روسيا وإيران لمواجهة تحديات هذا التقارب الإستراتيجي؟

مصدر الصورة ممر زنغزور أو "ترامب" يصل بين البر الرئيسي لأذربيجان وإقليم نخجوان مرورا بأرمينيا (الجزيرة)

القوقاز منجم يعج بالثروات الباطنية

تعتبر منطقة القوقاز مركز ثقل في التنافس الجيوسياسي وتشابك المصالح بين القوى الدولية والإقليمية وأبرزها روسيا، وإيران، والصين، وتركيا، والولايات المتحدة، وذلك لعدة أسباب منها الموقع الجغرافي، حيث تربط بين القارتين الأوروبية والآسيوية، ولما تحتويه من ثروات.

وتضم منطقة القوقاز الجنوبية 3 دول رئيسية: أذربيجان، وأرمينيا وجورجيا، وتتميز بأنها من أكثر الدول التي تمتلك أهم الموارد الطبيعية والمعادن في العالم.

فأذربيجان تعد من أكبر منتجي النفط الخام والغاز الطبيعي في المنطقة، إذ بلغ متوسط إنتاجها من النفط 570 ألف برميل اليوم، في حين بلغ إنتاجها من الغاز 16 مليار متر مكعب في الربع الأول في الفترة من يناير/كانون الثاني إلى أبريل/نيسان 2025، وبلغ إجمالي هذا الإنتاج حوالي 36.8 مليار متر مكعب لعام 2023، وفقا لوزارة الطاقة الأذربيجانية.

إعلان

في حين بلغت احتياطاتها المثبتة من الغاز الطبيعي أكثر من 1.7 تريليون متر مكعب، حسب وزارة الطاقة الأميركية.

وتعتبر أرمينيا من بين أكبر منتجي معدن الموليبدينوم المستخدم في صناعة سبائك الفولاذ في العالم، وتمتلك عديدا من المعادن أيضا، كالذهب والزنك والرصاص. بينما تزخر جورجيا بعديد من المعادن، مثل الذهب والفحم والحديد، وكذلك تعتبر من أكبر الدول المنتجة لمعدن المنغنيز، حيث يعد منجم "شياتورا" من أكبر مناجم المنغنيز في العالم.

كما تشمل منطقة القوقاز من الجهة الشمالية التابعة لروسيا الاتحادية عددا من الجمهوريات والمقاطعات التي تتمتع بالحكم الذاتي، مثل داغستان والشيشان وأوسيتيا الشمالية وإنغوشيتيا، وقرتشاي- تشيركيسيا، وأديغيا وقبردينو – بلقاريا، وهي بدورها تعتبر مناطق غنية بالمعادن والموارد الطبيعية من النفط والغاز والفحم والمياه المعدنية.

الصراع على النفوذ

شهدت منطقة القوقاز تقاربا أميركيا ملحوظا مع كل من أذربيجان وأرمينيا في الفترة الأخيرة، تسعى من خلاله واشنطن إلى توسيع نفوذها وتعزيز استثماراتها الإستراتيجية في هذه الدول التي تعتبر بوابات جديدة نحو طرق الطاقة والتجارة.

فقد وقعت باكو ويريفان، في الثامن من أغسطس/آب 2025، اتفاقية سلام بوساطة أميركية خلال اجتماع في البيت الأبيض مع الرئيس الأميركي ترامب، الذي وصف الاتفاق بالتاريخي.

وما زاد من حدة التنافس بين كل من واشنطن وموسكو وطهران، كون هذه المنطقة تعتبر نقطة إستراتيجية حاسمة تربط بين أوروبا وآسيا، فهل سيكون اتفاق السلام ورقة واشنطن الرابحة في المنطقة؟

الكاتب والباحث المتخصص في إدارة الأزمات والصراعات في العلاقات الدولية محمد نادر العُمري يرى أن اتفاق السلام الذي تم توقيعه في البيت الأبيض، هو مسعى ترامب لتقديم نفسه للعالم كرجل سلام، وبالتالي وضع خطوة جديدة في طريقه نحو نيله جائزة نوبل للسلام كما يطمح.

وأضاف العمري -في حديثه للجزيرة نت- أن ترامب يسعى لتعزيز الحضور الأميركي في الرقعة الجغرافية التي وصفها سابقا زبغنيو بريجينسكي، مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق، بأنها قلب العالم أو مركز القوة الجديد للعالم، لتحقيق أهداف وأبعاد جيوستراتيجية في إطار الصراع الدولي القائم على النفوذ والتوازن ومصادر الطاقة التي باتت اليوم أحد محددات توجهات الدول الكبرى وإعادة تموضعها.

وأشار إلى أن البعد الثالث لهذا الاتفاق هو تغيير أدوات الصراع بما يهدد الدول المنافسة لأميركا من روسيا وإيران والصين، خاصة أن الأخيرة هي الهدف الرئيسي لإدارة ترامب، في ظل المساعي الأميركية لإيجاد حلول للصراع في أوكرانيا، وكذلك بعدما استهدفت واشنطن إيران.

وخلص إلى أن "الهدف الرئيسي لأميركا هو إبقاء خصومها في حالة توتر، والتوسع في الصراع الجيوستراتيجي والهيمنة على تلك المنطقة".

مصدر الصورة روسيا تتمتع بعلاقات تجارية مزدهرة مع كل من أذربيجان وأرمينيا لكن العلاقات السياسية شهدت تراجعا (رويترز)

تحديات روسيا

تواجه روسيا تحديات عديدة في ظل الضغوط الغربية والعقوبات المفروضة عليها خلال السنوات الأخيرة، مما يضعف من قدرتها على الحفاظ على نفوذها التقليدي في منطقة القوقاز، سواء على المستوى الاستثماري أو السياسي.

إعلان

ولا تعد منطقة جنوب القوقاز ممرا للسلع والبضائع فقط، بل أيضا ممرا طاقويا ومنفذا بديلا لآسيا الوسطى دون الاعتماد حتى على روسيا وإيران، مما يضع الأخيرتين أمام تحد كبير للسيطرة والقدرة على حماية مصالحهما ونفوذهما في المنطقة.

ويرى محللون أن هذا التحول يُعد تهديدا مباشرا لمصالح موسكو، لا سيما مع تراجع حصتها في تجارة الطاقة الإقليمية، وتنامي القلق من فقدان السيطرة على ممرات إستراتيجية ترتبط بإمدادات النفط والغاز، فضلا عن التأثير السياسي الذي كانت تمارسه عبر هذه الممرات الحيوية.

يرى الخبير السياسي الروسي سيرغي ماركوف أن إستراتيجية الولايات المتحدة وأوروبا في التوسع في منطقة القوقاز الجنوبي تهدف إلى جعل تلك المناطق تعتمد كليا على نفوذهم.

وقال ماركوف -وفقا لما نشرته وكالة الأنباء الأذربيجانية "ريبورت"- إن "الغرب يحاول التدخل في شؤون منطقة القوقاز الجنوبي من خلال أرمينيا، إذ يفرضون أنفسهم كمنصة للتفاوض، مقترحين إبرام اتفاق سلام ولكن تحت إشرافهم"، قائلا إنه "لا ينبغي الوثوق برغبة الدول الغربية في إقامة السلام في منطقة القوقاز الجنوبي".

وبناء على ذلك، تعمل روسيا لمواجهة هذا التمدد الغربي، من خلال تعزيز علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع أرمينيا وأذربيجان وزيادة الاستثمارات وتطوير البنى التحتية، مثل مشاريع بناء ناقلات النفط والغاز، التي أعلن عنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ، خلال زيارته لأذربيجان في أغسطس /آب 2024، وأيضا من خلال تعزيز التعاون الأمني مع حكومات القوقاز الجنوبي.

وتعتبر روسيا حاليا من بين أكبر 3 شركاء تجاريين لأذربيجان بعد إيطاليا وتركيا، حيث تمثل 10% من إجمالي حجم التجارة الخارجية لباكو. ووفقا للبيانات الرسمية، ارتفع حجم التجارة بين البلدين إلى 4.8 مليارات دولار لسنة 2024 بزيادة 10.1% عن سنة 2023، كما توجد حوالي 1800 شركة بمشاركة روسية ممثلة في السوق الأذربيجانية.

وبالنسبة للعلاقات مع أرمينيا، فإن روسيا تمثل أكبر شريك تجاري لها بنسبة 40% من جميع صادرات أرمينيا و32% من جميع وارداتها.

وبلغ حجم التبادل التجاري في النصف الأول من 2025 ما يقارب 3 مليارات دولار، في حين صرح أليكسي أوفرتشوك نائب رئيس الوزراء الروسي بأن التقارب الأوروبي الأرميني كان له تأثير سلبي بالفعل على العلاقات مع بلاده.

الحرب الناعمة

يقول العُمري إن روسيا وإيران والصين أكبر الخاسرين من تغير الواقع الجيوستراتيجي الجديد في القوقاز، خاصة روسيا التي كانت أحد أعضاء "مجموعة مينسك" التي تشكلت 1992 لحل الأزمة بين يريفان وباكو، واليوم هي خارج إطار الحل في الحديقة الجانبية لها.

وأيضا إيران -التي كانت ترفض دائما وجود ممر بري على حدودها الشمالية لعدم منح منافستها التركية الامتيازات الاقتصادية والديمغرافية وحتى في ما يتعلق بتوازن القوى- مضطرة للتعامل مع هذا الأمر الواقع.

وأشار العمري -في حديثه للجزيرة نت- إلى أن الدول الثلاث اليوم أمام عدة مسارات، من بينها السعي لتعزيز العلاقات في ما بينها، وربما اللجوء إلى إثارة الفوضى في بعض المناطق بما لا يسمح لكل من أميركا وتركيا وحلف شمال الأطلسي ( ناتو ) من تحقيق أهدافهم.

وأضاف أن المسار الثالث قد يكون إغلاق مضيق هرمز إن تم تفعيل ممر زنغزور، مستبعدا ذلك لوجود عديد من التعقيدات، ويبقى المسار الأكثر ترجيحا هو تعزيز علاقات الدول الثلاثة وتشكيل تحالفات جديدة لمواجهة التطورات والتغيرات في المنطقة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا