في 28 أبريل/نيسان الماضي، شهد المدار الأرضي المنخفض حدثا وُصف بالدقة المتناهية والخطورة البالغة في آن واحد. فقد رصدت أنظمة تتبع الفضاء قمرين صناعيين عسكريين روسيين، وهما "كوزموس 2581" و"كوزموس 2583″، وهما يتحركان بانسجام مريب لتقليص المسافة بينهما إلى 10 أقدام فقط (نحو 3 أمتار).
هذه العملية، التي حللتها شركة "كومسبوك" المتخصصة في الوعي الظرفي الفضائي، أظهرت أن القمر "كوزموس 2583" أطلق محركاته الدفعية عدة مرات للحفاظ على هذا التشكيل الضيق.
المثير للدهشة هو أن هذه الأقمار لا تحمل أجهزة التحام، مما يعني أن الهدف لم يكن الاتصال البدني، بل اختبار قدرات متطورة في ملاحقة الأهداف الفضائية بظلال دقيقة.
قد يتساءل البعض: ما الجدوى من اقتراب قمر صناعي من آخر بمسافة لا تتعدى طول سيارة صغيرة؟
والحقيقة أن "الحرب خدعة"، وفي الفضاء، القرب يعني السيطرة المعلوماتية. وتقنيا، يسمح هذا الالتصاق المداري للقمر بكسر "الحصانة الرقمية" لهدفه؛ فبدلا من الاعتماد على التلسكوبات البعيدة، يستطيع القمر المفتش التقاط صور بدقة مجهرية للهوائيات وأجهزة الاستشعار، بل والأخطر من ذلك، البدء بعمليات "استخبارات الإشارات".
فعلى هذه المسافة، يمكن اعتراض الترددات الضعيفة، أو محاولة "القرصنة القريبة" عبر حقن أوامر برمجية خبيثة في أنظمة استقبال العدو، وهي تقنيات تجعل من القمر الصناعي "جاسوسا طائرا" قادرا على كشف أسرار الخصم أو تحييده دون إطلاق رصاصة واحدة.
لم تكن هذه المناورة معزولة، بل هي جزء من حملة مستمرة لما يعرف بـ"أقمار التفتيش" (Inspector Satellites).
بدأت القصة في فبراير/شباط 2025، عندما أطلقت روسيا ثلاثة أقمار على متن صاروخ "سويوز"، ومنذ ذلك الحين، تراقب الدوائر الغربية تحركات هذه الأجسام التي يبدو أنها تتدرب على تكتيكات المراقبة والاقتراب من أقمار الدول الأخرى دون سابق إنذار.
وتاريخيا، رصدت قيادة الفضاء الأمريكية تحركات مماثلة في عام 2020، إذ اقترب قمر روسي من قمر تجسس أمريكي. ومع أن الصين والولايات المتحدة تمتلكان تقنيات مشابهة، فإن ما ميز حدث أبريل/نيسان هو "التنسيق الجماعي"؛ حيث كانت هناك أربعة أجسام فضائية تتحرك في تشكيل واحد، مما يتطلب برمجيات معقدة للغاية لإدارة المسارات المدارية دون وقوع كارثة.
ويشرح مهندسو الفضاء أن الأقمار الصناعية في المدار المنخفض تسير بسرعة هائلة تصل إلى 28 ألف كيلومتر في الساعة. وعند هذه السرعات، تقوم الحواسيب المدمجة بآلاف الحسابات في الثانية لاتخاذ قرارات المناورة آليا. وتعد فجوة الثلاثة أمتار في فضاء مفتوح نجاحا هندسيا مذهلا، لكنها في الواقع "لعب بالنار".
فأي خطأ برمجي بسيط في نظام التحكم كفيل بتحويل قمرين سليمين إلى آلاف الشظايا عالية السرعة. وبحسب الخبراء، فإن الفارق بين "مهمة ناجحة" و"كارثة عالمية" هو مجرد بضع ثوان من الحسابات الخاطئة.
وتكمن المشكلة في أن هذه المناورات تتم دون تبادل بيانات المواقع بشكل علني، مما يترك المراقبين الأرضيين في حالة تخمين دائم حول النوايا الحقيقية خلف هذه التحركات.
وتكمن الخطورة الحقيقية فيما قد يتركه الاصطدام خلفه، فنحن نعيش بالفعل أزمة "الحطام الفضائي" (Space Debris)، حيث تشير الإحصائيات إلى أن 47% من الأجسام التي تدور حولنا هي مجرد نفايات.
ويخشى العلماء من ظاهرة تُعرف باسم "متلازمة كيسلر" (Kessler Syndrome)، وهي حالة افتراضية يؤدي فيها اصطدام واحد إلى سلسلة من التصادمات المتتالية، مما يخلق سحابة من الحطام تمنع البشر من الوصول إلى الفضاء أو إطلاق أقمار جديدة لعدة أجيال.
إن الإحصاءات التي تشير إلى أن القوى العظمى (روسيا، والصين، والولايات المتحدة) هي المصدر الأكبر لهذا الحطام، تضع هذه الدول أمام مسؤولية أخلاقية وتاريخية تجاه كوكب الأرض بكامله. فالفضاء اليوم ليس مجرد ساحة للتنافس التقني أو السيادي، بل هو شريان الحياة الحديثة لكل إنسان على وجه المعمورة.
ومع غياب ميثاق دولي جامع يُلزم الجميع بالشفافية المطلقة في المناورات المدارية، تظل هذه التحركات "منطقة رمادية" تثير القلق العالمي بدلا من الطمأنينة. فمسافة الثلاثة أمتار ليست مجرد رقم تقني، بل هي جرس إنذار يُذكرنا بأن أمننا التقني المشترك -من اتصالات وملاحة وأبحاث علمية- يتطلب تغليب لغة التعاون الإنساني الشامل على لغة التوجس.
وفي ظلام المدار، لا توجد حدود دولية، وأي حطام ناتج عن سوء تقدير سيكون عدوا مشتركا يهدد طموح البشرية جمعاء في استكشاف الكون.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة