آخر الأخبار

نحو نصف الليبيين يشربون مياها ملوثة.. ما السبب العلمي؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

طرابلس- من الصنبور مباشرة، أو من خزان المنزل، أو من عبوة مياه اشتراها رب الأسرة، تصل المياه إلى موائد الليبيين بأشكال مختلفة، لكن أحدث مسح وطني لجودة مياه الشرب يفتح سؤالاً واحداً: ما الذي نعرفه فعلاً عن المياه التي يستخدمها الليبيون للشرب والطبخ وغسل الطعام؟

تكشف نتائج المسح العنقودي متعدد المؤشرات في ليبيا 2024–2025 عن وجود بكتيريا الإشريكية القولونية في مياه الشرب لدى 46.4% من أفراد الأسر المشمولة بالمسح، مع تفاوت واضح بين الريف والحضر وبين المناطق المختلفة.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 3 نجوم تكشف أسرار سماء سبتمبر/أيلول.. لماذا يُسمى مثلث الصيف؟
* list 2 of 2 15 مجرة بدائية تكشف بدقة غير مسبوقة أسرار الدقائق الأولى للكون end of list

لكن الرقم، رغم أهميته، لا يعني أن جميع هذه الحالات تمثل مصادر مستقلة للتلوث، ولا يحدد وحده المكان الذي دخلت منه البكتيريا إلى المياه، كما أنه يحدد بيانات بحثية، تعد مهممة جدا لرصد الملوثات، لكنها ليست دعوة للرعب من مياه الشرب.

وهنا تبدأ القصة الأهم: هل يأتي التلوث من مصدر المياه، أم يحدث في طريقها إلى المنزل، أم داخل الخزانات ووسائل التخزين؟

مصدر الصورة أثناء عمليات حفر آبار المياه (وكالة الأنباء الليبية)

رقم كبير.. لكن ماذا يعني؟

أظهرت نتائج المسح أن وجود البكتيريا سجل 53.5% في الريف، مقابل 45.6% في الحضر، وكان التفاوت الجغرافي أكثر وضوحا؛ إذ بلغت النسبة 91.9% في سرت، و85.1% في الجفرة، و72.4% في المرقب، مقابل 11.9% في بنغازي.

وتبدو الفجوة كبيرة إلى درجة تطرح سؤالا عن اختلاف منظومات المياه بين المناطق، لكن البيانات وحدها لا تقدم تفسيرا لهذه الفروق.

وتحذر الخبيرة البيئية ياسمين الأحمر، في تصريح خاص للجزيرة نت، من قراءة الرقم الوطني بمعزل عن طريقة أخذ العينات ومكانها، موضحة أن المسح يقدم مؤشرات عن جودة المياه عند المصدر وعند نقطة الاستخدام، لكنه ليس دراسة تشخيصية تحدد مصدر كل حالة تلوث أو الجهة المسؤولة عنها.

وتقول الأحمر إن ظهور البكتيريا لدى 100 شخص يستخدمون البئر نفسه لا يعني وجود 100 مصدر ملوث، بل قد يشير إلى مصدر واحد يؤثر في عدد كبير من المستهلكين.

إعلان

وبالتالي، فإن الرقم 46.4% يقيس حجم التعرض الذي رصده المسح، لكنه لا يحدد وحده حجم مصادر التلوث أو أسبابها.

مصدر الصورة قد يبدو اللجوء إلى المياه المعبأة حلاً بديهيا للأسر التي تشك في جودة مياه الصنبور، لكن نتائج المسح تقدم رقما يستحق التوقف عنده (غيتي)

من البئر إلى الصنبور

تلوث المياه لا يرتبط بالضرورة بمصدرها فقط، فالمياه قد تخرج من المصدر بجودة جيدة، ثم تتعرض للتلوث أثناء النقل أو عبر شبكات التوزيع أو الخزانات أو وسائل التخزين والمناولة داخل المنزل.

وتوضح ياسمين أن الطريقة العلمية لمعرفة مكان حدوث التلوث تتطلب تتبع المياه على امتداد مسارها، من المصدر إلى نقطة خروج المياه، ثم شبكة النقل والتوزيع، فالخزان، وصولا إلى نقطة الاستخدام داخل المنزل. فإذا ظهرت البكتيريا في المياه عند المصدر، فإن ذلك يوجه البحث نحو المصدر نفسه.

أما إذا كانت المياه سليمة في المصدر ثم ظهرت فيها البكتيريا عند نقطة الاستخدام، فإن البحث ينتقل إلى المراحل التي تفصل المصدر عن المستهلك.

وتشير الخبيرة إلى أن الآبار الضحلة، خصوصا في المناطق التي يكون فيها منسوب المياه الجوفية قريبا من سطح الأرض، قد تكون أكثر تعرضا للتلوث الناتج عن تسرب مياه الصرف الصحي أو الحفر الامتصاصية أو التخلص غير السليم من المخلفات.

لكنها تؤكد في المقابل أن وجود هذه البكتيريا في عينة مياه لا يسمح وحده بإسناد التلوث إلى الصرف الصحي من دون فحوص إضافية وتتبع للمصدر.

مصدر الصورة تجري الفرق اختبارات كيميائية وميكروبيولوجية وتقارن النتائج بالقيم الاسترشادية للمواصفات القياسية الليبية لمياه الشرب (الجزيرة)

لماذا تختلف المدن؟

إذا كانت نسبة وجود هذه البكتيريا تصل إلى 91.9% في سرت، وتنخفض إلى 11.9% في بنغازي، فما الذي يفسر هذا الفارق؟ لا تقدم نتائج المسح وحدها إجابة حاسمة، وتلفت ياسمين إلى أن التفاوت يمكن أن يرتبط باختلاف مصادر المياه، وعمق الآبار، وطبيعة الطبقات الجيولوجية والهيدروجيولوجية، ومدى حماية مصادر المياه، والقرب من مصادر الصرف الصحي، فضلاً عن طرق النقل والتخزين ونوعية الخزانات.

كما أن أحجام العينات تختلف بين المناطق، وهو ما يستدعي قراءة إحصائية دقيقة قبل تحويل الفروق بين المدن إلى أحكام على أداء منظومة المياه فيها.

لذلك، كما تقول الخبيرة، فإن السؤال العلمي ليس فقط "لماذا سجلت سرت نسبة أعلى من بنغازي؟"، وإنما "ما الذي يختلف في منظومة المياه بين المنطقتين ويمكن أن يفسر هذا التفاوت؟".

وهذه إجابة لا يوفرها مسح واحد، بل تحتاج إلى دراسات متابعة تربط نتائج فحص المياه بمصادرها وشبكاتها والصرف الصحي والخصائص الجيولوجية والهيدروجيولوجية لكل منطقة.

النهر الصناعي: مصدر مختلف للمياه

في المقابل, يقول المدير العام لجهاز النهر الصناعي إن الجهاز يتعامل مع جودة المياه باعتبارها جزءا أساسيا من منظومة الإنتاج والنقل.

ويوضح للجزيرة نت أن الجهاز أنشأ ثلاث إدارات لمراقبة جودة المياه موزعة على منظومات إنتاج ونقل المياه الرئيسية، هي منظومة السرير–سرت، وتازربو–بنغازي، ومنظومة الحساونة–سهل الجفارة، إضافة إلى منظومة غدامس–زوارة.

وتضم هذه المنظومات مختبرات حقلية وفرقا لمراقبة جودة المياه في حقول الآبار الإنتاجية، إلى جانب فرق ومختبرات لمتابعة المياه في مواقع خزانات التجميع بأجدابيا وسرت وسلوق.

إعلان

وبحسب المسؤول، تجري الفرق اختبارات كيميائية وميكروبيولوجية وتقارن النتائج بالقيم الاسترشادية للمواصفات القياسية الليبية لمياه الشرب، كما ترسل عينات إلى المختبر المركزي في الهواري وبن غشير لتأكيد النتائج وإعداد التقارير الفنية.

ويضيف أن الجهاز يشغل ويراقب عمليات الكلورة في سيدي السائح والطلحية للتأكد من فعالية المعالجة والقضاء على أي نمو ميكروبي، مع الحفاظ على تركيز 0.5 مليغرام/لتر من الكلور الحر المتبقي.

ويؤكد المسؤول أن مياه النهر الصناعي "خالية من التلوث" وتخضع للمراقبة المستمرة من الفرق الفنية التابعة للجهاز.

لكن هذا التصريح لا يتعارض بالضرورة مع نتائج المسح، لأنه يتناول مياه الأسر عند نقاط الفحص والاستخدام، بينما تتعلق إجراءات جهاز النهر الصناعي بمراحل محددة من منظومة إنتاج ونقل المياه التي يديرها.

حتى المياه المعبأة ليست خارج السؤال

قد يبدو اللجوء إلى المياه المعبأة حلاً بديهيا للأسر التي تشك في جودة مياه الصنبور، لكن نتائج المسح تقدم رقما يستحق التوقف عنده، وهو أن البكتيريا رصدت لدى 32.8% من أفراد الأسر التي تعتمد على المياه المعبأة.

ولا تعني هذه النتيجة أن مصدر التلوث هو شركات التعبئة بالضرورة، فالمياه قد تتعرض للتلوث أثناء النقل أو التخزين أو التعامل معها داخل المنزل، وهو ما يجعل تحديد مصدر التلوث أمرا لا يمكن حسمه من نتيجة الفحص وحدها.

وتكشف هذه النتيجة أن قضية جودة المياه لا يمكن اختزالها في السؤال عن الصنبور والمياه المعبأة، بل تتعلق بسلسلة كاملة تبدأ من المصدر ولا تنتهي إلا عند لحظة استهلاك المياه.

ماذا يعني ذلك صحيا؟

وجود الإشريكية القولونية في مياه الشرب يعد مؤشرا على احتمال تعرض المياه لتلوث برازي، وبعض سلالات هذه البكتيريا يمكن أن تسبب أعراضاً مثل الإسهال وآلام البطن والقيء. وتكتسب المسألة أهمية أكبر بالنسبة للأطفال وكبار السن والفئات الأكثر عرضة للمضاعفات.

لكن أهمية الرقم الصحي لا تعني أن كل عينة إيجابية ستؤدي بالضرورة إلى مرض، كما أن نتيجة المسح لا تقدم وحدها تقديرا لعدد الحالات المرضية الناتجة عن المياه، وهذا التفريق مهم حتى لا تتحول البيانات إلى مصدر للهلع بدلا من أن تكون أداة لفهم المشكلة.

إلى جانب فحص البكتيريا، أظهر الفحص أن 38% فقط من أفراد الأسر المشاركين يحصلون على مياه مصنفة ضمن خدمات المياه "المدارة بشكل آمن"، وهذا التصنيف لا يتعلق فقط بكون المياه تصل إلى المنزل، بل يشترط أن تأتي من مصدر محسن، وأن تكون متاحة عند الحاجة، ويمكن الوصول إليها داخل المبنى، وأن تكون خالية من التلوث البرازي.

وبذلك توسع النتائج النقاش من مجرد وجود بكتيريا في عينات المياه إلى سؤال أكبر يتعلق بجودة الخدمة نفسها واستمراريتها وسلامة منظومة الوصول إلى المياه.

من رقم وطني إلى نظام مراقبة

بالنسبة لياسمين، فإنها تؤكد أنه لا ينبغي التعامل مع نتائج المسح باعتبارها حكما نهائيا على مياه الشرب في ليبيا، وتقول إن القيمة الحقيقية للمسح تكمن في كونه نقطة بداية لدراسات أكثر تخصصا ونظام وطني مستمر لمراقبة جودة المياه.

وتقترح أن يتضمن هذا النظام أخذ عينات دورية من مصادر المياه وشبكات التوزيع والخزانات ونقاط الاستخدام، مع تسجيل موقع ونوع المصدر وتاريخ أخذ العينة وظروفها، وإجراء التحاليل الميكروبية والكيميائية اللازمة.

كما ترى أهمية ربط نتائج الفحوص ببيانات الصرف الصحي والجيولوجيا والهيدروجيولوجيا واستخدامات الأراضي، بحيث يمكن تتبع المشكلة عبر الزمن ومعرفة ما إذا كانت مرتبطة بمصدر محدد أو مرحلة من مراحل نقل المياه.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار