في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
عرفت ملاعب كرة القدم التسلل صدفة في ظهيرة باردة من شتاء إنجلترا في القرن التاسع عشر، عندما توقفت مباراة عادية فجأة، فلم يكن هناك مدرجات ولا شاشات ولا صافرات، فقط أرض ترابية ومجموعة من اللاعبين يطاردون كرة جلدية ثقيلة، وحكم يقف مرتديا قبعة أنيقة محاولا فرض نظام على لعبة وليدة تحكمها قوانين بدائية غير مكتوبة.
ووسط تكدس من اللاعبين سدد أحدهم الكرة لزميله المرابط بجوار مرمى فسجل هدفا ألغاه الحكم بصيحة عالية -حيث لم تكن الصافرات قد استخدمت بعد- وسط اعتراضات من قرار إلغاء الهدف دون مبرر إذ لم يرتكب مسجل الهدف أي مخالفة ولم يكن التسلل قد طُبق بعد.
إلغاء الهدف لم يكن لخطأ فني بل لشعور الحكم بأنه لا يصح أن يرابط اللاعبون بجوار المرمى دون أن يكون هناك تعريف دقيق لما حدث، لكنّ الجميع اتفق على أن هذا الموقف لا يجب أن يتكرر في كرة القدم.
في تلك اللحظة وقبل أن يُكتب قانون كرة القدم، وُلدت فكرة التسلل بحس أخلاقي للحكم من منطلق أن اللعبة لا ينبغي أن تكافئ من ينتظر، بل من يتحرك ويركض.
وقبل أن نسترسل في الحديث يجب أن نعرف ما هو التسلل الذي خصصت له المادة 11 من قانون كرة القدم الصادر عن المجلس الدولي للتشريع "إيفاب"، حيث أنه المنوط بقانون اللعبة وأي تعديلات عليه وليس الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" كما يعتقد البعض.
وتنص مادة التسلل أن اللاعب يكون في موقف تسلل (وليس بالضرورة مخالفا) وفق شروط محددة، ثم يعاقب فقط إذا تحققت شروط إضافية وهي هامة جدا.
يكون اللاعب في موقف تسلل إذا توفرت كل الشروط التالية في لحظة لعب الكرة أو لمسها من زميله:
الوجود في موقف تسلل وحده ليس مخالفة، ويُعاقَب اللاعب فقط إذا شارك في اللعب النشط بعد أن كان في موقف تسلل، وذلك بأحد الطرق التالية:
ولا يُحتسب تسلل أيضا إذا:
إذا ثبتت مخالفة تسلل، تُمنح ركلة حرة غير مباشرة للفريق المنافس من مكان حدوث التداخل وليس من مكان توقف اللعب.
وهناك نقطة فنية لا يعرف سرها الكثيرون، وهي إشارة الراية في التسلل، فعندما يرفع الحكم المساعد رايته معلنا عن التسلل يطلق الحكم صفارته، وبعدها ينزل المساعد الراية ويشير بها إما بعيدا أو في الوسط أو يخفضها قليلا، وهذا تفسيره كالتالي: (البعيد) التسلل في الشطر البعيد عن المساعد، والوسط في وسط الملعب والمنخفض هو في الشطر القريب من المساعد.
ويمكن ببساطة أن نعرف ضرورة التسلل بتوضيح أهميته، فهو قانون يمنع اللاعبين من التكتل خلف المدافعين كما كان يحدث قبل تطبيقه، حيث كان ذلك يفقد كرة القدم روعتها ولمساتها الفنية بسبب كثرة اللاعبين المتكدسين حول الكرة وخلف المدافعين بشكل غريب جدا توضحه صور المباريات القديمة قبل تطبيق القانون.
عندما دُونت قوانين كرة القدم لأول مرة عام 1863، جاء التسلل قاسيا بل يكاد يكون عقابيا، حيث كان أي لاعب يتقدم على الكرة يعتبر متسللا، فالتمرير إلى الأمام كان موضع ريبة، وكأن اللعبة تخشى الاندفاع، أو تخاف أن تفقد توازنها إن فتحت المساحات.
لكنّ كرة القدم كبرت وحدثت ملاعبها وملابس لاعبيها وحكامها، وتحولت من تسلية طبقية محدودة إلى شغف شعبي جارف، ومعها بدأ الضغط على القانون وتغييره، فبعد 3 سنوات فقط عام 1866، جرى التعديل الأول وكان ينص على أنه ليس المهم أن تكون أمام الكرة، بل أن يكون بينك وبين المرمى 3 لاعبين من الفريق المدافع.
مع دخول القرن العشرين، تطورت خطط اللعب، وأصبحت الفرق أكثر وعيا بقدرتها على استخدام القانون نفسه كسلاح بالملعب. الدفاع لم يعد يكتفي بالتصدي للهجوم، بل صار يتحكم في المساحة والزمن، فخطوة واحدة للأمام من آخر المدافعين، في التوقيت المناسب، كفيلة بإسقاط الهجوم كله في فخ التسلل.
وبعد موسمين عجاف في الأهداف بالدوري الإنجليزي (1923-1924 و1924-1925) سُجل فيهما عدد منخفض تاريخيا من الأهداف بسبب تحول التسلل إلى حليف صريح للدفاع الذي كان يتقدم بخطوة واحدة، فتسقط الهجمات كلها في مصيدة التسلل.
وأثّر ذلك على اللعبة فملت الجماهير بعدما أصبحت المباريات مغلقة إلى حد الخنق، وعلقت الصحافة البريطانية آنذاك واصفة كرة القدم بأنها "لعبة تعاقب لأنها تحاول التقدم".
والنتيجة أنه في عام 1925، جاء التعديل الذي يُشار إليه اليوم بوصفه أحد أكثر التعديلات تأثيرا في تاريخ كرة القدم لأنه أعاد إليها حيويتها ومتعتها، وهو الاكتفاء بوجود لاعبين اثنين فقط بين المهاجم والمرمى.
لم يكن ذلك مجرد تعديل في الصياغة، بل تغيير في فلسفة اللعبة، فالإحصاءات قفزت، والأهداف الغزيرة عادت والإيقاع تسارع، وكأن كرة القدم تنفست الصعداء.
لكنّ الدفاع لم يتراجع، بل تعلم، ففي الثلاثينيات والأربعينيات، بدأت مصيدة التسلل تأخذ شكلا منظما فلم يعد المدافع يراقب مهاجما بعينه، بل يتحرك ضمن خط كامل، في لحظة واحدة، كأنها إشارة متفق عليها مسبقا.
في يوم 25 نوفمبر/تشرين الثاني 1953، أقيمت على ملعب ويمبلي بالعاصمة البريطانية لندن مباراة ودية بين المنتخب الإنجليزي الذي لم يكن تعرض لأي هزيمة على ملعبه سوى مرة وحيدة، أمام أيرلندا عام 1949، ضد الجيل الذهبي لمنتخب المجر الذي فاز بذهبية أولمبياد 1952 ولم يكن تعرض للهزيمة خلال 24 مباراة، وضعته على قمة التصنيف العالمي آنذاك.
المجر، بقيادة بوشكاش وهيديكوتي، قدمت كرة قدم سبقت عصرها، فلم يكن الأخير رأس حربة تقليديا، بل كان يتراجع إلى العمق فيجذب المدافعين، ويكسر مفهوم "المهاجم الثابت" الذي بُني عليه فهم التسلل لعقود.
المدافعون الإنجليز وجدوا أنفسهم أمام سؤال جديد: هل نراقبه؟ أم نتركه؟ هل هو متسلل أم لا؟
والنتيجة ارتباك أسفر عن هزيمة تاريخية للإنجليز 3-6 في مباراة عرفت بعدها باسم "مباراة القرن".
المباراة تسببت في حالة ثورية لدى الاتحادين الدولي والإنجليزي لكرة القدم، وزرعت أول شك حقيقي في أن التسلل لا يمكن أن يفهم فقط بالخطوط مما مهد لتعديلات لاحقة.
وعى المنتخب الإنجليزي درس مباراة القرن جيدا في كأس العالم 1966، وأتقن استخدام التسلل كسلاح دفاعي، في الوقت الذي بدأت فيه المنتخبات الأوروبية تتقن اللعب على خط واحد، ما يعني تحرك الدفاع كوحدة صلبة، والمهاجمون يصطادون في لحظة بمصيدة التسلل.
لم تكن هناك لقطة أيقونية واحدة في هذا المونديال الذي توج به الإنجليز، لكنّ البطولة كشفت أن التسلل تحوّل من أداة توازن إلى أداة خنق هجومي.
وكان الأثر غير المباشر أن المجلس الدولي التشريعي "إيفاب" بدأ نقاش طويلا حول ضرورة تحرير الهجوم مستقبلا.
في صيف 1990، وصلت كرة القدم إلى واحدة من أكثر لحظاتها توترا في كأس العالم بإيطاليا، وبدا وكأن المباريات تلعب داخل قوالب تكتيكية خانقة شعارها الدفاع أولا، ثم الدفاع، ثم انتظار خطأ الخصم.
الأهداف شحيحة، والمجازفة شبه محرّمة وبعد البطولة لم يعد النقاش جماليا فقط بل وجوديا: إلى أين تتجه اللعبة؟
وهنا جاء التعديل: اللاعب الذي يكون على نفس خط ثاني آخر مدافع يعتبر في وضع سليم. كان هذا التعديل نقطة التحول الكبرى في العصر الحديث.
وانتبه الفيفا أيضا لتكرار أخطاء بدائية من حكام الخطوط في ذلك الوقت لغياب التخصص بين الحكام، فالحكم المساعد هو في الأصل حكم يُزج به كمساعد لحكم الساحة وقد يكون ضعيفا في ضبط التسلل لأنه لا يهتم به وليس مدرَّبا عليه ومشاهدة نهائي كأس العالم 1990 بين ألمانيا التي تُوجت باللقب ضد الأرجنتين بقيادة مارادونا تكفي للتأكد من ذلك.
ليعتمد الفيفا بعدها نظام التخصص ويصنف التحكيم إلى مساعدين وحكام ساحة وبدأ التخصص في مونديال أميركا 1994 الذي شهد تحسنا في ضبط التسلل.
ولكنْ بعد تعديل 1990، ظهرت مشكلة جديدة في مونديال 1994 ودوري أبطال أوروبا، وهي أن اللاعبين يقفون في موقف تسلل دون لمس الكرة، لكنهم يربكون الدفاع، وزادت الشكوى من المهاجمين "الأشباح" الذين لا يعاقبون.
وكانت الاستجابة سريعة بتعديل 1995 الذي أدخل مفاهيم جديدة؛ أن التداخل في اللعب والتأثير على الخصم يعتبر ضمن التسلل الذي يعاقب عليه اللاعب.
ظل قانون التسلل ثابتا دون تغييرات جذرية من منتصف التسعينيات حتى انتشر البث عالي الدقة، ولم تعد الأخطاء تمر، فالهدف الذي يحتسب في الملعب يعاد على شاشة ضخمة إطارا بعد إطار ليفضح القرار إذا كان خاطئا.
وبعد سنوات من التجارب، ظهرت تقنية الفيديو المساعد "فار" (VAR) في كأس العالم 2018، وهي أداة قدمت بوصفها حلا للظلم، لكنها سرعان ما كشفت نوعا جديدا منه.
في الدوري الإنجليزي، موسم 2019-2020، أُلغي هدف لروبرتو فيرمينو في مرمى أستون فيلا بسبب تقدّم كتفه سنتيمترات. قال لاحقا، بنبرة ساخرة "لم أكن أعلم أن الكتف يسجّل الأهداف".
في حالة أخرى، أُلغي هدف لرحيم سترلينغ بعد انتظار طويل. الجماهير لم تحتج على القرار بقدر ما احتجت على الشعور أن الفرح صار مؤجلا، ومشروطا.
في كأس العالم 2022، بلغ التسلل ذروة دقته مع اعتماد التقنية شبه الآلية التي طبقت قبلها لأول مرة في التاريخ بمونديال الأندية، والذي جعل القرارات أسرع وأوضح لكن الجدل لم يختف.
في هذا السياق، طرح أرسين فينغر مدرب أرسنال السابق الذي أصبح مديرا للتطوير في الفيفا، مقترحا ثوريا في يوليو/تموز 2023، يقضي باعتبار اللاعب متسللا في حال تجاوز جسده بالكامل لآخر ثاني مدافع من الفريق المنافس، وليس بجزء من جسده كما هو معمول به الآن.
واجتاز قانون فينغر الجديد كل الخطوات ولا يتبقى أمامه سوى اعتماده في الاجتماع السنوي لمجلس الاتحاد الدولي "إيفاب" المقرر في 20 يناير/كانون الثاني 2026، ثم في الاجتماع العام في نهاية فبراير/شباط أو بداية مارس/آذار القادم، أي أنه قد يطبق في كأس العالم 2026.
ومن شأن المقترح الجديد أن يمنح المهاجمين ميزة كبيرة على المدافعين، وسيسهم في زيادة الأهداف خلال المباريات بشكل كبير جدا.
وسيكون المستفيد الأكبر من التعديل المهاجمون السريعون بينما سيتضرر منه المدافعون البطيئون الذين يعتمدون بشكل كبير على التمركز لمحاولة إيقاف هجمات المنافسين.
وكانت صحيفة "ذا صن" البريطانية قد وصفت هذا التعديل بأنه "ضخم وثوري في عالم كرة القدم".
اقتراحه، القاضي بعدم احتساب التسلل إلا إذا كان المهاجم متقدّما بالكامل، ليس ثورة بقدر ما هو محاولة للعودة إلى الفكرة الأولى: منع التربّص، لا معاقبة الحركة.
ويتبادر إلى الأذهان سؤال لماذا الآن؟ لأن كرة القدم، وهي تتجه إلى مونديال 2026، تقف مرة أخرى أمام مفترق طرق فالتكنولوجيا بلغت أقصى دقتها، لكن تحول كرة القدم إلى اقتصاد قائم على الحضور الجماهيري والحقوق التليفزيونية والإعلانية وغيرها، دفع الفيفا للبحث عن مقترحات تزيد متعة كرة القدم ولا شك أن الأهداف هي أقصى متعة في الساحرة المستديرة، ولأن التسلل أحد أعداء الأهداف فطالما ألغى الكثير منها فتيسيره سيكون الحل الأمثل لزيادة نسبة الأهداف.
والحكم، الذي كان يوما صاحب القرار، بات ينتظر إشارة من غرفة بعيدة قد تبعد آلاف كيلو مترات -كما حدث في مونديال روسيا إذ كانت غرفة الفيديو المساعد مركزية ومقرها موسكو- يرفع الراية، ثم يتردد باحتساب الهدف في مشهد أصبح معتادا، ثم ينتظر قرار غرفة "الفار".
الأزرق متسلل بالقانون الحالي لكنه لن يكون متسللا حال تطبيق قانون فينغر (مواقع التواصل)ربما لن يستقر التسلل أبدا لأنه ببساطة، ليس قانونا عاديا، وقصة تحوله هائلة وبلا نهاية طالما استمرت كرة القدم.
بدأت القصة من ملعب ترابي بلا خطوط، إلى شاشات وأجهزة حديثة تقيس الميليمترات، ظل التسلل يتغيّر لأن كرة القدم نفسها لا تتوقف عن إعادة تعريف ذاتها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة