في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

دراسة أظهرت أن البوتوكس أكثر شيوعاً بنسبة 23 بالمئة والفيلر بنسبة 22 بالمئة من بين الإجراءات التجميلية في العراقصورة من: YAY Images/IMAGO

ربما يستطيع "فلتر"  واحد تهديم القناعة والثقة في الشكل الخارجي خلال لحظات، وربما إلى الأبد، وهذه تسمى متلازمة تشوه الفلاتر، وفيها يلاحظ الأطباء رغبة المراجعين في الوصول إلى النتيجة نفسها لصورهم المعدلة بالفلاتر. ففي ضغطة زر واحدة تتغير ملامح الوجه خلال ثوانٍ. والمشكلة تكمن هنا في الصورة غير الواقعية لملامح الوجه، مع بشرة من غير مسامات، ورفع حاد للوجه، وعيون واسعة بشكل غير طبيعي، ما يؤدي عند تطبيقها على الوجه البشري الحقيقي إلى تشوه أو ضياع الهوية الشخصية.

تقول نور الهدى، وهي عراقية تسكن في الناصرية، إن: "هناك توجه قوي وإقبال على التجميل والعمليات الجراحية ، لأن الجميع يحب عمل تعديلات وتغييرات، وهذا لا يعد خطأ بحد ذاته، وإنما المبالغة بها هي ما يعتبر خطأً بنظري". وهذا ما لاحظته كشابة تتابع أخبار المشاهير وترى مجتمع البنات والسيدات يقبلن على السير خلف الـ"ترندات"، حتى لو لم يملكن المال الكافي للإجراءات التجميلية.

وتذكر إحدى السيدات التي أجرت عملية شد للبطن والصدر ، أنها اضطرت لإجراء هذه العملية بسبب ولادات متكررة وريجيم قاسٍ أدى إلى ترهل في هذه المناطق. وتقول: "لا ضرر في بعض التغييرات المحسنة للمظهر وزيادة في جمال الجسد"، مؤكدةً بأنها لم تتأثر بالمشاهير ومواقع التواصل الاجتماعي، لأنها بنظرها غير واقعية وتعطي مظهرًا مثاليًا لا يمكن تطبيقه على كل الوجوه.

عمليات الشفط والنحت أكثر انتشاراً في العراق من غيرها من العمليات التجميلية صورة من: Jens Schierenbeck/dpa Themendienst/picture alliance

ملكات آشور و"الجمال الأنثوي"

منذ قدم الزمن، عرف سكان منطقة بلاد الرافدين اهتمامهم بمستحضرات المكياج وصناعتهم لأدوات مختلفة للعناية بالوجه والجسد. وارتبط ذكر المرأة آنذاك بالزينة والكحل وصولًا إلى العطور، كما نُشر في بحث أكاديمي للباحثة أمي ربيكا غانسل، كتبت فيه عن مفهوم الجمال "الأنثوي المثالي" في المجتمع الآشوري، واهتمامهم بالعينين والكحل وتسريحات الشعر، بالاعتماد على الأدلة الأثرية والنصوص الآشورية. كما تشير أيضًا في بحثها إلى أدوات لتطبيق الكحل ومستحضرات تجميل عُثر عليها في مقابر ملكات آشور في نمرود .

مع مرور الزمن، اتخذ الاهتمام بالزينة والمظهر والمفهوم الأنثوي مراحل مختلفة وتغيرات عدة، لكنه لم يختفِ عبر العصور، وحتى في العصر العباسي، أصبحت الزينة والاهتمام بالوجه والشعر والجسد جزءًا مهمًا في الحياة الاجتماعية في بغداد.

لكن في عصرنا الحالي، أصبح مفهوم الجمال مرتبطًا بـ"ترندات" وتغيير جذري للوجه، بعيدًا عن ذلك الماضي الذي كان معتمدًا على المواد الطبيعية والحلي وتصفيفات الشعر.

وفي وقتنا هذا، أصبح "البوتوكس" و"الفيلر" هما سيدا الموقف. فبإبرة واحدة يمكن أن تتغير ملامح التقدم في العمر، أو بإجراء تجميلي واحد، يمكن جعل الجسد رشيقًا ومثاليًا بعملية نحت وشفط دهون فقط.

وهنا يطرح سؤال نفسه: هل نحن أمام تقليد قديم في العناية بالوجه والجسد؟ أم أن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي وتقليد المشاهير والركض خلف "الترندات" غيّر طبيعة هذه الرغبة وأوصلها إلى حد غير مسبوق؟

هيمنة مواقع التواصل الاجتماعي وفخ "الفلاتر"

في دراسة نُشرت في جمعية جي باك الطبية، شملت أكثر من ألف امرأة في بغداد، أكدت أن ثلث المشاركات سبق أن خضعن لإجراء تجميلي. وهنا يمكن القول إن التجميل أصبح جزءًا لا يتجزأ من الحياة المعاصرة في العراق .

لكن معايير الجمال اليوم تغيرت عن السابق، فلم تعد تتشكل داخل الأسرة والمجتمع، بل تتأثر يوميًا بصور الوجوه المعدلة والفلاتر التي تظهر عبر شاشات الهاتف. وهكذا تبدو رحلة الجمال في العراق، من الكحل والعطور إلى عالم تستطيع فيه تغيير ملامح وجهك خلال ثوانٍ معدودة عبر الهاتف، وفي الوقت نفسه يستطيع إجراء طبي جعل هذا التغيير حقيقيًا .

ربما يظن المرء أن التحديق المستمر في عشرات الفيديوهات والمقاطع والصور على مواقع التواصل الاجتماعي ليس إلا جزءًا اعتياديًا من تفاصيل اليوم، لكن ربما لا يستوعب مدى تأثيرها على فهمنا وإدراكنا للواقع. ومن خلال هذا السياق، نشرت مجلة كركوك للعلوم الطبية دراسة أجرتها على 137 شخصًا في مسح مقطعي في مستشفى الكندي التعليمي في بغداد، في قسم الأمراض الجلدية، أن 67.9 بالمئة من النساء، تتراوح أعمارهن بين 18 و35 عامًا، ممن يبحثون عن إجراءات تجميلية غير جراحية، كانت وسائل التواصل الاجتماعي المصدر الرئيسي للمعلومات لديهم، والتي شكلت رغبة ذاتية جوهرية في تغيير شكلهم الخارجي.

وفي دراسة مشابهة نُشرت في المجلة العلمية الأكاديمية العراقية عن دور مواقع التواصل الاجتماعي في الترويج لمنتجات الجمال للنساء العراقيات، خلصت إلى أن التعرض المستمر لمحتوى الجمال يخلق معايير جمالية غير واقعية، مما يزيد الضغط النفسي وقلة الثقة بالنفس.

"الغيرة" والتقليد الأعمى

تذكر السيدة هناء من بغداد أن العمليات والإجراءات التجميلية كثرت بسبب "غيرة" النساء من بعضهن البعض، فأصبحن كأنهن مستنسخات، وحتى ابنها الشاب وأصدقاؤه المقبلون على الزواج أصبحوا يشكون من مناظر النساء غير الطبيعية. لكنها تؤكد أنها ليست ضد مثل هذه الإجراءات، لكن بحدود لإبراز الجمال الطبيعي.

أثناء إجراء عملية تجميلية للأنف في بغدادصورة من: Hadi Mizban/AP Photo/picture alliance

ومن داخل قطاع التجميل، يصف الدكتور حسام الجنابي، مسؤول برامج التدريب الطبي في مجال التجميل في بغداد ، في لقاء خاص مع DW عربية، الاهتمام الزائد بالتجميل في العراق بـ"الغيرة" الناتجة عن التقليد الأعمى للمشاهير وصناع المحتوى على مواقع التواصل الاجتماعي الذي بدوره يؤثر على ذوق المرأة العراقية واختيارها لعمليات تجميل أو تحسين للمظهر. وفي أكثر الأحيان، لا تكون هناك حاجة قوية وملحة لإجراء إجراءات تجميل أو عمليات تجميل للجسد. ويضيف الدكتور الجنابي أن الأمر أصبح مبالغًا فيه لدرجة أن بعض النساء لا يملكن المال الكافي لعمل أي شيء يخص العمليات أو الإجراءات التجميلية، ومع ذلك يقمن بها وذلك بدفع التكاليف عن طريق الأقساط.

الدكتور حسام الجنابي المسؤول عن الدورات التدريبية للأطباء في مجال التجميلصورة من: Hossam Al-Janabi

وحتى المبالغة بحقن الشفاه وشد الوجه أصبحت جزءً لا يتجزأ لدى بعض النساء العراقيات، وهذا يعود إلى الرغبة القوية في تقليد "المؤثرات" على مواقع التواصل الاجتماعي، كما يصف الدكتور الجنابي.

من جهة أخرى، تقول طبيبة التجميل مريم الجبوري إن المرأة العراقية أصبحت أكثر وعيًا وأفضل انتقاءً للإجراءات التجميلية اللازمة. وتقول: "كان الطلب سابقًا يعتمد على التغيير الواضح والمبالغ به، أما اليوم فهناك شريحة كبيرة أصبحت تبحث عن نتيجة طبيعية جدًا لا تتعدى تحسين الملامح واستعادة النضارة، دون تغيير الشكل أو الهوية."

ويعود الإقبال الكبير على الإجراءات التجميلية ، على حسب رأيها، إلى سفر واطلاع العراقيين على تجارب باقي الدول، مثل أوروبا و إيران و تركيا .

ويضيف الدكتور حسام الجنابي أن في الآونة الأخيرة ازداد اهتمام الرجال العراقيين أيضاً بإجراء بعض الإجراءات التجميلية كتحسين للمظهر، ابتداءً من تنظيف البشرة إلى حقن الوجنات وعمليات تجميل الأنف. وذلك يعود إلى بحثهم عن مظهر أكثر شبابًا وأصغر عمرًا.

وفي المقابل، ترى الدكتورة مريم الجبوري أن هذا الإقبال الكبير على التجميل يجب أن يقابله زيادة في الوعي، وليس اتباعًا أعمى لـ"ترند" أو صورة نراها على مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة أنه يحتاج إلى تقييم صحيح من طبيب مؤهل يحدد أهمية الحاجة إلى الإجراء التجميلي ويعلم متى يقول "لا" للمراجع.

وتذكر الدكتورة الجبوري أن المرحلة الحالية في العراق ستكون ناضجة أكثر في مجال التجميل، لأنه، وبحسب تجربتها الطويلة في هذا المجال، أصبح المراجعون يسألون عن أمان المادة المستخدمة وعن النتيجة الطبيعية، بغض النظر عن السعر العالي، وهذا بحد ذاته "تطور إيجابي"، على حد وصفها.

تحرير: ع.ج.م