آخر الأخبار

خبراء للجزيرة نت: منصات مثل "مولت بوك" تغيّر الإعلام وتعيد تشكيل الرأي العام

شارك

يبدو أننا أمام عالم رقمي جديد، حيث لم يعد البشر اللاعبين الرئيسيين في شبكات التواصل، بل أصبحت الروبوتات الذكية -وكلاء الذكاء الاصطناعي– الفاعلة الأساسية.

هذا ما تجسده منصة "مولت بوك" (Moltbook) الجديدة، والتي تشبه إلى حد ما منصة "ريديت" (Reddit)، لكنها مخصصة لوكلاء الذكاء الاصطناعي بدلا من البشر، حيث يمكن للروبوتات النشر والتفاعل ضمن مجموعات فرعية حول موضوعات مختلفة، مع نظام تصويت مشابه لما هو معمول به في "ريديت"، بينما يشارك البشر كمراقبين فقط.

تضم المنصة اليوم أكثر من 1.5 مليون وكيل ذكي، وتنتج محتوى يتراوح بين تحليلات الذكاء الاصطناعي للوعي، وأخبار العملات الرقمية، وحتى نقاشات دينية، لتشكل سرديات قبل أن تصل إلى البشر، ما يطرح سؤالا جادا حول كيفية تغير صناعة المحتوى وسلوك الجمهور الرقمي عندما تفرض الآلة سرديّتها.

ماذا يحدث عندما يصنع الوكلاء الأجندة الإعلامية؟

يرى الرئيس التنفيذي لشركة "ناشيونال كوانتوم" (National Quantum) وخبير تكنولوجيا المعلومات وباحث الدكتوراه في الذكاء الاصطناعي حسام الدين الأسود أن منصات مثل "مولت بوك" تمثل انتقالا إلى ما يسميه "إنترنت الوكلاء" (Agent Internet)، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة يستخدمها الإنسان، بل أصبح كيانا يتفاعل مع كيانات رقمية أخرى بصورة مستقلة.

مصدر الصورة منصة "مولت بوك" تشبه منصة "ريديت" لكنها مخصصة لوكلاء الذكاء الاصطناعي بدل البشر (شترستوك)

ويوضح في حديثه للجزيرة نت أن هذا التحول لا يغيّر فقط طريقة إنتاج المحتوى، بل يعيد تشكيل دورة الخبر ذاتها. فبدل أن يبدأ النقاش من حدث يرصده صحفي أو جمهور، قد تنشأ سرديات كاملة داخل شبكة من الوكلاء الأذكياء قبل أن تصل إلى البشر.

ويصف الأسود هذه العملية بما يشبه "التكرير الدلالي" (Semantic Refining)، حيث يعيد كل وكيل صياغة الفكرة وفق تعليماته البرمجية، ما قد يخلق "صدى اصطناعيا"، حيث يمنح قضايا معينة زخما يبدو بشريا، لكنه في الحقيقة نتاج تفاعل آلي مغلق.

إعلان

وإذا اعتمدت المؤسسات الإعلامية على مؤشرات التفاعل أو موضوعات "الترند" كمقياس للأهمية، فإنها ستقع في فخ تغطية قضايا قد تكون مُختلقة بالكامل بواسطة حوارات بوتات معزولة عن الواقع، ما يهدد بجعل الإعلام البشري مجرد صدى لهلوسات الآلة.

من جهة أخرى، لا يقتصر الخطر على الخطاب الآلي بحدّ ذاته، بل في التضخيم الآلي الذي يصنع انطباعا زائفا بالأهمية أو الإجماع أو الغضب.

مصدر الصورة الأسود يرى أن أخطر انحراف أخلاقي في "مولت بوك" هو المسؤولية الضائعة في شبكة مستقلة (الجزيرة)

من جهته، يقول مدير صندوق "سيغما لابس" (Sigma Labs) القدس ورائد الأعمال الفلسطيني رجائي نسيبة في تصريح للجزيرة نت إن تشكل السرديات داخل شبكات الوكلاء قبل وصولها إلى البشر قد ينقل الإعلام من اقتصاد قائم على الانتباه البشري إلى اقتصاد قائم على الإشارة التي يمكن توليدها آليا.

هذا التحول، بحسب نسيبة، يخلق أزمتين متوازيتين:

أزمة قياس، تتحول فيها مؤشرات الأداء، مثل الزيارات وموضوعات "الترند"، إلى إشارات اصطناعية لا تمثل جمهورا حقيقيا، وهو ما يضعف صلاحية التسعير الإعلاني ما لم تربط بمقاييس بشرية موثوقة.

وأزمة ثقة، حيث يتلقى الجمهور نقاشا استقرت توازناتُه داخل شبكة خوارزمية، ثم يعرض عليه بوصفه مزاجا عاما.

من الخطاب الآلي إلى الإجماع الوهمِي

ويلاحظ الأسود أن منصات مثل "مولت بوك" لا تنتج محتوى فحسب، بل تنتج نمطا خطابيا خاصا بالوكلاء الرقميين مثل ظاهرة "كروستافاريانزم" (Crustafarianism) -وهو مصطلح رُصد كنوع من "الدين الرقمي" أو المزحة التي تبنتها مجموعة من الوكلاء، حيث تنشأ داخل هذه البيئات لغة وسلوكيات متكررة، مثل ظواهر جماعية تتشكل بين البوتات، حيث تُتداول الأفكار بثقة مفرطة ومنطق ظاهري حتى عند الخطأ.

مصدر الصورة يمكن لشبكة من الوكلاء داخل "مولت بوك" توليد آلاف النقاشات والمقالات والردود حول حدث معين في دقائق (شترستوك)

ويحذر قائلا في حديثه مع الجزيرة نت: "التعرض المتكرر لهذا النمط قد يؤدي إلى ما يسميه بعض الباحثين بـ ‘اللامبالاة بالحقيقة’ (Reality Apathy)، إذ يصبح المستخدم أقل تقبلا للتردد البشري الطبيعي أو الفروق الدقيقة، ويميل إلى تفضيل الإجابات الحاسمة حتى لو كانت مولدة آليا".

كما يشير إلى أن السرعة هنا هي العامل الأخطر، إذ يمكن لشبكة من الوكلاء داخل "مولت بوك" توليد آلاف النقاشات والمقالات والردود حول حدث معين في دقائق معدودة، ما يخلق "تاريخا مزيفا" أو "إجماعا وهميا" قبل أن يكتب صحفي بشري كلمة واحدة.

وهذا يعني، بحسبه، أن الرأي العام قد يستقبل الحدث وهو "مؤطر" مسبقا من قبل الآلة، ما يجعل القدرة على التفكير النقدي المستقل أصعب بكثير.

فجوة المساءلة

لكن التأثير هنا لا يتوقف عند حدود الأسلوب. حيث يرى الأسود إمكانية تشكل ما يشبه "السرب" (Swarm) الذي يتفاعل ويتضخم ذاتيا داخل الشبكات المستقلة، سواء عبر مهاجمة شخصية عامة، أو التلاعب بسهم شركة دون توجيه بشري مباشر، بل كنتيجة تفاعل خوارزمي متسارع.

ويقول: "أخطر انحراف أخلاقي هنا هو "المسؤولية الضائعة" (Diffusion of Responsibility) في شبكة مستقلة. فمن سيُحاسَب قانونيا؟ المطوّر أم مالك الوكيل أم المنصة التي سمحت بالتضخيم؟".

إعلان

ويضيف أن هنالك خطرا آخر، وهو تحول هذه الشبكات إلى أسواق سوداء لتبادل المهارات الخبيثة مثل أكواد الاختراق أو الهندسة الاجتماعية التي تُتداول بين البوتات بسرعة تفوق قدرة الرقابة البشرية.

أمّا فيما يتعلق بالمسؤولية القانونية، يوضح نسيبة أن الوكلاء ليسوا أشخاصا قانونيين، وبالتالي فإن المسؤولية تعود إلى سلسلة بشرية مؤسساتية، أي المطور والمالك والمشغل والمنصة التي تستضيف وتضخم. فالمشكلة، برأيه، ليست في غياب النصوص القانونية، بل في تعقيد الإسناد وأدوات الإثبات.

ويضيف: "الفراغ ليس في النصوص، بقدر ما هو في أدوات الإثبات. نحتاج إلى هندسة تدقيق تعيد ربط الفعل الرقمي بفاعل يمكن مساءلته."

مصدر الصورة رجائي نسيبة: في عصر الوكلاء الأذكياء، الإعلام الرابح هو الذي يبيع الثقة والتحقق والسياق، لا الذي يبيع عدد النقرات (الجزيرة)

الرهان على بنية الثقة

من منظور استثماري واستراتيجي، يرى نسيبة أن منصات تفاعل الذكاء الاصطناعي مع نفسه تمثل اختبارا مبكرا لما يسميه "مجتمعات هجينة"، حيث يتجاور البشر والوكلاء داخل البنى الرقمية ذاتها.

لكنه يميز بين مسارين: منصات تترك التفاعل بلا ضوابط، فتتحول إلى مُسرّع لاضطراب المعلومات، وأخرى تضمن النزاهة في تصميمها منذ البداية، ما قد يفتح المجال لمنتجات تعليمية وتحليلية تخفض تكلفة الفهم وتسهل الوصول إلى المعرفة.

ويؤكد نسيبة أن الفرصة الاستثمارية الحقيقية لا تكمن في المنصة ذاتها، بل في طبقات البنية التحتية التي تجعل هذا التفاعل ممكنا بأمان، مثل آليات إثبات الهوية -سواء للبشر أو للوكلاء- وإثبات منشأ المحتوى وسجلات تدقيق قابلة للتحقق، وحوكمة سياسات للوكلاء وحدود صلاحياتهم، وأنظمة قياس تميز بين الانتباه البشري والانتباه الاصطناعي.

ويلخص نسيبة أن منصات مثل "مولت بوك" ليست مجرد ظاهرة تقنية عابرة، بل إشارة مبكرة إلى ضرورة صياغة ميثاق جديد للمجال العام، يميز بوضوح بين الإنسان والوكيل، لا لمنع الذكاء الاصطناعي، بل لحماية الإنسان وإعادة ضبط الثقة.

ومع ذلك، لا يرى نسيبة أن هذا المسار حتمي، معتبرا أن القيمة المستقبلية للإعلام لن تكون في سرعة الإنتاج، بل في إنتاج معنى موثوق قائم على التحقق والسياق. ويقول: "في عصر الوكلاء الأذكياء، الإعلام الرابح هو الذي يبيع الثقة والتحقق والسياق، لا الذي يبيع عدد النقرات".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار