آخر الأخبار

كيف تعيد الخوارزميات هندسة الدماغ البشري؟ وما هي استراتيجيات التحرر منها؟

شارك

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد أدوات للترفيه أو الربط بين البشر، بل تحولت إلى مختبرات كبرى للهندسة السلوكية. فخلف كل سحب للشاشة "سكرول" (Scroll) تقبع خوارزميات صممت بعناية فائقة لتتلاعب بنقاط الضعف البيولوجية في أدمغتنا، مما خلق واقعا جديدا يتجاوز مفهوم "الإدمان السلوكي" ليصل إلى "إعادة تشكيل البنية العصبية".

العبث بكيمياء الدماغ.. فخ الدوبامين

يعتمد تصميم المنصات الحديثة على نظام "المكافأة المتغيرة والمتقطعة"، وهو نفس المبدأ الذي تدار به آلات القمار في الكازينوهات، فعندما تتصفح تطبيقا ما، فأنت لا تعرف متى ستواجه المحتوى الذي يثير اهتمامك أو الإعجاب الذي ينتظر صورك. وهذا الجهل بموعد المكافأة يحفز إفراز كميات هائلة من الدوبامين، ليس عند الحصول على المعلومة فحسب، بل بمجرد "توقع" الحصول عليها.

وحسب الدراسات الحديثة، فإنه مع مرور الوقت، يعتاد الدماغ على هذه المستويات المرتفعة من الدوبامين، مما يؤدي إلى "تبلد الحواس" تجاه المتعة الطبيعية مثل القراءة أو التنزه، والنتيجة هي إضعاف القشرة الجبهية "بريفيرونتال كورتيكس" (Prefrontal Cortex)، وهي المنطقة المسؤولة عن الوظائف التنفيذية مثل ضبط النفس، والتركيز العميق، واتخاذ القرارات العقلانية. فيفقد الشخص حرفيا قدرته على الاختيار، ويصبح مدفوعا بنبضات عصبية آلية تبحث عن الإشباع الفوري.

انكماش الانتباه الرقمي

تشير دراسات حديثة هذا العام إلى أن "مدى الانتباه" البشري قد تقلص بشكل مرعب نتيجة استهلاك المحتوى القصير (Short-form content).

فهذا المحتوى القصير يدرب الدماغ على رفض المهام التي تتطلب مجهودا ذهنيا طويلا، مما يخلق جيلا يعاني من تشتت الانتباه الرقمي المكتسب. كما أن عملية الانتقال السريع بين الفيديوهات تمنع الدماغ من الدخول في حالة التركيز العميق (Deep Work)، وهي الحالة الضرورية للإبداع والابتكار.

مصدر الصورة التصفح اللانهائي يضعف قشرة الدماغ الجبهية، مما يسلبنا القدرة على التركيز واتخاذ القرار (شترستوك)

ثورة الوعي.. تقنيات "الديتوكس الرقمي"

في مواجهة هذا الاختراق العصبي، برزت استراتيجيات دفاعية تعتمد على فهم آليات عمل الدماغ لإعادة ضبط توازنه، ومنها:

إعلان

* التعقيم البصري (الوضع الرمادي): تعتبر الألوان الزاهية في التطبيقات إشارات مكافأة تحفز الدماغ. وبتحويل شاشة الهاتف إلى اللون الرمادي "غرايسكيل" (Grayscale)، يفقد الجهاز جاذبيته البيولوجية ويتوقف الدماغ عن رؤية الهاتف كلعبة ممتعة ويبدأ في رؤيته كأداة وظيفية، مما يقلل الرغبة في التصفح العشوائي بنسبة تصل إلى 40%.


* الصوم الدوباميني المنظم: لا يعني الصوم الرقمي الانقطاع التام، بل ممارسة "الفراغ الذهني"، أي تخصيص ساعات معينة يوميا خاصة الساعة الأولى بعد الاستيقاظ بدون أي مدخلات رقمية يسمح لمستقبلات الدوبامين باستعادة حساسيتها الطبيعية، مما يرفع من جودة المزاج والتركيز التلقائي.


* حواجز الاحتكاك الإرادية: تعمل الخوارزميات على إزالة أي عوائق أمام المستخدم مثل التصفح اللانهائي. الحل يكمن في "خلق الاحتكاك"؛ مثل وضع كلمات مرور معقدة لكل تطبيق، أو استخدام تطبيقات تفرض "فترة انتظار" لمدة 10 ثوانٍ قبل فتح المنصة. هذه الثواني القليلة تكسر الحلقة التلقائية وتفعل العقل الواعي لاتخاذ قرار: "هل أحتاج فعلا لفتح هذا التطبيق الآن؟".


* العزل الجغرافي للتقنية: تطبيق سياسة الغرف المقدسة مثل غرفة النوم والمائدة التي يحظر فيها تواجد الهواتف، وهذا العزل يحمي جودة النوم التي تعد الركيزة الأولى لترميم الدماغ من التلف الناتج عن التشتت الرقمي.

وهنا يرى الخبراء أن معركة "الديتوكس الرقمي" ليست حربا ضد التكنولوجيا، بل هي رحلة لاستعادة السيادة على العقول، فالتكنولوجيا خادم جيد لكنها سيد مستبد. ومن خلال تبني هذه التقنيات، لا يحمي الشخص وقته فحسب، بل يحمي قدرته الإنسانية الفريدة على التأمل، والتركيز، وبناء الروابط العميقة التي لا تستطيع أي خوارزمية محاكاتها.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار