قبل أقل من عقد، كان كومو 1907 اسما هامشيا في خريطة الكرة الإيطالية، يتنقل بين الدرجات الدنيا، مثقلا بأزمات مالية ومنشآت متواضعة وقاعدة جماهيرية محدودة. أما اليوم، فقد تبدل المشهد تماما، وبات النادي يقف على أعتاب مرحلة غير مسبوقة في تاريخه مع ظهوره في دوري أبطال أوروبا.
بدأ التحول الحقيقي في عام 2019، حين استحوذت مجموعة جاروم الإندونيسية (Djarum) على النادي مقابل قيمة تقل عن مليون يورو تقريبا. ومنذ ذلك الحين، لم يعد كومو مجرد مشروع لإنقاذ فريق متعثر، بل تحول تدريجيا إلى استثمار رياضي وتجاري طويل الأمد، يطمح ملاكه إلى بناء ناد قادر على المنافسة داخل الملعب، ومضاعفة قيمته خارجه حتى تقترب مستقبلا من حاجز المليار يورو.
والسؤال هنا لا يتعلق بالصعود الرياضي وحده، بل بكيفية صناعة هذا التحول بهذه السرعة. كيف انتقل كومو من ناد يعاني في الدرجات الأدنى إلى فريق ينافس في الدوري الإيطالي ويطرق أبواب أوروبا؟ وما الذي فعله ملاكه لتحويل فريق محدود الموارد إلى مشروع يطمح لأن يكون واحدا من أكثر النماذج إثارة في كرة القدم الحديثة؟
يمتلك كومو واحدة من أكثر المزايا تفردا في كرة القدم الأوروبية؛ فملعب سينغاغليا يقع على ضفاف بحيرة كومو، إحدى أشهر الوجهات السياحية في إيطاليا والعالم.
الملعب، الذي يتسع لنحو 13 ألف متفرج ويقترب عمره من قرن، لا يشبه الملاعب الحديثة الضخمة، لكن موقعه يمنحه هوية يصعب تقليدها.
ومع وصول النادي إلى دوري أبطال أوروبا، أصبح الطلب على تذاكر مبارياته كبيرا، إلى درجة أن رئيس النادي ميروان سوارسو وأعضاء من الإدارة قرروا التنازل عن مقاعدهم لإتاحة الفرصة لأكثر من 40 مشجعا من أقدم جماهير كومو لحضور إحدى المباريات.
لكن خلف هذه الصورة الساحرة قصة أكثر تعقيدا بدأت قبل سنوات.
قبل استحواذ مجموعة جاروم (Djarum) على النادي، كان سوارسو وبعض زملائه في شركة مولا تي في (Mola TV)، التابعة للمجموعة، يبحثون عن فكرة لإنتاج فيلم وثائقي عن كرة القدم الإيطالية.
وخلال البحث عن المشروع المناسب، قادتهم رحلتهم إلى كومو، النادي الذي كان قد صعد إلى الدرجة الثالثة، لكنه كان يعاني من منشآت متواضعة وملعب يحتاج إلى تجديد واسع.
لم يرَ سوارسو في النادي مجرد فريق متعثر، بل رأى فرصة لبناء قصة صعود تبدأ من القاع.
وكانت الإمكانات المالية متوافرة؛ فمجموعة جاروم (Djarum) مملوكة للأخوين بودي وبامبانغ هارتونو، وهما من أبرز رجال الأعمال الأثرياء في إندونيسيا. لكن امتلاك المال لا يعني بالضرورة معرفة كيفية بناء ناد لكرة القدم.
وهنا بدأ البحث عن الأشخاص القادرين على تحويل الأموال إلى مشروع مستدام.
استعان النادي بالإنجليزي دينيس وايز، لاعب تشيلسي ومنتخب إنجلترا السابق، الذي بدأ مستشارا قبل أن يصبح لاحقا الرئيس التنفيذي ثم رئيسا لكومو.
عندما وصل وايز، كانت قائمة المشكلات طويلة. لم يكن النادي يمتلك مركز تدريب خاصا به، وكان يعتمد على عقد إيجار يتجدد عاما بعد عام، كما كان قد تعرض للإفلاس مرتين، ولم يكن متوسط الحضور الجماهيري يتجاوز نحو 800 مشجع.
كانت الأولويات واضحة: تطوير البنية التحتية، زيادة الحضور الجماهيري، تعزيز علاقة النادي بالمجتمع المحلي، إنشاء مركز تدريب، وإعادة أكاديمية الشباب إلى إدارة النادي.
وفي ظل محدودية الإنفاق على الانتقالات، اضطر وايز إلى البحث عن حلول بديلة، ووصل الأمر في إحدى المراحل إلى الاعتماد على 14 لاعبا معارا. لكن المشروع بدأ يتحرك تدريجيا إلى الأمام.
جاءت إحدى أهم نقاط التحول في عام 2022، عندما انضم الإسباني سيسك فابريغاس إلى كومو لاعبا ومساهما في النادي.
لم يكن المال هو الدافع الأساسي لفابريغاس، وفق ما أوضح عند انضمامه، بل كان يبحث عن مشروع يثير حماسه، وقد أقنعه وايز بالرؤية طويلة الأمد للنادي.
كان الهدف المشترك بين فابريغاس ووايز وسوارسو واضحا: إعادة كومو إلى الدوري الإيطالي.
وفي عام 2024 تحقق الهدف، عندما عاد كومو إلى سيري آ للمرة الأولى منذ أكثر من 20 عاما.
وبحلول ذلك الوقت، كان فابريغاس قد بدأ بالفعل في الاضطلاع بدور محوري في قيادة الفريق فنيا، رغم إدراجه رسميا في البداية مساعدا للمدرب أوسيان روبرتس بسبب عدم استكماله متطلبات رخصة التدريب.
وعندما غادر وايز النادي في صيف عام 2024، اتضح أكثر حجم التحول داخل المشروع، إذ اختارت الإدارة مواصلة العمل وفق رؤية فابريغاس.
ومنذ ذلك الحين، ظل الإسباني وسوارسو متفقين على الهدف نفسه: دفع كومو إلى أعلى مستوى ممكن.
لم يكتفِ كومو بالصعود إلى سيري آ، بل اختار إستراتيجية أكثر جرأة تقوم على الاستثمار بكثافة لبناء فريق قادر على المنافسة في وقت قصير.
وخلال موسم الصعود من سيري بي، بلغت تكاليف تشغيل النادي نحو 52 مليون يورو (نحو 56.16 مليون دولار)، مقابل إيرادات تشغيلية لم تتجاوز 10 ملايين يورو (نحو 10.8 ملايين دولار).
وبعد الصعود إلى سيري آ، وصل صافي رصيد الانتقالات إلى أكثر من 93.35 مليون يورو (نحو 100.82 مليون دولار) بالسالب في الموسم الأول، قبل أن يقترب العجز من 108.79 مليون يورو (نحو 117.49 مليون دولار) في الموسم التالي.
كانت الفكرة أشبه بالمراهنة على المستقبل: إنفاق الأموال الآن لبناء فريق وأصول تجارية ترفع قيمة النادي لاحقا.
وقد بدأت الإستراتيجية تعطي نتائج رياضية لافتة، بعدما قاد فابريغاس كومو إلى المركز الرابع في الدوري الإيطالي الموسم الماضي، وهي نتيجة فاقت توقعات كثيرين ومهدت الطريق أمام المشاركة في دوري أبطال أوروبا.
ومع ذلك، يؤكد سوارسو أن التأهل الأوروبي لم يكن شرطا لبقاء المشروع ماليا، وأن الإدارة لا تتعامل مع دوري الأبطال باعتباره ضرورة لإنقاذ الحسابات، بل تسعى إلى بناء نموذج قادر على الوصول إلى الربحية والاستدامة خلال السنوات المقبلة.
قد يكون الجانب الرياضي هو الأكثر وضوحا، لكن جوهر مشروع كومو يتجاوز كرة القدم.
فبحسب موقع فوتبول بنشمارك (Football Benchmark)، تكبد النادي خسائر صافية تقترب من 200 مليون يورو (نحو 216 مليون دولار) خلال ثلاثة مواسم، لكنه في المقابل استثمر في بناء أصول رياضية وتجارية جديدة، من الملعب والمنشآت إلى العلامة التجارية والجمهور الدولي.
ويعمل النادي على تطوير ملعب سينغاغليا، مع خطط لرفع سعته مستقبلا إلى ما بين 15 و17 ألف متفرج، إلى جانب زيادة مقاعد الضيافة، التي تمثل مصدرا مهما للإيرادات في أيام المباريات.
لكن الأصل الأكثر قيمة ربما لا يوجد داخل الملعب أصلا.
إنه اسم بحيرة كومو.
فالمنطقة تتمتع بشهرة عالمية، وترتبط بالفخامة والسياحة والنجوم، ويرى ملاك النادي أن هذه السمعة يمكن تحويلها إلى قيمة تجارية لكرة القدم.
ومن هذا المنطلق، أطلق النادي مشروع ذا كلوب أون ذا ليك (The Club on the Lake)، وهو ناد خاص تبلغ قيمة عضويته 4500 يورو (نحو 4860 دولارا) سنويا، بهدف بناء تجربة حصرية حول كومو والاستفادة من الصورة الفاخرة التي تتمتع بها المنطقة.
كما بدأت أسماء عالمية في الظهور حول النادي، من بينها هيو غرانت، ومايكل فاسبندر، وأدريان برودي، وكيرا نايتلي، وكيت بيكنسيل، وجيف غولدبلوم، وبنديكت كومبرباتش، وهيو جاكمان.
وبحسب سوارسو، فإن حضور هؤلاء لم يكن نتيجة حملات دعائية مدفوعة، وإنما جاء في كثير من الحالات نتيجة الاهتمام الذي أثاره المشروع نفسه.
يرى سوارسو أن كرة القدم ليست سوى جزء من نموذج اقتصادي أكبر.
فعندما بدأ المشروع، كانت مدينة كومو تستقبل نحو 1.6 مليون سائح، لكن العدد ارتفع خلال خمس سنوات إلى 4.8 ملايين زائر.
وهنا ظهرت الفكرة الأساسية: لماذا لا تصبح زيارة ملعب كومو جزءا من تجربة زيارة البحيرة؟
يشبه سوارسو النموذج بطريقة عمل ديزني؛ فمباراة كرة القدم بالنسبة إليه ليست المنتج الوحيد، وإنما جزء من منظومة أوسع من الأنشطة التجارية المرتبطة بالنادي والمدينة والسياحة.
ولم يتوقف الأمر عند الفريق الأول، إذ يعمل النادي على استغلال الأكاديمية أيضا لجذب عائلات من الخارج، بحيث يمكن للأطفال الجمع بين السياحة وممارسة كرة القدم.
حتى عندما كان كومو في دوري الدرجة الثانية، كانت تذاكر مبارياته تباع في 122 دولة.
أما تجاريا، فقد جاء 20% من مبيعات التجارة الإلكترونية من خارج إيطاليا الموسم الماضي، بينما وصلت حصة الولايات المتحدة وحدها إلى 12% من المبيعات هذا الموسم.
وتوسعت شبكة بيع منتجات النادي من عدم وجود متجر قبل ثلاث سنوات إلى 4 متاجر داخل المدينة و485 نقطة بيع في مقاطعة كومو.
وبذلك لم يعد جمهور النادي محصورا في سكان المدينة، الذين يبلغ عددهم نحو 85 ألف نسمة، وإنما أصبح المشروع يستهدف ملايين الزوار الذين يتوافدون على المنطقة سنويا، إلى جانب الأسواق العالمية.
رغم كل هذه المؤشرات، فإن الوصول إلى تقييم يبلغ مليار يورو (نحو 1.08 مليار دولار) لا يزال هدفا بعيدا.
فبحسب موقع فوتبول بنشمارك، حقق كومو إيرادات بنحو 50 مليون يورو (نحو 54 مليون دولار) في موسم 2024-2025، وهو رقم لا يزال بعيدا عن كبار أندية إيطاليا.
لكن المشاركة في دوري أبطال أوروبا قد تمنح النادي دفعة مالية مهمة، إذ يمكن أن يحصل على نحو 30 إلى 40 مليون يورو (نحو 32.4 إلى 43.2 مليون دولار) من عائدات المشاركة، بحسب مساره في البطولة، ما قد يدفع إيراداته إلى الاقتراب من 100 مليون يورو (نحو 108 ملايين دولار) هذا الموسم.
ومع ذلك، فإن الإيرادات وحدها لا تكفي للوصول إلى مليار يورو (نحو 1.08 مليار دولار).
فاستقرار النادي رياضيا سيكون عاملا حاسما: هل يصبح كومو فريقا ثابتا في سيري آ؟ هل ينافس باستمرار على المراكز الأربعة الأولى؟ وهل يستطيع التأهل إلى البطولات الأوروبية بصورة متكررة؟ وماذا يحدث إذا عاش موسما سيئا وعاد إلى سيري بي؟
كل هذه الاحتمالات تؤثر في قيمة النادي.
وفي المقابل، تظهر مؤشرات أخرى تصب في مصلحة المشروع، أبرزها ارتفاع القيمة السوقية لتشكيلة كومو إلى نحو 584.2 مليون يورو (نحو 630.93 مليون دولار)، مقارنة بـ288 مليون يورو (نحو 311.04 مليون دولار) في سبتمبر/أيلول الماضي.
وتعود هذه القفزة إلى إعادة تقييم عدد من لاعبي الفريق، إلى جانب التعاقدات الجديدة، ومن بينها مويس كين وتريفوه تشالوباه.
ومن المتوقع أن تصبح تجارة اللاعبين وبيع المواهب جزءا أكبر من إستراتيجية النادي خلال السنوات المقبلة، بما يساعد على تحقيق التوازن المالي والوفاء بمتطلبات الترخيص الخاصة بالاتحاد الأوروبي لكرة القدم.
وبحسب التقديرات الحالية، فإن هدف المليار يورو (نحو 1.08 مليار دولار) ليس مشروعا قصير الأجل، لكنه قد يصبح ممكنا على المدى المتوسط والبعيد إذا واصل كومو تحقيق التقدم الرياضي والتجاري بالوتيرة نفسها.
فالمشروع يمتلك مجموعة من العناصر التي يصعب اجتماعها في ناد واحد: استثمارات مالية كبيرة، مدرب يتمتع برؤية واضحة، فريق ينافس على المستوى الأوروبي، سوق سياحية عالمية، ومدينة تحمل اسما تجاريا ذا قيمة استثنائية.
وقد يكون هذا هو سر قصة كومو الحقيقية.
فالنادي لا يحاول فقط بناء فريق قادر على الفوز، بل يسعى إلى بناء علامة تجارية عالمية حول كرة القدم وبحيرة كومو.
وإذا استمر الفريق في التطور، فقد لا تكون مشاركته الحالية في دوري أبطال أوروبا مجرد محطة عابرة، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار أنه استهل مشواره بالفوز برباعية.
من أقل من مليون يورو (نحو 1.08 مليون دولار) إلى مشروع يطمح إلى المليار يورو (نحو 1.08 مليار دولار).. قصة كومو لم تنته بعد، وربما يكون الجزء الأكثر إثارة منها قد بدأ للتو.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة