في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
منذ بداية العصر الصناعي، مثلت المحركات الحرارية الركيزة الأساسية التي بنيت عليها التكنولوجيا الحديثة. بدءا من المحركات البخارية القديمة وصولا إلى محركات السيارات المعاصرة، وتعتمد هذه الآلات على مبدأ كلاسيكي ثابت، وهو تحويل تدفق الحرارة بين مستودعين، أحدهما ساخن والآخر بارد، لإنتاج طاقة حركية.
ومع التقدم العلمي المذهل في مجال تكنولوجيا النانو، تطلع العلماء إلى تطبيق هذه المبادئ الفيزيائية على أصغر مقاييس الكون الممكنة، أي على مستوى الجسيمات الفردية التي تحكمها قوانين ميكانيكا الكم المختلفة.
وفي دراسة حديثة نشرت مؤخرا بدورية "نيتشر كوميونيكيشنز" نجح فريق من الباحثين من جامعة آلتو ومركز البحوث التقنية في فنلندا بتحقيق هذا الحلم. فقد تمكن العلماء من بناء وتشغيل أول محرك حراري كمومي دوري متكامل باستخدام الدوائر الكمومية فائقة التوصيل.
يقول توماس أوسناكي الباحث في مختبرات الحوسبة والأجهزة الكمومية في قسم الفيزياء التطبيقية جامعة آلتو بفنلندا، والمؤلف الرئيسي للدراسة، في تصريحات حصرية للجزيرة نت "المحرك الحراري الكمومي متناهي الصغر، يحول التدفق الحراري الصغير بين مستودع دافئ وآخر بارد إلى شغل مفيد كالإشعاع الميكروي. ولأن وسيط العمل يملك مستويات طاقة كمومية منفصلة، فإنه يوجه جزءا من التدفق الحراري إلى ناتج منظم، وهو ما يمثل خطوة نحو التحكم في البيئات الحرارية الكمومية".
لفهم طبيعة هذا المحرك المتناهي الصغر، يجب أولا فهم البيئة القاسية التي يعمل فيها. وهذا المحرك لا يعمل في درجات الحرارة العادية، بل يتم تبريده بالكامل داخل أجهزة تبريد خاصة متطورة للغاية تصل بالحرارة إلى مستوى قريب جدا من الصفر المطلق، وهي درجة حرارة تقترب من 273- درجة مئوية.
وفي هذا البرد القارس، تتوقف المواد فائقة التوصيل عن مقاومة التيار الكهربائي وتبدأ في إظهار سلوكيات كمومية غريبة ونقية، مما يتيح للعلماء التحكم التام في خصائصها دون أي تشويش خارجي قد يفسد التجربة.
وفي هذا المحرك الكمومي الصغير، تم استبدال الغاز المحبوس داخل أسطوانة محرك السيارة التقليدي ببت كمومي واحد، وهو ما يعرف بالكيوبت (qubit) وهو الوحدة الأساسية لمعالجة المعلومات في الحواسيب الكمومية، ويعتبر المقابل الكمومي للبت التقليدي المستخدم في حواسيبنا وهواتفنا اليوم.
وبدلا من المكبس المعدني الذي يضغط الغاز ميكانيكيا، استخدم العلماء موجات مغناطيسية غير مرئية لتعديل مستويات طاقة الكيوبت وتردده.
ولتقريب الصورة، يمكن تخيل تردد الكيوبت كأنه المسافة بين درجتين في سلم الطاقة. وعندما يرفع العلماء هذا التردد، فإن الفجوة بين الدرجتين تتسع، وهو ما يشبه تماما عملية ضغط الغاز داخل أسطوانة المحرك الكلاسيكي حيث يتطلب ذلك بذل طاقة على النظام. وعندما يخفض التردد، تتقارب درجتا الطاقة، وهو ما يشابه تمدد الغاز ودفع المكبس لإنتاج طاقة وحركة مفيدة.
أما الجزء الأكثر ابتكارا في هذا التصميم فهو المستودع الحراري. ففي المحركات الكلاسيكية، تحتاج الآلة إلى مستودع مادي ساخن ومستودع مادي بارد منفصلين تماما. كما تحتاج إلى وسيط عمل، ينقل الحرارة مثل غاز الفريون في الثلاجة. لكن على المستوى الكمومي الدقيق، نجح العلماء في دمج جهاز ميكروي متناهي الصغر على الرقاقة الإلكترونية نفسها يسمى ثلاجة الدائرة الكمومية.
كما أن وسيط العمل هنا لا يمكن أن يكون غازا، فالغازات أضخم من المستوى الذي نتحدث عنه، بل هو إلكترونات كمومية وطاقتها أثناء عبورها النفق الكمومي، حيث تستغل طاقتا الامتصاص والإشعاع لنقل الحرارة على المستوى الذري المجهري.
ويشرح توماس آلية هذا الابتكار بالقول "استخدمنا جهازا واحدا محكوما بالجهد يدعى ثلاجة الدائرة الكمومية، يحتوي على وصلة نفقية نانوية. وعندما نطبق جهدا إلكترونيا مناسبا، تدخل أشباه الجسيمات في الأنفاق لتمتص فوتونات الميكرويف فتتصرف كمستودع بارد، أو تبث فوتونات فيه فتتصرف كمستودع ساخن. وبدلا من استخدام حمامين حراريين منفصلين، ننتقل بين التبريد والتسخين بنبضات الجهد على المكون نفسه".
وهنا يجب توضيح أن مفهوم الساخن والبارد في هذا العالم الكمومي القريب من الصفر المطلق هو مفهوم نسبي للغاية، فالمستودع الساخن يظل باردا جدا بمقاييسنا اليومية، ولكنه يحتوي على طاقة وإثارة حرارية أعلى نسبيا من محيط الكيوبت البارد.
ويضيف ميكو موتونين الأستاذ المتفرغ في تكنولوجيا الكم والمشارك في الدراسة، في تصريحات حصرية للجزيرة نت، موضحا الفيزياء الدقيقة للعملية "إذا كان الجهد المطبق أقل من ضريبة طاقة الفجوة فائقة التوصيل، لا يمكن للإلكترون عبور النفق دون سحب طاقة إضافية من المحرك، فيبدو كحمام بارد يمتص الفوتونات. أما إذا كان الجهد عاليا، فإن الإلكترون يبث فوتونا وتعمل الوصلة كحمام ساخن".
وببساطة، يريد الإلكترون عبور النفق الكمومي، لكن الفولطية المطبقة غير كافية لمنحه تذكرة العبور. ولكي يمر، يمتص طاقة حرارية إضافية من الكيوبت المجاور على شكل فوتونات ميكروويف، وهو ما يجعله يتصرف كمستودع بارد.
أما عند الجهد المرتفع، تعطيه الفولطية طاقة فائضة عن حاجته تساعده على عبور النفق وزيادة، فيتخلص من الطاقة الزائدة عن طريق إطلاق فوتون ميكرويف، فيسخن الوسط المحيط، أي يتصرف كمستودع ساخن.
تكمن الأهمية العملية الفائقة لهذا البحث في كونه أول إثبات عملي لإمكانية استخلاص عمل وطاقة إيجابية من محرك كمومي مدمج على رقاقة إلكترونية، بتوافق تام مع الحسابات والنماذج الرياضية المعقدة.
ولا يهدف هذا الابتكار إلى إنتاج طاقة كهربائية للمنازل أو تشغيل الآلات الكبيرة، بل يحل معضلة حرارية كبرى تواجه صناعة الحواسيب الكمومية الحساسة.
وتولد المعالجات الكمومية الحالية أثناء معالجة البيانات حرارة ميكروسكوبية طفيفة، لكن هذه الحرارة كفيلة بإفساد الحالات الكمومية الحساسة للكيوبتات وتدمير المعلومات. ويقول توماس "تدار معظم المعالجات الكمومية حاليا عبر كابلات مبردة معقدة ممتدة من درجة حرارة الغرفة. وقد أثبتت تجربتنا إمكانية توليد إشارات الميكروويف محليا على الرقاقة نفسها، حيث يمكن للحرارة الزائدة أن تغذي محركا كموميا يحولها لإشعاع تشغيل للكيوبتات القريبة، مما يقلل عبء التوصيلات في الحواسيب الكمومية ضخمة المقاييس".
ويتطلع الباحثون في المراحل القادمة إلى اختبار كيفية تأثير الظواهر الكمومية المتقدمة في كفاءة هذا المحرك. ومن أبرز هذه الظواهر ظاهرة التراكب الكمومي، وهي قدرة الكيوبت على الوجود في حالتين مختلفتين في الوقت نفسه، وظاهرة التشابك الكمومي، وهي الارتباط اللحظي الغامض والعميق بين كيوبتين مهما كانت المسافة بينهما.
ويريد العلماء معرفة ما إذا كانت هذه الخصائص الفريدة ستمنح المحرك الكمومي تفوقا حقيقيا وكفاءة طاقة تفوق بكثير كفاءة المحركات التقليدية عند المقاييس الصغيرة نفسها.
وعن قابلية هذا المحرك للتوسع، يختتم ميكو "المحرك الحراري الذي بنيناه عبارة عن دائرة فائقة التوصيل تماما مثل الكيوبت العادي، لذا فإن التقنيات نفسها المتبعة لتصنيع الكيوبتات القابلة للتوسع يمكن استخدامها لتصنيع هذه المحركات بالكفاءة نفسها".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة