تعد رواية "تحت قبة سقطرى" للكاتبة الفرنسية فابيين هيربان، الصادرة عن دار لارماتان في فرنسا، ضمن ثلاثية روائية للكاتبة: الجزء الأول عن جزيرة بروناي بعنوان "داتو بادوكا، اللقب الأميري" والجزء الثاني بعنوان "أبواب المحال"، ليأتي الجزء الثالث من نصيب جزيرة سقطرى اليمنية.
صدرت النسخة العربية من الرواية مؤخرا عن دار عناوين بوكس في القاهرة، بترجمة الدكتور جساس أنعم الحاصل على شهادة الأدب والترجمة من جامعة السوربون في فرنسا.
شجرة فريدة ونادرة لا مثيل لها في العالم، تخفي أسرارا، وتأوي الشعراء
الرواية تتحدث عن شابة فرنسية اسمها فلور، تختفي أمها بعد ولادتها مباشرة، وعندما تصبح شابة في عشرينيات العمر تقرر البحث عن والدتها، يعطيها جدها وهو على فراش الموت تلميحات تساعدها على فهم مكان أمها، يخبرها أنها كانت تحب الأشجار النادرة والفريدة من نوعها، استنتجت فلور أنها ستجد أمها في جزيرة سقطرى.
في روايتها "تحت قبة سقطرى" تقودنا فابيين هيربان معها في رحلة روحية وشيقة إلى جزيرة سقطرى اليمنية الواقعة في قلب المحيط الهندي، تتجول في مديرياتها ومناطقها وسواحلها، ولا تترك مكانا ساحرا تسمع عنه دون أن تزوره: السواحل، والأسماك، والأشجار والكهوف ولغة البشر، وفي طريقها تقدم للقارئ كل ما تشاهده من سحر ودهشة في "جزيرة النعيم"، أو "الجزيرة المباركة من الآلهة" بحسب توصيفها.
"في سقطرى، لا تعد الطبيعة مجرد لوحة سياحية منمقة، بل هي كائن حي، يختزل ويعكس في رمزيته معاني الأركان الخمسة للإسلام"
في حديث للجزيرة نت تقول هيربان: "في سقطرى، لا تعد الطبيعة مجرد لوحة سياحية منمقة، بل هي كائن حي، وكأنه يعكس في رمزيته وبشكل من الأشكال معاني الأركان الخمسة للإسلام. ولكي تفهم هذه الطبيعة، لا بد من تعلم تاريخها وأساطيرها، وعلاقتها الوثيقة مع أهل سقطرى أنفسهم"
يتجلى بوضوح تأثر الكاتبة بفلسفة ماركوس أوريليوس ولاو تزو مؤسس الطاوية، التي اقتبست الكثير منهما على طول الخط. لا تخلو الرواية من إشارات روحية وفلسفية للحياة كلها، كما تستحضر اقتباساً عميقاً لبول فاليري كانت تؤمن به: "الأسطورة ضرورية للوجود… الأساطير هي روح أفعالنا وعشقنا"
ويبرز أثر حكمة الشرق وفلسفته في الرواية بنصيحة جد فلور لها قائلاً: "عزيزتي، لا تستعجلي الأمور؛ فالحياة تنسج خيوطها ببطء، وتفتحنا للقاءات قد تمدّك بالعون، وبعضها قد يضلّك عن طريقك. عليكِ أن تشقّي طريقك بنفسك، وأن تصوّبي ما يخرج عن النغمة الصحيحة، وتعيدي ترتيب اللحن حتى يصبح واضحاً، نقياً، ومستقيماً. حينها فقط ستبلغين النجاح"
تنطلق فلور في رحلة بحثاً عن أم لم تعرفها قط، وتشرع في تحقيقات دقيقة تكاد تقارب الهوس، وتتشبث بشكل جنوني بكل خيط أو إشارة. غير أن هذه الرحلة لا تقتصر على استعادة روابط العائلة فحسب، بل تتجاوزها إلى بعد أعمق: البحث عن هويتها هي.
تتبع فلور حدس جدها الذي أرشدها إلى البحث عن مكان تحتضنه أشجار فريدة ومهيبة، وهكذا تقودها خطواتها إلى جزيرة تنضوي على طبيعة استثنائية، مشبعة بالغموض ومفعمة بالشعر.
في سقطرى، لا تعد الطبيعة مجرد لوحة سياحية منمقة، بل هي كائن حي، وكأنه في رمزيته وبشكل من الأشكال معاني الأركان الخمسة للإسلام. ولكي تفهم هذه الطبيعة، لا بد من تعلم تاريخها وأساطيرها، وعلاقتها الوثيقة مع أهل سقطرى أنفسهم.
تقوم شجرة دم الأخوين في الرواية مقام الشخصية الحقيقية، وكأنها أحد أبطال الرواية في دور حكيم عجوز، يحمل في صمته رسالة التسامح
تقوم شجرة دم الأخوين في الرواية مقام الشخصية الحقيقية، وكأنها أحد أبطال الرواية في دور حكيم عجوز، يحمل في صمته رسالة التسامح.
تشرع إيرين وفلور، كل على حدة، في تحول نفسي جوهري، ويتمثل ذلك في رحلة أشبه بالحج الداخلي، تفتح أمامهما طريق النضج والغوص عميقاً في أغوار النفس.
في الرواية، تنجرف فلور في طيات سيناريو خرافي يكشف عن حدس مأساوي يلوح في نفس فلور؛ فموت جمال يفتح عيني قلبها على حقائق لم تكن تراها. لا يتطلب تحول الإنسان وتغير ما بنفسه خسارة أو تضحية بالضرورة، بل يمر عبر امتحان يكشف جوهره.
الأم شخصية واضحة المعالم، وتصر فلور على أن تقدم لها أمها تفسيرا صريحا لتخليها عنها. وهنا أحد أهم معالم رحلة البحث عن الحقيقة.
تعد سقطرى سجلا زاخرا ومستودعا للمعرفة، معرفة الطبيعة ومعرفة الإنسان. ومن خلال الرواية، تتجاوز الجزيرة ملامح الرواية وحدود الزمان والمكان، لتصبح فضاء أوسع للتأمل والاستيعاب.
عندما يكتب المرء عن ثقافة مختلفة عن تلك التي نشأ فيها، فإن مسؤوليته تكمن في توخي القدر الأكبر من الاحترام، والملاحظة الدقيقة، والقدرة على الإحساس.
تبقى الطبيعة ملاذا للمؤمنين وغير المؤمنين على السواء، لأنها في النهاية خلق من مخلوقات الله.
يرافق القارئ بطلة الرواية فلور عبر ثلاثية روائية. في الجزء الأول في بروناي، يتجسد افتتان فلور بالقباب، ثم يتواصل في سلطنة عمان في الجزء الثاني، حيث تمتزج الحبكة بين الخيال والحكاية الشرقية في أرض اللبان، وبين الحكاية الإفريقية على طريق زنجبار.
أما الجزء الثالث فيسدل الستار، في نهايته، على الثلاثية كاملة في سقطرى، في بعد روحاني تحت ظلال شجرة دم الأخوين. وترى الكاتبة أن شكل هذه الشجرة لا يستحضر القبة فحسب، بل يذكر أيضا بالمجلس، حيث يتم التشاور وتبادل الآراء وصياغة القرارات. وتبلغ الرواية ذروة خيالها حين تتحول شجرة دم الأخوين إلى حكيم حي وصامت، لم يفارق فلور أبدا.
في هذه الرواية، تصبو الكلمات بطاقتها إلى ترجمة وتجسيد عظمة الطبيعة ورمزية سقطرى. بطلة وأمها تكتشفان نفسيهما قائدتين لمعركة شخصية، في رحاب حكيم عتيق. "تستحق هذه الرواية أن تتحول إلى عمل سينمائي يمنح هذه الجنة بعدها الحقيقي ومكانتها على الساحة الدولية"
أهدي هذه الرواية، على نحو خاص، إلى اليمن؛ وفاء بوعد قطعته لأبناء سقطرى، وفخر لي أن تقرأ في جميع أرجاء العالم العربي.
حين تعانق فلور شجرة دم الأخوين، فإنها تعبر لذلك الحكيم عن امتنانها العميق لنصحه، ولإصغائه، ولأنه كان القرار الآمن الذي حماها من كل عثرة
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة