كشف علماء الكواكب تفاصيل جديدة ومهمة حول "حوض أيتكين" في القطب الجنوبي للقمر (South Pole–Aitken)، أكبر وأقدم فوهة اصطدام مؤكدة على سطح القمر. ويُعد هذا الحوض الهائل، الممتد على أكثر من ألفي كيلومتر في الجانب البعيد من القمر، واحدا من أكثر التراكيب الجيولوجية غموضا في النظام الشمسي.
وتأتي أهمية الدراسة الجديدة في توقيت حساس، إذ تستعد وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" لإرسال مهمة " أرتميس-3″ (Artemis III) المأهولة إلى المنطقة الجنوبية للقمر بحلول عام 2028.
ويرى الباحثون أن المنطقة قد تمنح العلماء فرصة غير مسبوقة للحصول على عينات مباشرة من وشاح القمر، وهي الطبقة العميقة الواقعة أسفل القشرة القمرية، والتي لم تتمكن أي بعثة سابقة من الوصول إليها أو دراستها ميدانيا.
لطالما حيّر الشكل البيضاوي غير المعتاد لحوض أيتكين في القطب الجنوبي العلماء، إذ حاول الباحثون لعقود فهم اتجاه الجسم الذي اصطدم بالقمر وشكّل هذا الحوض العملاق. وانقسمت الفرضيات بين احتمال أن يكون الاصطدام قد حدث من الجنوب نحو الشمال، أو بالعكس من الشمال نحو الجنوب.
لكن الدراسة الجديدة، المنشورة في مجلة "ساينس أدفانسس" (Science Advances)، استخدمت نماذج ثلاثية الأبعاد عالية الدقة لإعادة بناء سيناريوهات الاصطدام المحتملة. وأظهرت النتائج أن الجسم الصادم تحرك على الأرجح من الشمال إلى الجنوب، وهو ما يفسر البنية المتدرجة للحوض واختلاف سماكة القشرة القمرية حوله.
كما دعمت الدراسة هذا التفسير بوجود ترسبات غنية بالحديد والثوريوم جنوب غرب الحوض، وهي عناصر يُعتقد أنها قُذفت أثناء الاصطدام العملاق.
اعتمد العلماء على محاكاة رقمية متقدمة لتقدير حجم وسرعة وزاوية الجسم الذي تسبب بتشكيل الحوض، وأشارت النتائج إلى أن الجرم كان جسما متمايزا يحتوي على نواة كثيفة، ويبلغ قطره نحو 260 كيلومترا، وقد اصطدم بالقمر بزاوية مائلة تبلغ نحو 30 درجة، وبسرعة وصلت إلى 13 كيلومترا في الثانية.
ويرجح الباحثون أن هذا الجسم كان يدور سابقا في مدار قريب من الأرض قبل اصطدامه بالقمر. لكن الأكثر إثارة أن الدراسة تشير إلى أن مصدر هذا الجسم ربما كان حيز المريخ، أي المنطقة الواقعة في النظام الشمسي الداخلي قرب مدار المريخ، وليس من المناطق الأقرب إلى الأرض أو الزهرة.
ويمنح هذا السيناريو العلماء أدلة جديدة لفهم طبيعة الأجسام الكوكبية الأولية التي شكّلت النظام الشمسي المبكر.
أوضحت المحاكاة أن الاصطدام العنيف لم يقتصر على حفر الفوهة العملاقة، بل تسبب أيضا في قذف مواد عميقة من وشاح القمر إلى السطح. وخلال مراحل الاصطدام، مرّ الحوض بعدة عمليات جيولوجية معقدة، شملت الحفر وارتفاع القشرة، ثم انهيارها لاحقا لتشكيل البنية النهائية للحوض.
وتشير النماذج إلى أن المواد المقذوفة انتشرت بنمط يشبه "أجنحة الفراشة"، حيث امتدت لمسافة تصل إلى 550 كيلومترا خارج حافة الحوض باتجاه مسار الاصطدام، وحوالي 650 كيلومترا عرضيا.
ويُعتقد أن هذه المواد تحتوي على عينات نادرة من الطبقات الداخلية للقمر، ما قد يتيح للعلماء دراسة التركيب الكيميائي الحقيقي لباطن القمر لأول مرة بشكل مباشر.
تمنح هذه النتائج العلمية دفعة قوية لبرنامج أرتميس الذي يهدف إلى إعادة البشر إلى سطح القمر بعد أكثر من نصف قرن على بعثات أبولو. فوفقا للنماذج الجديدة، قد تهبط مهمة "أرتميس-3" في منطقة تحتوي بالفعل على مواد مقذوفة من وشاح القمر، وهو ما يرفع القيمة العلمية للمهمة بشكل هائل.
ويشير الباحثون إلى أن السيناريو القديم، الذي افترض اصطداما من الجنوب نحو الشمال، كان يعني أن موقع الهبوط المستهدف يخلو من هذه المواد العميقة. أما السيناريو الجديد، القائم على اصطدام من الشمال إلى الجنوب، فيضع موقع الهبوط مباشرة ضمن منطقة غنية بالمواد المقذوفة من الوشاح.
وإذا تأكد ذلك ميدانيا، فقد تحصل البشرية لأول مرة على عينات مباشرة من أعماق القمر، ما قد يساعد في فهم كيفية تشكّل القمر وتطور النظام الشمسي المبكر.
ولا تقتصر أهمية الدراسة على القمر وحده، بل تمتد إلى فهم التاريخ المبكر للكواكب الصخرية في النظام الشمسي. فالأحواض الاصطدامية العملاقة (Impact Basins) الموجودة على القمر والمريخ وحتى على الكوكب القزم بلوتو تُعد سجلات طبيعية للعنف الكوني الذي ساد المراحل الأولى من تشكل الكواكب.
ومن خلال دراسة حوض أيتكين في القطب الجنوبي للقمر، يأمل العلماء في إعادة بناء طبيعة الاصطدامات الكبرى التي ساهمت في تشكيل الأسطح الكوكبية وتوزيع المعادن والعناصر الثقيلة داخلها.
كما قد تساعد عينات الوشاح القمري في اختبار النظريات المتعلقة بتكوين القمر نفسه، بما في ذلك فرضية الاصطدام العملاق (Giant Impact Hypothesis) التي يُعتقد فيها أن القمر نشأ عندما اصطدم جرم كوكبي أولي يُسمى "ثيا" (Theia)، بحجم يقارب المريخ، بالأرض البدائية قبل أكثر من 4 مليارات عام، ما أدى إلى تناثر مواد اندمجت لاحقا لتشكّل القمر.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة