في عصر بات فيه الاعتزال المبكر خيارا واقعيا أمام العديد من نجوم الصف الأول، يواصل أسطورة الأرجنتين ليونيل ميسي كتابة نهاية مختلفة لمسيرته.
فالبطولة التي اعتقد كثيرون أنها ستكون آخر ظهور له في كأس العالم قبل أربعة أعوام، تحولت في مونديال 2026 إلى منصة جديدة يثبت فيها النجم الأرجنتيني أن التقدم في العمر لم ينتقص من تأثيره، بل أعاد تشكيله بصورة أكثر نضجا وذكاء.
عقب قيادة الأرجنتين إلى نهائي مونديال قطر 2022، قال ميسي بعد الفوز على كرواتيا في نصف النهائي: "أنا سعيد جدا بإنهاء مشواري في كأس العالم بخوض مباراة نهائية، وأن أشارك في آخر مباراة لي هنا في النهائي".
لكن ما حدث بعد ذلك تجاوز توقعاته وتوقعات الجميع. فلم يكتف صاحب الرقم 10 بالظهور في مونديال جديد، بل كان اللاعب المحوري في منظومة "التانغو"، والقائد الذي يحدد إيقاع الفريق داخل الملعب.
لقد تحولت قوته الأساسية من سرعة القدمين إلى سرعة التفكير، وهو ما جعله أكثر خطورة على المنافسين رغم تراجع معدلاته البدنية.
وسيخوض ميسي نهائي 2026 بعمر 39 عاما و25 يوما، ليصبح أكبر لاعب ميدان يشارك في نهائي كأس العالم، ولا يتفوق عليه تاريخياً سوى الحارس الإيطالي دينو زوف الذي خاض نهائي 1982 بعمر 40 عاما و133 يوما.
كما يستعد لخوض مباراته الـ34 في كأس العالم، متفوقا بفارق سبع مباريات عن غريمه البرتغالي كريستيانو رونالدو، الذي خرج من البطولة مجدداً قبل الوصول إلى المشهد الختامي.
وللمرة الثانية تواليا، حمل ميسي العبء الأكبر في رحلة الأرجنتين نحو النهائي. فقد ساهم في 12 هدفا من أصل 19 سجلها المنتخب في مونديال 2026، بواقع ثمانية أهداف وأربع تمريرات حاسمة، إضافة إلى مساهمته في الهدف العكسي أمام كاب فيردي بعد عرضية حاسمة.
وفي مونديال قطر، كان قد ساهم في ثمانية أهداف من أصل 12 للأرجنتين قبل أن يسجل ثنائية في النهائي أمام فرنسا.
ولا يقتصر تأثير ميسي على التسجيل وصناعة الأهداف؛ إذ تكشف الأرقام أنه اللاعب الوحيد في البطولة الذي شارك في أكثر من نصف محاولات فريقه الهجومية، سواء بالتسديد أو صناعة الفرص، بنسبة بلغت 52.7%، وهي قريبة جدا من نسبته في مونديال 2022 التي وصلت إلى 53%.
وبلغ مجموع مساهماته في التسديدات 59 محاولة، بينها 34 تسديدة و25 فرصة مصنوعة، بفارق كبير عن أقرب زملائه، أليكسيس ماك أليستر، صاحب 18 مساهمة.
هذا الاعتماد الكبير يعيد إلى الأذهان نسخة دييغو مارادونا في مونديال 1986، حين كان النجم الأرجنتيني مركز الثقل الأول لفريقه.
فمنذ عام 1966، لم ينجح سوى سبعة لاعبين في تجاوز حاجز 30 مساهمة في التسديدات مع المشاركة في نصف محاولات فريقهم الهجومية خلال نسخة واحدة، وكان ميسي حاضرا مرتين في هذه القائمة، 2022 و2026، بينما ظهر مارادونا بنسبة 55.7% عام 1986.
وعلى مستوى الأرقام التاريخية، أصبح ميسي الهداف الأبرز في تاريخ كأس العالم برصيد 21 هدفا، متجاوزاً الألماني ميروسلاف كلوزه صاحب 16 هدفا، كما تصدر قائمة صناع الأهداف في البطولة برصيد 12 تمريرة حاسمة، متخطياً رقم مارادونا البالغ ثماني تمريرات.
واللافت أن انفجار ميسي التهديفي جاء في المرحلة الأخيرة من مسيرته. فرغم حصوله على جائزة أفضل لاعب في مونديال 2014، فإن أرقامه في النسخ الأربع الأولى لم تكن تعكس حجم موهبته، قبل أن يسجل ويصنع 22 هدفا في 14 مباراة خلال مونديالي 2022 و2026، مقابل 11 مساهمة فقط في 19 مباراة بين عامي 2006 و2018.
كما تغير حضوره في الأدوار الإقصائية بشكل واضح؛ فبعد فشله في التسجيل خلال ثماني مباريات إقصائية قبل مونديال قطر، تمكن في آخر نسختين من تسجيل سبعة أهداف وصناعة ستة أخرى في ثماني مباريات.
وكان نصف النهائي أمام إنجلترا مثالا واضحا على نضجه التكتيكي، بعدما استغل ثغرات التنظيم الدفاعي لخصمه وصنع هدفين بقراءة دقيقة للمساحات، أحدهما من ركلة ركنية قصيرة والآخر بعرضية متقنة نحو لاوتارو مارتينيز.
وباتت تحركات ميسي أكثر ذكاء، إذ يميل في اللحظات الحاسمة إلى الانتقال من العمق نحو الجهة اليمنى لاستغلال المساحات خلف الدفاعات المتراجعة.
كما ارتفعت نسبة لمساته في "المنطقة 14" أمام منطقة الجزاء إلى 19% من إجمالي لمساته، وهي النسبة الأعلى في مسيرته المونديالية، مقارنة بـ16% في 2022.
ويأتي هذا التألق الدولي بعد سنوات طويلة من الانتظار مع الأرجنتين، انتهت بتتويجه بكوبا أمريكا 2021، ثم كأس العالم 2022، وكوبا أمريكا 2024. وإذا توج بلقب 2026، ستصبح الأرجنتين صاحبة أربعة ألقاب دولية متتالية منذ رحيله عن برشلونة عام 2021.
وفي المشهد الأخير من رحلته المونديالية، يواجه ميسي إسبانيا، البلد الذي احتضنه منذ شبابه وشهد تحوله إلى أسطورة بقميص برشلونة، حيث سجل 672 هدفا في 778 مباراة.
وقد لا يمنحه اللقب الثالث مع الأرجنتين معادلة رقم بيليه، لكنه سيضعه ضمن نخبة اللاعبين الذين توجوا بكأس العالم مرتين.
لقد أثبت ميسي أن العبقرية لا ترتبط فقط بسرعة الجسد، بل بقدرة العقل على التحكم في اللعبة. وبينما ظن البعض أن العمر والانتقال إلى الدوري الأمريكي قد يقللان من تأثيره، جاء مونديال 2026 ليؤكد أن اللاعب الأكثر تأثيراً في جيله لا يزال قادراً على صناعة التاريخ، حتى وهو يقترب من آخر صفحة في حكايته.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة