حظي الإعلان عن انتقال نجم كرة القدم المصري محمد صلاح إلى صفوف نادي طرابزون سبور التركي باهتمام واسع من جانب جماهير الكرة، خاصة وأنه جاء بعد مفاوضات لصلاح مع نادٍ تركي آخر، وهو بيشكتاش، الأمر الذي لفت الأنظار للتطور الذي حققته الأندية التركية، والإمكانيات المالية الكبيرة التي تتمتع بها.
ووقع صلاح عقدا مع نادي طرابزون سبور لمدة عامين مقابل راتب سنوي قدره 17 مليون يورو (نحو 18.4 مليون دولار)، علاوة على نسبة من عائدات بيع القمصان الخاصة باسمه، مما قد يرفع عائده المالي الإجمالي إلى نحو 50 مليون يورو (نحو 54 مليون دولار) أثناء مدة العقد.
ولم يكن صلاح النجم الوحيد الذي نجحت الأندية التركية في ضمه لصفوفها، إذ سبقه النجم النيجيري فكتور أوسيمين للتعاقد مع نادي غلطة سراي لمدة 4 سنوات بقيمة 75 مليون يورو (نحو 87 مليون دولار)، وقبلها لعب مع النادي على سبيل الإعارة قادما من نابولي الإيطالي.
ويحصل أوسيمين بموجب عقده على راتب سنوي قدره 15 مليون يورو (17.3 مليون دولار) علاوة على 5 ملايين يورو (5.7 مليون دولار) مقابل حقوق الصور.
وصفقة أوسيمين هي الأعلى قيمة في تاريخ الدوري التركي، وهي من بين أكبر خمس صفقات لانتقال اللاعبين في أوروبا في هذا الصيف، وكانت الصفقات الأربع الأخرى في الدوري الإنجليزي (البريميرليغ). وقبلها تعاقد نادي فنربخشة المنافس لغلطة سراي مع النجم المغربي يوسف النصيري بمبلغ 19.5 مليون يورو (22.5 مليون دولار) في صفقة هي الأكبر في تاريخ فنربخشة.
وتثير هذه الصفقات تساؤلات عن مصادر التمويل لدى الأندية التركية، التي تمكنها من دفع هذه الرواتب الضخمة لنجوم كرة القدم، وقدرتها على منافسة أندية أوروبية تحاول اجتذاب هؤلاء النجوم، وتلعب في دوريات لديها موارد ضخمة، كما هو الحال في إنجلترا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا.
تشير مجلة إيكونوميست البريطانية إلى أن الأندية التركية تحصل على إيرادات كبيرة باليورو من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) من مشاركتها في بطولات أوروبا، إذ بلغت إيرادات نادي غلطة سراي من اللعب في دوري أبطال أوروبا نحو 32 مليون يورو (37 مليون دولار) في موسم 2023-2024، فيما حصلت أندية إسطنبول الثلاثة، غلطة سراي وفنربخشة وبشكتاش، على نحو 45 مليون يورو (نحو 52 مليون دولار) من مشاركتها الموسم الماضي في بطولة الدوري الأوروبي.
وفي الوقت نفسه تراجع سعر صرف الليرة التركية مقابل اليورو من 10 ليرات عام 2021 إلى 40 ليرة عام 2024 وفق مجلة إيكونوميست، وهو ما أدى إلى انخفاض تكاليف أندية كرة القدم التركية، ومن بينها صيانة الملاعب وإدارتها ورواتب العاملين، مقومة باليورو.
وأضافت إيكونوميست أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، المعروف بحبه لكرة القدم، ساهم في دعم الأندية بتقديم إعفاء ضريبي للاعبين، إذ يدفعون ضريبة ثابتة بنسبة 20% بدلا من الضرائب التصاعدية على الدخل.
وساهم التضخم المرتفع في تركيا في تراجع قيمة الليرة، وتراجعت معها قيمة الديون المستحقة على الأندية التركية للبنوك مقومة باليورو، الأمر الذي منح هذه الأندية مساحة أكبر لزيادة نفقاتها، ومن أهمها التعاقد مع نجوم كرة القدم.
وكان اتحاد المصارف التركي وضع خطة في عام 2019 لإعادة هيكلة ديون مستحقة على أندية كرة القدم التركية بقيمة ملياري دولار بعد أن ارتفعت بشكل كبير، وتضمنت سدادها على فترات أطول، وساعد التضخم المرتفع، الذي بلغ نحو 85% في نهاية عام 2021، وفق إيكونوميست، على تراجع قيمة أقساط الديون وفوائدها مقومة باليورو.
وحسب بيانات المجلة نفسها انخفضت ديون الأندية التركية مقومة باليورو بنسبة 19% بين عامي 2019 و2023، في حين ارتفعت ديون الأندية الأوروبية بنسبة 40% في المتوسط في الفترة نفسها.
وفي هذا السياق تنقل شبكة "سي بي أس" عن الخبير التركي ألبيرين كوتسوي، المتخصص في اقتصاديات الرياضة، أن التضخم يساعد الأندية التركية على تخفيض بعض تكاليفها، إذ عادة يتقاضى اللاعبون الأتراك رواتبهم بالليرة، ومن ثم "إذا كان النادي يدفع للاعب ما يعادل 200 ألف دولار سنويا في بداية الموسم، فقد تنخفض هذه القيمة لتصبح 100 ألف دولار فقط بحلول نهايته"، وفق كوتسوي.
ويوضح كوتسوي لشبكة "سي بي أس" أن نادي غلطة سراي لجأ إلى التوسع في الاستثمارات العقارية لتوفير الأموال اللازمة للتعاقد مع أسماء بارزة في عالم كرة القدم ودفع رواتب كبيرة لها.
ويضيف أن هناك مشاريع للاستثمار العقاري في منطقة "فلوريا" الراقية في إسطنبول، التي كان نادي غلطة سراي يتدرب فيها، وارتفعت قيمة الأراضي والعقارات فيها بشكل كبير، إذ تقدر قيمة الأراضي التي يملكها النادي في المنطقة المذكورة بأكثر من نصف مليار دولار.
ويتولى نادي غلطة سراي تنفيذ مشاريع في "فلوريا" بشكل مباشر، وحصل على دفعة من الإيرادات منها تجاوزت 55 مليون دولار، وفق ما قاله كوتسوي لشبكة "سي بي أس"، مع توقعات بمزيد من الإيرادات في السنوات القادمة.
ونقلت شبكة "سي بي أس" عن مصدر بنادي غلطة سراي أنه لولا الدخل الذي حصل عليه النادي من الاستثمارات العقارية لما تمكن من دفع هذا المبلغ المالي الكبير لضم فكتور أوسيمين إلى صفوفه، خاصة بعد أن تألق مع النادي وساهم في فوزه ببطولة الدوري التركي في الموسم الماضي.
ويسعى نادي فنربخشة بدوره إلى الاستفادة من الاستثمارات العقارية في تمويل أنشطة كرة القدم، إذ لديه مشروع لاستثمار الأراضي التي يملكها في منطقة "أتاشهير" في إسطنبول لتوليد المزيد من الإيرادات.
وتستفيد أندية كرة القدم التركية في استثماراتها الرياضية والتجارية، ومنها الاستثمارات في العقارات، من النمو المستمر للاقتصاد التركي، إذ ارتفع الناتج المحلي الإجمالي لتركيا بمتوسط قدره 5.4% في الفترة من 2002 إلى 2022، حسب بيانات البنك الدولي، مما أدى إلى مضاعفة متوسط دخل الفرد في نحو 20 عاما. كما تراجعت نسبة السكان تحت خط الفقر من 20% في عام 2007 إلى 4% في عام 2023.
وتجاوز الناتج المحلي الإجمالي لتركيا 1.6 تريليون دولار في 2025، حسب بيانات البنك الدولي، وواصل الاقتصاد نموه بنسبة 3.6%، فيما تمكنت الحكومة التركية من الحد من مستوى التضخم ليبلغ نحو 35% في عام 2025.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة