آخر الأخبار

هدنة اقتصادية بين أمريكا والصين.. مكاسب متبادلة ومصالح مؤجلة

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لم تكن قمة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جين بينغ تسوية للحرب التجارية بقدر ما كانت هدنة محسوبة اشترى بها أكبر اقتصادين في العالم مساحة للتحرك أمام ضغوط داخلية متزايدة، فالصين تواجه أزمة عقارية وضعفا في الطلب المحلي، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى احتواء ضغوط الأسعار والطاقة قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

واستمرت القمة بين الرئيسين الأمريكي والصيني في واشنطن ثلاثة أيام، وذكرت وكالة شينخوا الصينية الرسمية اليوم السبت أن الرئيس شي عاد إلى بكين.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 بين مصافي روسيا وشبكة كهرباء أوكرانيا.. لماذا لا توقف هدنة الطاقة الحرب؟
* list 2 of 2 تصعيد روسي أوكراني يختبر تفاهمات واشنطن لوقف ضربات الطاقة end of list

وتكشف قراءة النتائج الاقتصادية للقمة أن المكاسب توزعت بين الطرفين، فقد حصلت واشنطن على تعهدات شراء وفتح أسواق يمكن أن يدعما الصادرات الأمريكية، إلى جانب مسار لخفض الرسوم الجمركية على مجموعة من السلع الاستهلاكية، وحصلت بكين على ما تحتاج إليه في المرحلة الحالية وهو تجنب تصعيد جمركي أكبر، والحفاظ على قدر من الاستقرار في علاقتها بأكبر سوق استهلاكية في العالم.

لكن الاتفاقات المعلنة لا تعني معالجة الاختلالات الأساسية بين الاقتصادين، فالصين لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الصادرات لتعويض ضعف الطلب المحلي، بينما تظل الولايات المتحدة مرتبطة بسلاسل توريد صينية في قطاعات إستراتيجية، في مقدمتها المعادن النادرة. وفي المقابل، تحتفظ واشنطن بقيودها على وصول الصين إلى أكثر رقائق الذكاء الاصطناعي تقدما.

اقتصادان تحت ضغط داخلي

ودخلت بكين المفاوضات بينما يواجه اقتصادها تداعيات أزمة عقارية أضعفت ثروة الأسر والإنفاق المحلي. وبحسب صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، تراجعت أسعار الشقق في الصين بنحو ضعف الانخفاض الذي سجلته أسعار المنازل الأمريكية خلال أزمة 2008، مما أضر بمدخرات الأسر وبإيرادات الحكومات المحلية المعتمدة على بيع الأراضي.

وانعكس ذلك على الاستهلاك، مع ضعف النشاط في المطاعم ومراكز التسوق ومعارض السيارات، وهو ما جعل الاقتصاد الصيني أكثر اعتمادا على قطاع التصدير للحفاظ على النمو.

إعلان

أما في الولايات المتحدة، فتتركز الضغوط الاقتصادية في ارتفاع تكاليف الطاقة واستمرار المخاوف بشأن التضخم وكلفة المعيشة. ومن هنا اكتسبت أي إجراءات يمكن أن تخفض أسعار السلع المستوردة أو تدعم إمدادات الوقود أهمية أكبر بالنسبة إلى واشنطن.

وبهذا المعنى، التقت المصالح الاقتصادية للطرفين عند الحاجة إلى الاستقرار، فبكين تريد وقتا لمعالجة ضعف الطلب وتداعيات العقارات، بينما تريد واشنطن تخفيف الضغوط على الأسعار والمستهلكين.

الرسوم لم تكسر الفائض

وتكشف أرقام التجارة حدود تأثير الرسوم الأمريكية حتى الآن. فالصين تواجه متوسط تعرفة فعليا يبلغ نحو 23%، وهو الأعلى بين الشركاء التجاريين الرئيسيين للولايات المتحدة، مقابل نحو 7% لبقية العالم، بحسب تقديرات باركليز التي أوردتها بلومبيرغ.

ورغم ذلك، يتجه الفائض التجاري الصيني إلى معادلة أو تجاوز المستوى القياسي المسجل العام الماضي عند نحو 1.2 تريليون دولار، بعدما أعادت الشركات توجيه جانب من تجارتها عبر جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية، مع استمرار وصول سلع صينية إلى المستهلك الأمريكي عبر دول أخرى.

كما ارتفعت حركة المناولة في الموانئ الصينية بـ9% في الأسبوع المنتهي في 20 سبتمبر/أيلول الماضي مقارنة بالعام السابق، مسجلة أعلى مستوى على الإطلاق، وفقا لبيانات وزارة النقل الصينية.

غير أن الفائض التجاري الكبير يكشف أيضا نقطة ضعف في الاقتصاد الصيني، فهو يعكس جزئيا اعتماد الشركات على الأسواق الخارجية لتصريف إنتاج لا يستطيع الطلب المحلي استيعابه كاملا.

وتظل الولايات المتحدة سوقا رئيسة لهذا النموذج التصديري، مما يمنح واشنطن ورقة اقتصادية مهمة رغم محدودية تأثير الرسوم حتى الآن.

30 مليار دولار ورسوم تفضيلية

وتوزعت النتائج الاقتصادية المباشرة للقمة على مجموعة من التفاهمات التجارية. ووفقا للبيت الأبيض، وافقت الصين على استيراد ما لا يقل عن 10 ملايين طن متري من الفحم الأمريكي في 2027، والكمية نفسها في 2028.

مصدر الصورة سلع غير حساسة بقيمة 30 مليار دولار هي محور تفاهمات لتطبيق رسوم تفضيلية بين البلدين (غيتي)

واتفق البلدان كذلك على العمل نحو رسوم تفضيلية على سلع غير حساسة بقيمة 30 مليار دولار، تشمل منتجات زراعية ومأكولات بحرية وأخشابا ومستحضرات تجميل وأجهزة طبية أمريكية، إلى جانب سلع استهلاكية صينية تشمل الأجهزة المنزلية الصغيرة والألعاب وزينة العطلات ومقاعد الأطفال في السيارات.

وقالت وزارة الخارجية الصينية اليوم السبت إن بكين وواشنطن أقرتا خطوات تشمل تشكيل مجلس تجارة، وترتيبا خاصا بخفض الرسوم الجمركية.

كما أطلق الطرفان مجموعة عمل بشأن الوصول إلى الأسواق الزراعية، ومجلسا للاستثمار، وطلب ترمب من شي زيادة إنتاج المنتجات النفطية المكررة للمساعدة في استقرار الإمدادات العالمية وتخفيف الضغوط على أسعار الوقود.

وبالنسبة إلى الاقتصاد الأمريكي، تجمع هذه التفاهمات بين دعم الصادرات الزراعية والطاقة وبين محاولة خفض تكلفة بعض الواردات الاستهلاكية، وتحصل الصين في المقابل على قدر من الاستقرار التجاري وتجنب رسوم أعلى كان من الممكن أن تفرض ضغوطا أكبر على قطاعها التصديري.

المعادن النادرة مقابل الرقائق

لكن ميزان القوة الاقتصادي بين البلدين لا تحدده الرسوم وحدها. فقد أظهرت أزمة المعادن النادرة أن الصين تمتلك ورقة ضغط مباشرة على الصناعات الأمريكية والعالمية، بعدما أثرت قيود المعادن والمغناطيسات المستخدمة في السيارات والإلكترونيات والصناعات الدفاعية في حسابات واشنطن.

إعلان

ويرى آدم فارار من بلومبيرغ إيكونوميكس أن الولايات المتحدة ومعظم العالم سيظلان معتمدين على المغناطيسات الصينية حتى 2030 وما بعده، مما يحد من خيارات واشنطن عند التفكير في تصعيد اقتصادي جديد.

في المقابل، تحتفظ الولايات المتحدة بورقة أكثر تقدما في سلسلة التكنولوجيا، إذ لا تزال الصين محرومة من شراء أكثر رقائق الذكاء الاصطناعي تطورا.

ويكشف ذلك عن اعتماد متبادل غير متوازن بين الاقتصادين، فالصين تمتلك نفوذا في المواد الخام والمعادن الإستراتيجية، بينما تملك الولايات المتحدة نفوذا في التكنولوجيا المتقدمة والوصول إلى سوق استهلاكية ضخمة.

هدنة قصيرة لا تسوية تجارية

وتظل الهدنة محدودة زمنيا، فقد قال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن التهدئة التجارية ستمدد حتى 10 يناير/كانون الثاني فقط، أي لنحو شهرين، بدلا من فترة ستة أشهر التي كانت مطروحة سابقا، مع تحديد اجتماع جديد بين الزعيمين في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

مصدر الصورة متوسط التعرفة الأمريكية الفعلية على الصين يبلغ نحو 23% مقابل 7% لبقية الشركاء التجاريين (غيتي)

ويعني قصر المدة أن القمة لم تنتج اتفاقا يعيد رسم العلاقات التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم، وإنما وفرت فترة من الاستقرار يمكن خلالها اختبار تنفيذ التعهدات، ومواصلة التفاوض على القضايا الأكثر تعقيدا.

اقتصاديا، حصلت الولايات المتحدة على تعهدات بشراء الفحم والمنتجات الزراعية وفتح بعض الأسواق، إلى جانب إمكانية خفض أسعار مجموعة من السلع المستوردة، واحتفظت بقيودها على الرقائق المتقدمة. وفي المقابل، تجنبت الصين تصعيدا كبيرا في الرسوم وحصلت على وقت تحتاج إليه في مواجهة ضعف سوق العقارات والطلب الداخلي.

لكن نقاط الضعف الأساسية بقيت كما هي، فالتعريفات الأمريكية لم تمنع الصين من تسجيل فائض تجاري ضخم، والولايات المتحدة لا تزال تعتمد على الصين في المعادن النادرة، بينما يبقى الاقتصاد الصيني معتمدا على الطلب الخارجي، وعلى أسواق تقودها الولايات المتحدة بدرجة لا يستطيع الاستهلاك المحلي تعويضها حتى الآن.

ومن هنا تبدو القمة الأمريكية الصينية اقتصاديا أقرب إلى إدارة للاعتماد المتبادل منها إلى إنهائه، فكل طرف خفف جزءا من الضغوط التي تواجه اقتصاده من دون التخلي عن أدواته الإستراتيجية الرئيسة، لتشتري واشنطن وبكين هدنة مؤقتة وتبقى القضايا الأثقل، من التجارة والرقائق إلى المعادن النادرة، مفتوحة أمام جولات التفاوض المقبلة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار