( CNN )-- ظَهَر ما يُعرف بـ "السياحة المظلمة" في قطاع السفر، حيث يسعى نوعٌ فريد من المسافرين الباحثين عن الإثارة إلى زيارة مناطق الحروب ، وأخرى ملوثة بالإشعاع ، والمناطق الحدودية المضطربة لقضاء عطلاتهم.
تنقسم "السياحة المظلمة" إلى نوعين: الأولى تتمثّل بزيارة دول تُعتبر خطيرة بطبيعتها، مثل كوريا الشمالية، وأفغانستان، وهايتي، وهي ثلاث وجهات تُصنّفها وزارة الخارجية الأمريكية ضمن قائمة "الأماكن التي يُنصح بعدم السفر إليها"، بينما الثانية تتمحور حول أماكن شهدت أحداثًا مروعة، مثل "جونزتاون" في غيانا.
يُشكّل ازدهار السياحة المظلمة في الوقت الحاضر مادةً دسمةً لوسائل التواصل الاجتماعي، إذ أنه بالنسبة لجيل جديد من المسافرين، تُصبح هذه الوجهات الكئيبة بمثابة محتوى جذاب يتحول فيه الماضي إلى عروض منسّقة تُنشر على منصات مثل "إنستغرام" و"فيسبوك".
لكن يقول بعض الذين يقومون بهذه الرحلات إنّ هناك أسبابًا أخرى تدفعهم لخوض هذه التجارب.
وقال أرنود كيربي، وهو مسافر شغوف من لوكسمبورغ: "بالنسبة لي، الدافع الرئيسي لزيارة أماكن تُعتبر خطيرة في كثير من الأحيان، مثل سوريا، وليبيا، والسودان، يرتبط ارتباطًا وثيقًا باهتمامي بالتاريخ".
تتمتّع العديد من هذه الدول بخلفيات تاريخية غنية ومعقدة للغاية، ورؤية هذه الأماكن على أرض الواقع تمنح منظورًا مختلفًا تمامًا مقارنةًً بالقراءة عنها فحسب.
كما أضاف أنّ الفضول الثقافي والرغبة في استكشاف الوجهات الأقل زيارة من العوامل المؤثرة قي قراراته.
قادته إحدى رحلاته الأخيرة إلى تشاد، وهي دولة وسط إفريقيا لا تستقبل سوى عدد قليل من السياح سنويًا.
وتُحذّر كل من وزارة الخارجية الأمريكية ووزارة الخارجية والتنمية البريطانية من السفر إليها، مشيرةً إلى خطر الإرهاب، والاضطرابات المدنية، وغيرها من العوامل.
مع ذلك، لم يواجه كيربي أيًا من هذه التحديات أثناء زيارته للعاصمة إنجمينا وحديقة زاكوما الوطنية.
وأكّد: "ما لفت انتباهي حقًا هو الودّ الذي يتمتع به الأشخاص".
وقال الرحالة البريطاني ويل أسويل، الذي طلب استخدام اسم مستعار خشيةً من عدم حصوله على تصاريح سفر مستقبلية، إنّه لم يشعر بعدم الأمان إطلاقًا أثناء زيارته لبلدان مثل إيران، وكوريا الشمالية، وأوكرانيا، والعراق.
وشرح أسويل: "من المغري بالتأكيد فهم ما يحدث وراء العديد من عناوين الأخبار، ورَفْض الكثير من الصور النمطية المجرَّدة من الإنسانية عن دول قد يكون لها منظور مختلف عن المملكة المتحدة والولايات المتحدة".
وتابع: "على سبيل المثال، إدراكي لمدى طيبة وكرم العالم الإسلامي، بعد أن سمعت طوال حياتي عن مدى سوء هذه البلدان وشرّها، كان أمرًا لامسني بعمق. السفر يتمحور حول فهم الاختلافات وخوضها، والسماح لها بالتأثير عليك وتغييرك".
لكن هذا لا يعني انعدام المخاطر.
خلال رحلة في عام 2025 عبر ولاية سينالوا المكسيكية التي تعاني من العنف، قال الرحالة البريطاني إنّه أُنزِل من حافلة تحت تهديد السلاح في منتصف الليل على يد أعضاء من كارتل "خاليسكو للجيل الجديد".
وأوضح: "كان من الحماقة أن أسافر ليلاً"، فضلًا عن اضطراره لدفع "مبلغ كبير من المال" لإطلاق سراحه.
خلال رحلات خاصة تضم مجموعات صغيرة من الأشخاص إلى كل من سوريا وأفغانستان، كان مرشدو كيربي يُعدّلون مسارات الرحلات باستمرار لمراعاة النشاط العسكري والتهديدات الإرهابية.
بصفته مرشدًا سياحيًا في شركة " Lupine Travel " البريطانية، التي تنظم رحلات إلى العديد من الأماكن التي قد تكون خطرة، غالبًا ما يواجه الأسترالي أليكس هوبز احتمال اتخاذ تلك القرارات الصعبة.
وأوضح لـ CNN : "تُعد سوريا، وتركمانستان، والصومال، والعراق من بين الدول الأخرى المصنفة باعتبارها خطرة، والتي قمت بتنظيم جولات سياحية فيها".
وتابع: "رُغم وجود تحديات فريدة من نوعها، إلا أنّني لا أعتبرها قاتمة في كثير من الأحيان. فإذا تعمقت في البحث، ستُتاح لك فرصة عيش تجربة فريدة تجمع بين التاريخ القديم والحديث".
وأوضح هوبز أنّ الشركة تُجري أبحاثًا معمّقة قبل بدء أي جولة جديدة، لكن الأمور لا تسير كما هو مخطط لها دائمًا.
في وقتٍ سابق من هذا العام، وجد هوبز نفسه على هامش أحداث مؤسفة، فأثناء سفره إلى مالي لإرشاد رحلة مع الشركة، علق في قطر لعدّة أيام مع بداية الحرب الأمريكية الإيرانية.
بعد عمله كمرشد لتلك الرحلة في مالي، والتي يعترف بأنّها شهدت بعض التغيرات في اللحظات الأخيرة بسبب مخاوف أمنية، تعرّضت البلاد لموجة من الهجمات الإرهابية الإسلامية.
أحيانًا، تكون زيارة الأماكن الخطرة جزءًا من هدفٍ أسمى.
في عام 2024، أصبحت هايلي كينيدي، المقيمة في لندن، أول شخص معروف من ذوي الإعاقة البصرية يزور جميع دول الأمم المتحدة البالغ عددها 193 دولة.
وكانت ليبيا محطتها الأخيرة، لكنها زارت وجهات أخرى مثل كوريا الشمالية، وإيران، والصومال، وميانمار، وجمهورية الكونغو الديمقراطية.
وأكّدت كينيدي: "هدفي هو رؤية أكبر قدر ممكن من الوجهات قبل أن أفقد بصري تمامًا".
تسافر كينيدي بمفردها كلما أمكنها ذلك، لكنها تنضم إلى مجموعة صغيرة أو تسافر برفقة شخص ما في الأماكن التي يصعب الوصول إليها.
وقالت: "أحاول نشر الوعي بشأن سفر أصحاب الإعاقة. مع ذلك، وجدتُ عمومًا أنّ معظم شركات الطيران أو هيئات النقل العام لا تُبدي اهتمامًا يُذكر بتسهيل السفر لذوي الاحتياجات الخاصة، باستثناء توفير الكرسي المتحرك".
يختلف النوع الثاني من السياحة المظلمة، أي زيارة الأماكن التي شهدت أحداثًا مروعة، عن زيارة البلدان الموجودة ضمن قائمة أمنياتك.
وتناول الكاتب البريطاني إتش. إي. سوير هذه الظاهرة في عدة كتب منها "أنا السائح المظلم: رحلات إلى أحلك المواقع على وجه الأرض".
أوضح سوير أنّ اهتمامه بهذا النوع من السفر يعود غالبًا إلى نشأته مع أقارب نجوا من غارات القصف الجوي على بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية، وتكوين صداقة مع أحد الناجين من الهولوكوست .
كما أنّه كان مفتونًا بالمقابر منذ صغره.
لكن زيارته لتشيرنوبل بعد الكارثة النووية التي شهدتها هي ما ألهمت اهتمامه الأكاديمي بهذا الموضوع.
تشمل الأماكن المظلمة التي زارها سوير قرية أبيرفان الويلزية، حيث لقي العشرات حتفهم عندما دُفنت مدرسة ابتدائية تحت مخلفات تعدين الفحم عام 1966، وغابة "بحر الأشجار" في اليابان، التي تُعد موقعًا شائعًا للانتحار، وحطام سفينة ركاب "سالم إكسبريس" التي غرقت عام 1991 في البحر الأحمر.
تُعد "جونزتاون" في غيانا وجهةٌ مظلمةٌ لم تصبح مزارًا سياحيًا إلا مؤخرًا. وفيها، أقدم أكثر من 900 من أتباع القس جيم جونز وجماعة "معبد الشعوب" على الانتحار بتناول مياه ممزوجة بالسيانيد عام 1978.
أطلقت شركة " Wanderlust Adventures " في جورج تاون رحلاتٍ إلى "جونزتاون" التي تعاني من حالات الانتحار الجماعي، وذلك مطلع عام 2025.
لكن قبل التوجه إلى الموقع، أكّدت مؤسِّسة الشركة روزلين سيوشاران أنّهم يحرصون على زيارة السكان المحليين أولاً، والاستماع لوجهة نظرهم، و"الحصول على موافقتهم" على حد تعبيرها.
إلى جانب شرح كيفية وقوع الانتحار الجماعي، يُبيّن مرشد سياحي أيضًا كيف أثّرت هذه المأساة على السكان المحليين.
وأكّدت سيوشاران أنّها "تجربة ثقافية وتعليمية في المقام الأول".
المصدر:
سي ان ان