كسب الروسي ماتفي سافونوف حارس مرمى باريس سان جيرمان ثقة الجميع في النادي الفرنسي، وأرقامه في موسمه الثاني خير دليل على ذلك.
وشارك سافونوف مع سان جيرمان هذا الموسم حتى الآن في 23 مباراة بجميع البطولات موزعة على 2100 دقيقة قابلة للزيادة، مقارنة بـ17 مباراة و1508 دقائق بالموسم الماضي (2024-2025) وفق بيانات موقع "ترانسفير ماركت" (Transfermarkt) الشهير.
ورسّخ سافونوف مكانته في صفوف سان جيرمان بفضل تصدياته الحاسمة التي ساهمت في تتويج الفريق بالعديد من الألقاب، علما بأنه صاحب قصة فريدة من نوعها تجمع بين الموهبة الكروية والنشأة الفكرية جعلت منه نموذجا مختلفا عن الصورة النمطية للاعبي كرة القدم.
وُلد سافونوف يوم 25 فبراير/شباط 1999 في مدينة كراسنودار الروسية، لأسرة رياضية إذ إن والده يعمل مدربا لكرة السلة، كما أنه الأكبر بين 3 إخوة أصغرهم حارس مرمى أيضا.
وبدأ سافونوف مسيرته الكروية منذ سن الـ12 بانضمامه إلى أكاديمية كراسنودار، وتدرّج في الفرق السنية وصولا إلى الفريق الأول عام 2019، قبل انضمامه إلى باريس سان جيرمان صيف عام 2024 في صفقة بلغت 20 مليون يورو (نحو 21.6 مليون دولار).
وينظر مسؤولو كراسنودار إلى قصة سافونوف على أنها مصدر إلهام للأجيال الجديدة، إذ اعتبر آرام فوندوقيان مدير أكاديمية النادي الروسي أن انتقاله إلى باريس سان جيرمان مثّل لحظة تاريخية للجميع.
وقال فوندوقيان لموقع "ذا أثلتيك" (The Athletic) البريطاني "عندما انتقل سافونوف إلى باريس سان جيرمان قلت إن هذا هو أسعد يوم لأكاديميتنا".
وأضاف "صرت أتحدث إلى جميع أولادنا وبناتنا وأقول لهم حتى لو كنتم من مدينة صغيرة مثل كراسنودار في روسيا، فلا يوجد سقف لطموحاتكم، يمكنكم تحقيق أي شيء".
وتابع "لدينا قميصه وصوره في أروقة الأكاديمية. أقول لهم انظروا إلى سافونوف، هذا هو المكان الذي يمكنكم الوصول إليه".
تميّز سافونوف منذ الصغر بشخصية قيادية ونضج يتجاوز عمره، إذ كان قائدا لمعظم الفرق التي لعب لها وكان مرجعا لزملائه في غرفة الملابس بفضل تحليله الدقيق للأحداث، لدرجة أن مدربيه وصفوه بأنه "قائد بالفطرة".
وقال سيرغي ماتفييف المدرب السابق للفريق الأول في كراسنودار عن سافونوف "دائما كان يترك انطباعا جيدا. كان قائدا في غرفة الملابس ويمنح الفريق الثقة والحيوية".
كما تمتع سافونوف بعقلية فريدة ومميزة، فقدراته المذهلة تمتد إلى خارج الملعب باعتباره شخصية شغوفة بالرياضيات، فيقضي أوقاتا طويلة في حل المعادلات والألغاز الذهنية، إلى جانب اهتمامات أخرى بالشطرنج وألعاب الطاولة.
ولم يكن الشطرنج مجرد هواية بل جزءا من البرنامج التدريبي في أكاديمية كراسنودار، وفيها تفوّق سافونوف على الجميع بمن فيهم رئيس النادي.
وانعكست الخلفية الفكرية هذه على أسلوب لعبه، خاصة في قراءة المنافسين وبالتالي اتخاذ قرارات سريعة، وهي سمات مهمة وحاسمة في مركز حراسة المرمى.
لم يحجز سافونوف موقعه في التشكيل الأساسي لسان جيرمان بسهولة، فبانضمامه إلى العملاق الباريسي عام 2024 وجد نفسه احتياطيا للإيطالي جيانلويجي دوناروما، قبل أن تتغير ظروفه تدريجيا.
اللافت أن انتقال سافونوف إلى باريس تزامن مع استمرار تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية التي أدت إلى إقصاء الفرق والمنتخبات الروسية من البطولات الدولية، وفي الوقت نفسه أضفى وجوده حساسية إضافية على الأجواء داخل الفريق الذي يضم أيضا المدافع الأوكراني إيليا زابارني.
وعلى الصعيد المهني مرّ سافونوف بظروف نفسية صعبة بعد خطأ قاتل أمام بايرن ميونخ في دوري أبطال أوروبا، إذ فشل في التعامل مع ركلة ركنية سجل منها العملاق البافاري هدف الفوز (1-0)، وذلك في نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
وتسببت تلك اللقطة في تراجع سافونوف في خيارات المدرب لويس إنريكي، لكن الحارس الروسي أظهر لاحقا شخصية قوية قادرة على تجاوز الإخفاقات.
وجاءت نقطة التحول في مسيرة الحارس الروسي خلال نهائي كأس الإنتركونتيننتال 2025، ضد فلامنغو البرازيلي، فرغم تعرضه لكسر في اليد أثناء المباراة إلا أنه تمكن من صد 4 ركلات ترجيح متتالية منحت اللقب لباريس سان جيرمان.
وعلّق موقع "ذا أثلتيك" بالقول "يعكس ذلك الصلابة الذهنية لسافونوف وقدرته على التركيز تحت الضغط. هذه المباراة شكّلت نقطة الانطلاق الحقيقية له كحارس أساسي".
حاليا يملك سافونوف أرقاما تفوق زميله الفرنسي لوكاس شوفالييه، فنسبة تصديات الأول أعلى من الثاني (71.2% مقابل 64.1%)، محققا أيضا معدلا أفضل في منع الأهداف (+0.77 مقابل -1.33) وفق الموقع ذاته.
ويتمتع سافونوف بقدرات كبيرة في جانب الخروج من مرماه والتعامل مع الكرات العرضية ضعف ما يفعله شوفالييه، وهي نقطة قوة إضافية في أسلوب لعبه.
يُعرف سافونوف بأسلوبه العلمي في التعامل مع ركلات الجزاء، إذ يعتمد على دراسة تسديدات اللاعبين السابقة وتحليل سلوكهم ولغة الجسد قبل التنفيذ. ويؤكد أن بإمكانه تحديد اتجاه الكرة من خلال تعابير الوجه أو طريقة الاقتراب من الكرة.
وقال سافونوف "أتخذ قراراتي بناء على ما أعرفه عن تسديدات اللاعب السابقة. بمجرد أن أرى اللاعب يقترب من الكرة أكون قد قررت ما سأفعله. يمكنني أيضا تحديد اتجاه التسديدة من تعابير الوجه أو سلوك اللاعب".
ورغم ذلك يرى مدربوه السابقون أن سافونوف لا يزال في طور التطور، وأن عقليته وموهبته تؤهلانه ليصبح أحد أفضل حراس المرمى في العالم خلال السنوات المقبلة.
وعلى الصعيد الشخصي نجح سافونوف في التأقلم مع الحياة في باريس، حيث تعلّم اللغة الفرنسية بسرعة واستقر مع عائلته، ويقضي أوقات فراغه في أنشطة ثقافية مثل زيارة المعارض والحفلات، إلى جانب هواياته الذهنية كالألعاب اللوحية والكلمات المتقاطعة.
وقالت زوجته مارينا كوندراتيوك "يمكننا القول إننا وصلنا إلى مرحلة نشعر فيها بالاستقرار الحقيقي. كوّنا دائرة اجتماعية وفهمنا الثقافة الفرنسية بشكل أعمق، ونشعر بأننا في وطننا هنا".
ومنذ انتقاله إلى باريس سان جيرمان خاض سافونوف 40 مباراة بجميع البطولات اهتزت شباكه خلالها 37 مرة وحافظ على نظافتها في 15 مباراة وفق بيانات موقع "ترانسفير ماركت"، وحصد مع الفريق 7 ألقاب أبرزها الدوري الفرنسي (1)، ودوري أبطال أوروبا (1).
ويعوّل العملاق الباريسي على قدرات سافونوف من أجل تجاوز عقبة بايرن ميونخ عندما يلتقي الفريقان يوم الأربعاء المقبل في إياب نصف نهائي دوري أبطال أوروبا.
واهتزت شباك سافونوف 4 مرات في مباراة الذهاب التي انتصر فيها باريس سان جيرمان 5-4، ورغم ذلك قام بتصديات عديدة حاسمة ساهمت في فوز فريقه في مباراة وُصفت بالأسطورية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة